فأمعنت في السير([10]) حتى ارتفع النهار، وهممت بالرجوع، ثم رفعت رؤوس رواحلكم([11])، ثم ثنى راحلته بزمامها راجعا يوضع عوده على بدئه([12])، حتى انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه حوله من المهاجرين والأنصار، فقال: بأبي وأمي، جئت أبشرك بوفد عبد القيس، فقال: «أنى لك بهم يا عمر([13])؟» قال: هم أولاء على أثري، قد أظلوا، فذكر ذلك، فقال: «بشرك الله بالخير»([14])، وتهيأ القوم في مقاعدهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا، فألقى ذيل ردائه تحت يده فاتكأ عليه، وبسط رجليه. فقدم الوفد ففرح بهم المهاجرون والأنصار، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أمرحوا([15]) ركابهم فرحا بهم، وأقبلوا سراعا، فأوسع القوم، والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ على حاله، فتخلف([16]) الأشج – وهو: منذر بن عائذ بن منذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر، فجمع ركابهم ثم أناخها، وحط أحمالها، وجمع متاعها، ثم أخرج عيبة([17]) له وألقى عنه ثياب السفر ولبس حلة، ثم أقبل يمشي مترسلا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سيدكم وزعيمكم([18])، وصاحب أمركم؟» فأشاروا بأجمعهم إليه، وقال: «ابن سادتكم هذا؟» قالوا: كان ءاباؤه سادتنا في الجاهلية، وهو قائدنا إلى الإسلام، فلما انتهى الأشج أراد أن يقعد في([19]) ناحية، استوى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا قال: «ههنا يا أشج»، وكان أول يوم سمي الأشج ذلك اليوم، أصابته حمارة بحافرها وهو فطيم، فكان في وجهه مثل القمر، فأقعده إلى جنبه، وألطفه([20])، وعرف فضله عليهم، فأقبل القوم على النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه ويخبرهم، حتى كان بعقب الحديث قال: «هل معكم من أزودتكم شيء؟» قالوا: نعم، فقاموا سراعا، كل رجل([21]) إلى ثقله([22]) فجاءوا بصبر([23]) التمر في أكفهم، فوضعت على نطع([24]) بين يديه، وبين يديه جريدة([25]) دون الذراعين وفوق الذراع، وكان([26]) يختصر([27]) بها، قلما يفارقها، فأومأ بها إلى صبرة من ذلك التمر فقال: «تسمون هذا التعضوض؟([28])» قالوا: نعم، قال: «وتسمون هذا الصرفان([29])؟» قالوا: نعم، «وتسمون هذا البرني؟»([30])، قالوا: نعم، قال: «هو خير تمركم وأنفعه([31]) لكم»، وقال بعض شيوخ الحي: «وأعظمه بركة»، وإنما كانت عندنا خصبة([32]) نعلفها إبلنا وحميرنا، فلما رجعنا من وفادتنا تلك عظمت رغبتنا فيها، ونسلناها([33]) حتى تحولت ثمارنا فيها([34])، ورأينا البركة
فيها([35]).
([1]) وفي شرح الحجوجي سقط: (بين أيديهم). اهـ.
([2]) قال في الفتح: وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة إلى عصر بطن من عبد القيس. اهـ.
([3]) وهو سيدنا عمر رضي الله عنه كما سيمر.
([4]) في تاريخ ابن أبي خيثمة (بوضع). اهـ قال في تفسير غريب ما في الصحيحين: أوضع الراكب راحلته: إذا سار بها سيرا سهلا سريعا. اهـ قلت: أي يحمل دابته على السير سريعا. قال ابن الأثير في النهاية: يقال: وضع البعير يضع وضعا، وأوضعه راكبه إيضاعا، إذا حمله على سرعة السير. اهـ.
([5]) قال في النهاية: القعود من الدواب: ما يقتعده الرجل للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا. وقيل: القعود: ذكر، والأنثى قعودة. والقعود من الإبل: ما أمكن أن يركب، وأدناه أن يكون له سنتان، ثم هو قعود إلى أن يثني فيدخل في السنة السادسة، ثم هو جمل. اهـ قال الحجوجي: (قعود له) ذكر القلاص وهو الشاب قيل سمي بذلك لأن ظهره اقتعد أي ركب. اهـ.
([6]) كذا في (أ): فقال، وأما في البقية: قال. اهـ.
([7]) في تاريخ ابن أبي خيثمة (بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم). اهـ وهو الذي يقتضيه السياق.
([8]) وقيد ناسخ (و) على الهامش: في العبارة تقديم وتأخير فمحل قوله إنه نظر بعد قوله لأبشركم وليس مقولة القول لقال. اهـ.
([9]) كذا ضبطها في (أ). قال الفيومي في المصباح: راغ فلان إلى كذا مال إليه سرا. اهـ قال الحجوجي: (أروغ) أذهب يمنة ويسرة في سرعة. اهـ.
([10]) كذا في (أ، د، هـ، ح، ط): السير، وأما في البقية: المسير. اهـ قال الحجوجي: (فأمعنت في السير) بالغت في السير بقوة. اهـ.
([11]) قال الحجوجي: (ثم رفعت رواحلكم) فرأيتكم. اهـ.
([12]) وأما في (أ، هـ): بدوه. اهـ قلت: (عوده على بدئه) أي لم يقطع ذهابه حتى وصله برجوعه. اهـ قال الحجوجي: (يوضع عوده على بدئه) من الطريق التي أتى منها. اهـ.
([13]) وقيد ناسخ (و) على الهامش: فيه إشعار أن الرجل المذكور ءانفا في قوله تلقانا رجل هو عمر رضي الله عنه كما في المواهب أخرج البيهقي بينما النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه وقال: «سيطلع عليكم ركب هم خير أهل المشرق» فقام عمر نحوهم فلقي ثلاثة عشر راكبا، فبشرهم بقوله عليه السلام ثم مشى معهم حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فرموا أنفسهم عن ركابهم فأخذوا يده فقبلوها، الحديث. اهـ.
([14]) كذا في (أ، د، هـ): بالخير، وأما في البقية: بخير. اهـ.
([15]) كذا في (أ، ح، ط): أمرجوا، بالجيم. اهـ وأما في (ك): مرجوا. اهـ وفي البقية: أمرحوا. اهـ قلت: وكذلك في المطبوع: «أمرحوا» بالحاء المهملة، والظاهر أنه تصحيف، والصواب: «أمرجوا» بالجيم، وأصله في اللغة من قولك: أمرج الدابة إذا تركها ترعى، والمراد هنا أنهم أرسلوا دوابهم وخلوها وانطلقوا إلى النبي من غير أن يعقلوا دوابهم أو يجمعوها، قال الزبيدي في التاج: مرج الدابة يمرجها وهو (إرسالها للرعي) في المرج، وأمرجها: تركها تذهب حيث شاءت. وقال القتيبي: مرج دابته: خلاها، وأمرجها: رعاها. اهـ وقال في الصحاح: ومرجت الدابة أمرجها بالضم مرجا، إذا أرسلتها ترعى. اهـ وما أثبتناه يوافق ما جاء في مصادر التخريج بما روي من غير طريق المصنف بلفظ: «فرمى القوم بأنفسهم عن رحالهم، فمنهم من سعى، ومنهم من هرول، ومنهم من مشى حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا بيده فقبلوها وقعدوا إليه»، وفي لفظ: «فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم». ذكره البيهقي في دلائل النبوة وابن كثير في البداية والنهاية والسيرة النبوية، والقسطلاني في المواهب اللدنية، وغيرهم.
([16]) قال السندي في حاشية المسند: شروع في ذكر ما فعل حين جاء، والفاء للدلالة على أن الشروع في بيان حاله ينبغي أن يكون بعد جري ذكره، ويحتمل أن الفاء للتعليل، أي: أشاروا إليه لأنه فعل فعل السادات حيث تخلف عن بعض القوم، أي: تأخر عنهم، فإنهم استعجلوا في المجيء إليه صلى الله عليه وسلم، وهذا تأخر عنهم، فأصلح أمورهم، وراعى أدب مجلس العظماء فيتحسين الثياب. اهـ.
([17]) وأما في (و): عيبته. اهـ قلت: قال النووي في شرح مسلم قال أهل اللغة: العيبة في كلام العرب: وعاء يجعل الإنسان فيه أفضل ثيابه ونفيس متاعه. اهـ وقال السندي: بفتح مهملة وسكون مثناة تحتية فموحدة: ما يوضع فيه الثياب. اهـ قال الحجوجي: (عيبة) وعاء من جلد، يكون فيه الثياب والمتاع. اهـ.
([18]) قال السندي: الزعيم: هو السيد، والعطف كعطف التفسير. اهـ.
([19]) كذا في (أ، د، هـ، ح، ط): في، وأما في البقية: من. اهـ.
([20]) قال في القاموس: ألطفه بكذا بره. اهـ.
([21]) كذا في (أ، د، هـ، ح، ط)، وأما في البقية زيادة: منهم. اهـ.
([23]) جمع صبرة، قال في لسان العرب: الصبرة الطعام المجتمع كالكومة. اهـ قال في مختار الصحاح: الصبرة واحدة صبر الطعام واشترى الشيء صبرة أي بلا وزن ولا كيل. اهـ.
([24]) قال السندي: بكسر ففتح. اهـ وقال صاحب القاموس: بساط من الأديم. اهـ.
([25]) قال الفيومي في المصباح: الجريد سعف النخل الواحدة جريدة فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما تسمى جريدة إذا جرد عنها خوصها. اهـ.
([26]) كذا في (أ، ب، د، هـ، ح، ط، ل): وكان، وأما في البقية: فكان. اهـ.
([27]) قال السندي: أي يأخذها. اهـ.
([28]) التعضوض – على وزن تفعول-: ضرب من التمر، واحدته: تعضوضة؛ قال في تاج العروس: والتعضوض، بالفتح: تمر أسود حلو، ومعدنه هجر، كما في الصحاح. اهـ وفي «المحكم» لابن سيده. قال أبو حنيفة: التعضوضة: تمرة طحلاء كبيرة رطبة صقرة لذيذة، من جيد التمر وشهية. اهـ وقال السندي: – بفتح فسكون-: تمر أسود حلو، واحدته بهاء. اهـ.
([29]) الصرفان بفتح الصاد والراء: ضرب من أجود التمر، قالوا: هو مثل البرني إلا أنه صلب الـمضاغ علك يعده ذوو العيالات، وذوو الأجراء وذوو العبيد لجزائه وعظم موقعه، والناس يدخرونه، قاله أبو حنيفة. انظر: تاج العروس. وقال السندي: ضبط بفتحتين. اهـ.
([30]) قال في تاج العروس: (البرني) بالفتح: (تمر م) معروف أصفر مدور، وهو أجود التمر، واحدته برنية، وقال الأزهري: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء عذب الحلاوة. اهـ قا ابن منظور في لسان العرب: البرني: ضرب من التمر أصفر مدور، وهو أجود التمر، واحدته برنية؛ قال أبو حنيفة: أصله فارسي. اهـ.
([31]) كذا في (أ، ج، هـ، ز، ح، ط): وأينعه، وأما في البقية: وأنفعه. اهـ.
([32]) وأما في (أ، ح، ط): حصة، وفي (ب) سقطت، والمثبت من (هـ) ومن البقية: خصبة. اهـ. وضبطها (ج، د، ل) بفتح الخاء وسكون الصاد وتنوين الفتح. اهـ وقيد ناسخ (د) فوق الكلمة: الدقل وقيل هي النخلة الكثيرة الحمل. اهـ قلت: قال في النهاية: الخصبة: الدقل، وجمعها خصاب. وقيل هي النخلة الكثيرة الحمل. اهـ.
([33]) كذا في (أ): ونسلناها. اهـ وأما في البقية: وفسلناها، إلا في (ح، ط): ففسلناها. اهـ قلت: وهكذا ورد في المطبوع: «فسلناها» بالفاء، والصواب: «نسلناها» بالنون، وكذا جاء في «تاريخ المدينة» لابن شبة، وقد أشار ابن الأثير في «النهاية» إلى الحديث في مادة (ن س ل)، قال: «نسلناها» أي استثمرناها وأخذنا نسلها، وهو على حذف الجارن أي نسلنا بها أو منها. اهـ وهو معنى ثابت في كلام العرب، نبه عليه الزبيدي في مستدركاته.
([34]) كذا في (أ، د، هـ، ح، ط): فيها، وأما في البقية: منها. اهـ.
([35]) أخرجه أحمد وابن شبه في تاريخ المدينة والخطابي في غريب الحديث وابن أبي خيثمة في تاريخه من طرق عن يحيى بن عبد الرحمن به نحوه، قال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد ورجاله ثقات. اهـ.