ليعلم أن الخمر كانت محرمة في كل شرائع الأنبياء الذين بعثوا قبل سيدنا محمد صلى الله عليهم وسلم، وحرمت في شريعة سيدنا محمد ﷺ بعد البعثة بمدة فهي محرمة إلى يوم القيامة. وليعلم كذلك أنه ما من أحد من الأنبياء شرب الخمر أو شجع على شربها، وذلك لأنها تذهب العقول وتحسن ارتكاب الفواحش، وهذا ينافي المروءة، وأما ما يفتريه البعض على سيدنا عيسى عليه السلام من قولهم: إنه شرب الخمر أو شجع على شربها فهو باطل.
ولبيان هذا الأمر أكثر هاكم قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (٩٠) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر اللـه وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90، 91]. وروى الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتاني جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها ومستقيها»([1]). وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة([2])»، أي: إن لم يتب يحرم شرب خمر الجنة الذي لا يسكر ولا يصدع الرأس وليس نجسا. فقوله تعالى: {فاجتنبوه} مع قوله {فهل أنتم منتهون} دليل على حرمة شرب الخمر، وقبل نزول هاتين الآيتين لم ينـزل حكم تحريم الخمرة على أمة محمد ﷺ أي إذا كانت إلى القدر الذي لا يضر الجسم. ثم بعد ذلك حرمت كما جاء في القرآن والحديث والإجماع، على أن الأنبياء عليهم السلام لا يشربونها ولا يحثون أممهم على شربها لأن ذلك ينافي حكمة البعثة التي هي تهذيب النفوس، وقليل الخمر يؤدي إلى كثيره.
[1])) مسند أحمد، أحمد، مسند عبد الله بن العباس بن عبد المطلب. (1/316)، رقم 2899.
[2])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الأشربة وقول الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} (7/135)، رقم 5575. صحيح مسلم، مسلم، باب: عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها بمنعه إياها في الآخرة، (6/101)، رقم 5340.