الجمعة فبراير 13, 2026

#44 2-2 معاصي القلب

الحمد لله الواحد العلام والصلاة والسلام على محمد طه الإمام وعلى آله وأصحابه على الدوام. أما بعد فإن من معاصى القلب أن يسىء إنسان الظن بالمسلمين بواحد أو أكثر من غير قرينة معتبرة. وذلك كأن يسرق له مال فيقول بقلبه لا بد أن فلانا هو الذى سرقه لى من غير أن يكون هناك أية قرينة تدل على ذلك. وأما لو اعتمد على قرينة معتبرة كأن كان هذا الشخص معروفا بالسرقة ووجد على حال مريبة فى المكان الذى حصلت السرقة فيه فقال فى قلبه كأن فلانا هو الذى أخذ المال فلا إثم عليه. وكثير من الناس يقعون فى إساءة الظن، وذلك لأن كثيرا من الناس إذا كرهوا إنسانا يصير سهلا على قلوبهم أن ينسبوا إليه المعايب من غير تحقق. فإذا رأوا منه تصرفا يحتمل وجها حسنا ويحتمل وجها سيئا يحملونه على الوجه السىء من غير أية قرينة معتبرة، إنما بسبب ما فى قلوبهم من الكراهة له فيقعون فى إساءة الظن عافانا الله منها.

وليعلم أن الفرح بالمعصية معصية سواء صدرت من الشخص أو من غيره فى حضرته أو فى غيبته. فإذا علم بها ففرح لصدورها فهو ءاثم.

ومن معاصي القلب الغدر ولو بكافر كأن يؤمـنه ثم يقتله، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم الغدر حتى بالكافر. فلو أمن شخص إنسانا مثلا ثم غدر به فقتله فهذا حرام. ولو كان هذا المؤمن فى الأصل كافرا حربيا ثم قال له مسلم “تعال إلينا أنت ءامن” فجاء بسبب ذلك الأمان فغدر ذلك  المسلم فقتله فهو ءاثم. فكيف إذا كان الغدر بمسلم؟ وهذا الغدر يشمل فيما لو عامل إنسانا بمعاملة من بيع وشراء ونحو ذلك فغشه ولو كان كافرا.

ومن معاصي القلب المكر، وهو والخديعة بمعنى واحد، ومعناه إيصال الضرر إلى المسلم بطريقة خفية. وقد ذم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بقوله: “المكر والخداع فى النار” رواه الترمذى.

ومن معاصي القلب البخل بما أوجب الله، والشح، والحرص. وليعلم أن هذه المعاصى الثلاث منشأها شدة تعلق القلب بالمال ولو أدى ذلك إلى وقوع الشخص فى المعصية. المعصية الأولى هى البخل. والبخل هنا معناه عدم دفع الحق الذى فى المال، وذلك كنفقة الأولاد الواجبة ونفقة الزوجة والزكاة وما شابه ذلك. فإذا زاد هذا البخل يقال له شح، يعنى إذا كان الشخص يمتنع من دفع الزكاة يقال عنه بخيل لكن إذا امتنع من دفع الزكاة ومن دفع النفقة الواجبة عليه يقال عنه عند ذلك شحيح أى أن بخله زائد. فإذا ازداد تعلق قلب الإنسان بجمع المال بحيث لا يهتم إن جمعه من حلال أو من حرام، يعنى لا يـتأخر عن جمع المال من حرام ليتوصل به إلى أمور محرمة كالفخر والترفع على الناس ولينفقه فى شهوات النفس فهذا حرص وهو حرام. فأصل المعاصى الثلاث شدة تعلق القلب بالمال بطريق فيه عصيان الله تبارك وتعالى. ولذلك أهل الصلاح يعودون أنفسهم الزهد فيكونون أقوى على اجتناب المحرمات. وأما من جمع المال من حلال بنية صالحة أى ليعف نفسه ولينفق على أهل بيته وليحسن إلى أقاربه ويبذل المال فى المصالح يكون ماله هذا هو المال الذى مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “نعم المال الصالح للرجل الصالح”، رواه الإمام أحمد. فهذا الحديث هو فى المال الذى ذكرناه أى الذى يجمعه الإنسان من حلال لينفقه فيما هو ذخر له فى الآخرة.

وفي الختام نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة اللهم اغفر لنا ذنوبنا والحمد لله رب العالمين.