الدرس الثالث والعشرون
بسم الله الرحمٰن الرحيم
درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى وهو في بيان حديث عن الله يبغض كل جعظري.
قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى ءاله الطيبين وعلى سائر المرسلين وسلام الله عليهم أجمعين. أما بعد فقد روينا بالإسناد المتصل في صحيح ابن حبان رحمه الله([i]) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة. اهـ. في الحديث وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسا بصفات، منها أن يكون المرء جعظريا وأن يكون جواظا أي أن يكون الرجل جموعا منوعا وأن يكون فظا غليظا مستكبرا، والجموع الـمنوع هو الذي يحرص على جمع المال بنية فاسدة ويبخل عن دفع المال فيما أمر الله تعالى بالإنفاق فيه أي هو الذي يكون جمعه للمال حبا بالمال ويتكبر على عباد الله، ليس يجمع المال من طريق الحلال ليصرفه فيما أحل الله لأن الذي يجمع المال ليصرفه في الحلال فإن ذلك ليس بمذموم، لأن المال منه ما يذم ومنه ما يمدح، فالمال المذموم هو المال الذي يجمعه المرء من حرام أو يجمعه ليقضي به شهواته المحرمة أو ليفخر به على الناس أو ليتكبر فهذا هو المال المذموم، وأما المال الذي يجمعه المرء المسلم من حلال بنية أن يستر به نفسه وينتفع به أو ينفع غيره أو ينفقه على أولاده أو على أبويه أو غيرهما من أقاربه بغير نية التوصل إلى الفخر والتكبر على الناس فإن ذلك المال ليس بمذموم، ودليلنا على ذلك ما رويناه بالإسناد الصحيح عن الإمام أحمد وابن حبان([ii]) أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص: «نعم المال الصالح للرجل الصالح». اهـ. والمال الصالح هو المال الذي يجمعه المرء ويكتسبه بطريق حلال، وأما الرجل الصالح فهو الإنسان المؤمن الذي يقوم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد بأن يعرف ما افترض الله تعالى عليه ويؤديه ويعرف ما حرم الله عليه ويجتنبه. فإذا جمع الإنسان مع صفة الجعظري أن يكون جواظا فقد ارتفع في الشر والفساد. ثم إن زاد على ذلك أن يكون سخابا بالأسواق فقد زاد فسادا أي أنه من شدة شحه وحرصه على المال يكثر الصياح والكلام في الأسواق في سبيل جمع المال. ثم إن زاد على ذلك أن يكون جيفة بالليل حمارا بالنهار فقد زاد شره أي إذا كان يستغرق ليله بالنوم ولا يهتم بأن يكسب في ليله من الصلوات ويتزود من الطاعات وأن يجعل همه التفنن بالأكل في النهار والإكثار من الملذات وينشغل بذلك عن القيام بما افترضه الله عليه. ثم إذا أضيف إلى ذلك الوصف الأخير وهو أن يكون عارفا بأمر الدنيا جاهلا بأمر الآخرة فقد تزايد شره، فمن هنا يعلم أن من ءاتاه الله عز وجل المال وكان غارقا بطرق جمع المال وهو جاهل بأمور الدين أي بما افترض الله تعالى عليه معرفته من علم الدين فهو من شر خلق الله، ثم لا سبيل إلى أداء ما افترض الله سبحانه وتعالى واجتناب ما حرم الله إلا بمعرفة العلم الضروري من علم الدين، فمن أعرض عن تعلم هذه الضروريات من علم الدين فإنه يهلك وهو لا يشعر فإنا لله وإنا إليه راجعون، روينا بالإسناد المتصل إلى صحيح الإمام البخاري رضي الله عنه أن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ارتحلت الدنيا وهي مدبرة وارتحلت الآخرة وهي مقبلة ولكل واحدة منهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل. فعجبا لمن يقبل على المدبرة ويدبر عن المقبلة.
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين والله تعالى أعلم. انتهى.
([i]) ذكر الزجر عن العلم بأمر الدنيا مع الانهماك فيها والجهل بأمر الآخرة ومجانبة أسبابها.
([ii]) باب ذكر الإباحة للرجل الذي يجمع المال من حله إذا قام بحقوقه فيه.