ومن جملة ما افتري به على سيدنا موسى عليه السلام ما روي عن كعب الأحبار([1]) أنه قال (والقصة مكذوبة): «أصاب الناس قحط شديد على عهد موسى رسول الله عليه السلام، فخرج موسى ببني إسرائيل يستسقي لهم، فلم يسقوا، حتى خرج ثلاث مرات ولم يسقوا، فأوحى الله إلى موسى عليه السلام أن لا أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام، فقال موسى: يا رب، ومن هو حتى نخرجه من بيننا، فأوحى الله إليه: يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماما، فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربكم أجمعكم عن النميمة، فتابوا، فأرسل الله تعالى عليهم الغيث».اهـ.
وفي رواية أخرى (وهي قصة مكذوبة) يزعمون أن موسى خرج يستسقي ببني إسرائيل، وكانوا سبعين ألفا، وكان في السماء بعض السحاب، فقام نبي الله موسى عليه السلام يدعو وبنو إسرائيل يؤمنون على دعائه، وفجأة بدأ السحاب يتفرق، وكانت مفاجأة لا يتوقعها أحد، كيف لا يجيب الله دعاء كليمه موسى عليه السلام، وعندها قال موسى مناجيا ربه: رب ما عودتني هذا، وإنما عودتني إذا دعوتك أن تجيب دعائي، فجاء الجواب من الله عز وجل: يا موسى، إن بينكم عبدا لي عصان أربعين سنة، وإن لن أسقيكم ما دام بينكم، فمره يخرج حتى أسقيكم، فقال موسى: رب وكيف لي به؟ أعلمني إياه حتى أخرجه، فقال له رب العزة والجلال: بل ناد في بني إسرائيل: يا من عصيت الله أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا حتى يسقينا الله. فقال موسى: رب وأنى لي أن يبلغهم صوتي وهم سبعون ألفا؟ قال: يا موسى، عليك النداء وعلينا البلاغ (انتبه هذه قصة مكذوبة) فجمعهم موسى في صعيد واحد، ثم قال لهم ما أمره به ربه عز وجل، فصار الناس ينظر بعضهم إلى بعض، وكل يرجو ألا يكون هو المراد، ولكن لم يخرج أحد، فأعاد موسى النداء ولم يخرج أحد، وأعادها الثالثة وقال: ويلك يا من عصيت الله أربعين سنة، سيهلك الناس بسببك فاخرج من بين أظهرنا، وكان الرجل المقصود ينتظر في كل مرة ينادي فيها موسى أن يخرج غيره، ويتمنى ألا يكون هو المعني بكلام موسى، ولكن في المرة الثالثة أيقن أنه المراد، وخاف الفضيحة، وصارت نفسه تراوده ويراودها هل أخرج حتى لا يهلك الناس؟ أو أبقى حتى لا أفضح؟ وبينما هو كذلك متردد بين الخروج وعدمه قرر أمرا ثالثا خطر في باله، ترى ما هو؟ لقد قرر أن يتوب إلى الله، فغطى رأسه بجبته ثم قال: رب عصيتك أربعين سنة وسترتني أفتفضحني اليوم، اللهم إن تبت إليك، اللهم اسقنا الغيث ولا تفضحني اليوم. وخلال لحظات وإذا السحاب يجتمع من كل مكان، والناس ينظر بعضهم إلى بعض، وينظرون إلى موسى وينظر موسى إليهم، ترى أين وعد الله ألم يقل موسى إن الله لا يسقينا حتى يخرج الرجل ولم يخرج أحد، ونزل المطر وسقى الله العباد (انتبه هذه قصة مكذوبة). فقال موسى مناجيا ربه متعجبا: رب سقيتنا ولم يخرج الرجل، وأنت قلت: لن تسقينا حتى يخرج فقال الله لموسى: يا موسى إنما سقيتكم بالذي منعتكم به.
فقال موسى: كيف ولم يخرج الرجل فقال الله: يا موسى لقد تاب الرجل. عند ذلك أحب موسى أن يرى هذا الرجل فقال: رب أرن إياه يكون من خاصتي، فكان الجواب من الله عز وجل: يا موسى، عصانا فسترناه، أفإن تاب إلينا فضحناه».اهـ.
وهذه القصة فيها سوء ظن بموسى عليه السلام أنه كان سيفضح الرجل بين الناس، ومعلوم أن الأنبياء عليهم السلام أنصح الناس للناس، ولو افترضنا أن سيدنا موسى علم بحال رجل كذلك الرجل المتقدم لنصحه سرا وطالبه بالتوبة بينه وبين الله وستر عليه، كما يروى في قصة نبي من أنبياء الله الكرام كان قد جاهد مع قومه عدوا، فلما انتصروا نزلت النار لأخذ الغنائم فلم تأكلها بسبب غلول في الناس، فبايع النبي من كل سبط – أي: قبيلة – شخص حتى التصقت بيد رجل فقال: فيكم الغلول، فبايعته القبيلة فالتصقت يده بيد رجلين فعرف أنهم أهل الغلول ولم يكن في ذلك نميمة ولا مخالفة للشرع.
وقد أورد القرطبي هذه القصة فقال: «كانت تنزل من السماء إذا غنموا نار بيضاء فتأكل الغنائم، وكان ذلك دليلا على قبولها، فإن كان فيها غلول لم تأكله، وجاءت السباع والوحوش فأكلته، وكانت نارا بيضاء مثل الفضة لها حفيف، أي: صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر في ما يذكرون، فذكروا أنه أحرق الغال ومتاعه بغور يقال له الآن غور عاجز، عرف باسم الغال، وكان اسمه عاجزا. قلت – أي: القرطبي -: ويستفاد من هذا عقوبة الغال قبلنا، وقد تقدم حكمه في ملتنا، وبيان ما انبهم من اسم النبي والغال في الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع([2]) امرأة وهو يريد أن يبني بها ولـما يبن، ولا آخر قد بنى بنيانا ولـما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات([3]) وهو منتظر ولادها. قال فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علي شيئا. فحبست عليه حتى فتح الله عليه – قال – فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل. فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك. فبايعته – قال – فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم – قال – فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب – قال – فوضعوه في المال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته. فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا»([4]). قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أريحاء([5]) وإشرافه على فتحها عشي يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ويعلم به عدوهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم، فكان ذلك آية له خص بها بعد أن كانت نبوته ثابتة بخبر موسى عليه الصلاة والسلام على ما يقال. والله أعلم»([6]).اهـ.
بعد هذا يتبين أن الأنبياء عليهم السلام جميعا لا يتصفون بصفات نقص في حقهم، فعلى المكلف أن يتعلم ما فرض الله عليه حتى لا يقع في المهالك، وذلك عن طريق تلقي العلم من أهل الثقة الأمناء، وأولى العلوم بالتقديم والاهتمام علم التوحيد، لأن شرف العلم بشرف المعلوم، ولـما كان علم التوحيد يفيد معرفة الله على ما يليق به ومعرفة رسوله على ما يليق به وتنزيه الله عما لا يجوز عليه وتبرئة الأنبياء عما لا يليق بهم كان أفضل من علم الأحكام ومن ثـم قال الإمام الشافعي: «أحكمنا ذاك قبل هذا»([7]).اهـ. أي: علم التوحيد قبل فروع الفقه.
[1])) كعب بن ماتع بن ذي هجن الحميري (ت32هـ)، أبو إسحاق، تابعي. كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن أبي بكر r، وقدم المدينة في دولة عمر عليه رضوان الله، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم كثيرا من أخبار الأمم الغابرة، وأخذ هو من الكتاب والسنة عن الصحابة. وخرج إلى الشام، فسكن حمص، وتوفي فيها عن مائة وأربع سنين. حلية الأولياء، أبو نعيم (5/364). الأعلام، الزركلي، (5/228).
[2])) «ملك فلان بضع فلانة وهو النكاح».اهـ. جمهرة اللغة، الأزدي، (1/352).
[3])) «الخلف بوزن الكتف المخاض وهي الحوامل من النوق، الواحدة خليفة».اهـ. مختار الصحاح، الرازي، مادة: (خ ل ف)، (1/95).
[4])) صحيح مسلم، مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، (5/145)، رقم 4653.
[5])) أريحا – بالفتح ثم الكسر وياء ساكنة والحاء مهملة والقصر – هي مدينة الجبارين في الغور من أرض الأردن بالشام بينها وبين بيت المقدس يوم للفارس في جبال صعبة المسلك. سميت في ما قيل بأريحا بن مالك بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. معجم البلدان، ياقوت الحموي، (1/165).
[6])) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، (6/130).
[7])) مناقب الشافعي، البيهقي، (1/457).