الخميس مارس 5, 2026

 320- باب الدعاء إذا بقي ثلث الليل

  • حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ينزل([1]) ربنا تبارك وتعالى في كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر([2]) فيقول([3]): من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني

فأغفر له»([4]).

([1]) قال النووي في شرح مسلم: هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيه مذهبان مشهوران للعلماء سبق إيضاحهما في كتاب الإيمان ومختصرهما أن: أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وبضع المتكلمين: أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق. والثاني: مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف، وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي: أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها، فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما: تأويل مالك بن أنس وغيره معناه: تنزل رحمته وأمره وملائكته، كما يقال: فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره. والثاني: أنه على الاستعارة، ومعناه: الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف، والله أعلم. اهـ وقال القرطبي في تفسير سورة ءال عمران، عند قوله تعالى: {والـمستغفرين بالأسحار} [ءال عمران: 17]، بعد ذكره حديث النزول ما نصه: وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى) صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال، وأن الأول من باب حذف المضاف، أي ينزل ملك ربنا فيقول. وقد روي «ينزل» بضم الياء، وهو يبين ما ذكرنا، وبالله توفيقنا. اهـ ونقله عنه الحافظ في الفتح وأقره وقال: وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول أي ينزل ملكا. اهـ قلت: ويؤيد ذلك حديث عثمان ابن أبي العاص الذي أخرجه أحمد في مسنده بلفظ: «ينادي مناد كل ليلة: هل من داع فيستجاب له»، الحديث، وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير عنه بلفظ: «تفتح أبواب السماء نصف الليل فينادي مناد: هل من داع فيستجاب له»، الحديث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. اهـ وقال الحافظ السيوطي في سهام الإصابة في الدعوات المجابة: سنده صحيح. اهـ قال رئيس القضاة الشافعية في مصر في زمانه القاض بدر الدين بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل: اعلم أن النزول الذي هو الانتقال من علو إلى سفل لا يجوز حمل الحديث عليه لوجوه: الأول: النزول من صفات الأجسام والمحدثات ويحتاج إلى ثلاثة أجسام منتقل ومنتقل عنه ومنتقل إليه، وذلك على الله تعالى محال، الثاني: لو كان النزول لذاته حقيقة لتجددت له في كل يوم وليلة حركات عديدة تستوعب الليل كله وتنقلات كثيرة لأن ثلث الليل يتجدد على أهل الأرض مع اللحظات شيئا فشيئا، فيلزم انتقاله في السماء الدنيا ليلا ونهارا من قوم إلى قوم وعوده إلى العرش في كل لحظة على قولهم ونزوله فيها إلى سماء الدنيا، ولا يقول ذلك ذو لب وتحصيل، الثالث: أن القائل بأنه فوق العرش وأنه ملأه كيف تسعه سماء الدنيا وهي بالنسبة إلى العرش كحلقة في فلاة فيلزم عليه أحد أمرين إما اتساع السماء الدنيا كل ساعة حتى تسعه أو تضاؤل الذات المقدس حتى تسعه ونحن نقطع بانتفاء الأمرين. اهـ.

زيادة فائدة: قال إمام الحرمين الجويني في كتابه الشامل في أصول الدين: وقال بعض أهل التأويل: المعنى بنزول الله نزول ملائكته المقربين الحافين حول العرش، وتضمن الحديث بتضمنهم من حيث ذكر اسم الله تعالى، وحذف ذكر الملائكة. وسبيل ذلك، كما تقدم في قوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] وقوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله} [الأحزاب: 5]. وهذا الوجه حسن في التأويل أيضا اهـ وقال القسطلاني في إرشاد الساري: وقد حكى ابنفورك: أن بعض المشايخ ضبطه بضم الياء من: ينزل. قال القرطبي: وكذا قيده بعضهم، فيكون معدى إلى مفعول محذوف، أي: ينزل الله ملكا. قال: ويدل له رواية النسائي: إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديا يقول: هل من داع فيستجاب له الحديث. وبهذا يرتفع الإشكال. اهـ وقال الحجوجي: النزول محال على الله لأن حقيقته الحركة من جهة العلو إلى الأسفل، وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه عن ذلك، فليتأول ذلك بأن المراد نزول ملك الرحمة ونحوه أو يفوض مع اعتقاد التنزيه، وقال البيضاوي: ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه. اهـ.

([2]) قال في إرشاد الساري: بكسر المعجمة. اهـ وكذا في النسخة السلطانية.

([3]) وقد أفاد شيخنا الإمام المحدث عبد الله بن محمد الهرري رحمات الله عليه في كتابه المقالات السنية في رده على شبهة المجسمة في اعتراضهم على رواية النسائي لحديث النزول حيث قالوا: إن هذه الرواية تستلزم حصول قول من الملك: هل من مستغفر فأغفر له وهل من داع فأستجيب له. اهـ قال رحمه الله: إن قوله تعالى: {وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة} الآية [الأعراف: 22]، فيه دليل على صحة رواية النسائي: «إن الله يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا…» فكما أن الله تعالى نسب نداء الملك لآدم وحواء إلى نفسه لكونه بأمره، فكذلك صح إسناد نزول الملك إلى السماء الدنيا ليبلغ عن الله، بأن يقول: إن الله يقول لعباده الداعين والسائلين: من يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه، إلى ءاخر ما ورد فيه، وليس المعنى أن الملك يقول عن نفسه من يستغفرني فأغفر له ومن يدعوني فأستجيب له ومن يسألني فأعطيه. اهـ ثم قال رحمه الله: فيكون هذا كالذي ورد في الصحيحين في حديث المعراج وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «فلما جاوزت نادى مناد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» أن هذا المنادي وهو الملك، يقول هذا مبلغا عن الله، قال الله تعالى: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، لأنه لا يجوز أن يقال عن الملك إنه يعبر عن نفسه بهذا الكلام. اهـ قلت: والنقول عن أئمة أهل السنة في هذا كثيرة. اهـ.

([4]) أخرجه المصنف في صحيحه بسنده ومتنه، وأخرجه كذلك ومسلم من طرق عن الزهري به نحوه.