الجمعة فبراير 13, 2026

مجلس كتاب “سمعت الشيخ يقول” رقم (90)

 معنى العارف بالله – وتنزيه الله تعالى عن الكيفية

                      بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمد رسول الله وعلى آل بيته وصحابته ومن والاه

يقول الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني حفظه الله تبارك وتعالى وغفر له ولوالديه ومشايخه

وقال الإمام الهرري: من عرف الله وآمن برسوله صلى الله عليه وسلم وأدى الواجبات واجتنب المحرمات

(المسلم إذا قال أنا أعرف الله أو قيل عن مسلم يعرف الله معنى ذلك أنه يعرف ما يجب لله ويعرف ما يستحيل على الله ليس معناه أنه يحيط علما بحقيقة الله، لا، الله سبحانه وتعالى ذات أزلي أبدي لا يشبه شيئا من خلقه متصف بصفات أزلية أبدية منزه عن كل صفات المخلوقين.

والمسلم يعرف الله بأن يعرف ما يجب لله وما يستحيل عليه، وإذا قيل عن مسلم هذا عارف بالله فهذا معناه يعني يعرف أنه متصف بالعلم بالقدرة بالحياة بالإرادة بالسمع بالبصر بالكلام وأنه مخالف للحوادث قائم بنفسه وأنه موجود وأنه لا يحتاج إلى شىء من خلقه ولا شبيه له بالمرة لا يتغير لا يتطور وأن صفات الله ليست كصفات خلقه، هذا معنى قول المسلم أنا أعرف الله، يعني أعرف ما يجب لله وما يستحيل على الله، ولا يعرف الله على الحقيقة إلا الله.

الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا مثيل، وكلمة عارف بالله ليست خاصة بكبار الأقطاب والأولياء كما يظن بعض العامة، وهذا ليس صحيحا لأننا نقول الأنبياء يعرفون الله الملائكة يعرفون الله الأولياء يعرفون الله المسلمون يعرفون الله.

المسلم إذا كان تقيا وليا صالحا أو كان مسلما عاميا يقال عنه يعرف الله، لكن بعض الناس يريدون من كلمة العارف بالله كأنهم يفهمون منه ولي كبير كمولانا الشيخ عبد القادر الجيلاني الباز الأشهب رضي الله عنه وأرضاه أو مولانا الغوث الإمام الجليل السيد الإمام الرفاعي الكبير رضي الله عنه وأرضاه، أو السيد البدوي أو إبراهيم الدسوقي، شاه نقشبند أبو الحسن الشاذلي أبو مدين الغوث رضي الله عنهم جميعا ونفعنا ببركاتهم.

فهذا اللفظ إذا أطلق عليهم العارف بالله الغوث الجيلاني مثلا، العارف بالله الإمام الرفاعي هذا صحيح لكن ليست خاصة بهم.

ثم ليس دليلا على علو مقام الإنسان في الولاية إذا قيل يعرف الله، مثلا إذا قلت هذا المسلم العامي يعرف الله، كلمة يعرف الله ليس معناها أنه ولي كبير إنما هو مؤمن مسلم يعرف ما يجب لله وما يستحيل على الله عز وجل، هذا معنى معرفة المسلم بربه لا يحيط إحاطة علم بحقيقة ذاته لا، نحن نعرف الله بما يجب له نعرف الله بما يستحيل عليه، هذا معنى نعرف الله أو فلان يعرف الله أو معرفة الله تكون بكذا وكذا وكذا، ليس معناه على معنى الإحاطة بحقيقة ذات الله تعالى، حاشى لله فالله تعالى هو الذي أوجب علينا أن نحصل هذا القدر من العلم وأن لا ندعي ما ليس عندنا.

لذلك إذا كان الغوث الرفاعي القطب الرفاعي البحر الإمام الرفاعي الجبل العظيم الرفاعي رضي الله عنه أفضل أولياء زمانه وأعلم العلماء في عصره في كتاب الله وسنة نبيه وأجل الأولياء في وقته رضي الله عنه قال عبارة تعطي كل الذي شرحته، قال رضي الله عنه وأرضاه “غاية المعرفة بالله الإيقان بوجوده تعالى بلا كيف ولا مكان”

غاية المعرفة يعني أقصى ما يتوصل إليه العارف غاية ما يعرفه ويحصله العارف أن يؤمن ويعتقد ويصدق بلا تردد ولا شك ولا ريب أنه تعالى موجود ووجوده ليس كوجودنا.

الكيف معناه الشكل الصورة الطول القعود الاستلقاء الاتكاء القرفصاء الانبطاح العرض العمق السمك الأدوات الجوارح التركيب الاستقرار المماسة المحاذاة، هذا كله كيف وهو مستحيل على الله.

وكلمة “بلا كيف” هذه تأويل يعني صرف لكل الأخبار المتشابهة عن ظواهرها.

لو جئت مثلا إلى آيات القرآن فعددت كم آية متشابهة فيها مثلا مائة؟ إلى الأحاديث المتشابهة كم حديث متشابه؟ هذا من باب المثال، هذه الكلمة “بلا كيف” تنفي عن الله كل ما كان من معاني المخلوقين وكل ما كان من صفات الأجسام وكل ما كان من معاني المحدثين وسمات المخلوقين من طول وهيئة وصورة وعرض وعمق وقعود وجلوس وحركة وسكون واتصال وانفصال وحلول في الأماكن وانتقال من مكان إلى مكان وتحيز وجهات، “بلا كيف” هذه وحدها لفظة سريعة مختصرة هينة سهلة تنفي كل ذلك عن الله يعني تصرف الأخبار المتشابهات عن ظواهرها لأن الذي يحمل الآيات والأحاديث المتشابهة على ظواهرها وقع في إثبات الكيف لله يعني صار مشركا مجسما مشبها مكذبا لله تعالى.

عبارة وجيزة جمعت كل هذا المعنى الواسع، الكيف هو كل ما كان من معاني المخلوقين من هيئات وأشكال وألوان القعود الجلوس التحيز في السماء هذا كيف، الاستقرار على العرش كيف، مماسة العرش كيف، قولهم في العرش بلا مماسة كيف، الحجم الامتداد الاتساع المساحة المسافة هذا كله كيف، هذه العبارة وحدها تنفي عن الله كل ذلك.

ثم ما تشيعه المشبهة المجسمة من عبارة زائفة يكذبون بها على الإمام مالك بقولهم “والكيف مجهول” هذا افتراء مالك رضي الله عنه ما قال ذلك، ثم يقال لهم الذي أثبته الإمام الحافظ الحجة البيهقي أبو بكر أحمد بن الحسين رضي الله عنه في كتابه الأسماء والصفات عن مالك بإسناد جيد أنه قال “ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع” وفي رواية “والكيف غير معقول” هذا الذي أثبته عن مالك بإسناد جيد.

أما والكيف مجهول هذه تلهث بها المجسمة المشبهة، ثم كلمة الكيف لم يرد إثباتها لله لا في الكتاب ولا في السنة ولا أجمعت عليها الأمة.

إذا قال لك قائل لكن أليس قال بعض أهل السنة “كيفية المرء ليس المرء يدركها فكيف كيفية الجبار في القدم” فمرادهم حقيقة الله تعالى لا يعلمها إلا الله، على أن هذا ليس حديثا ولا قرآنا.

الإمام مالك ما قال والكيف مجهول، فإذا قالوا لكم لكن في بعض كتب أهل السنة من المتأخرين “والكيف مجهول” يقال لهم: هؤلاء أنفسهم في نفس الكتب بل أحيانا في نفس الصحيفة يقولون: ومن قال الله قاعد أو جالس أو جسد أو جسم فهو كافر، فتبين أنهم لا يفهموا ولا يريدون من كلمة الكيف مجهول الشكل والحجم والصورة والقعود والجلوس إنما أرادوا حقيقة الله نحن لا نعلمها، هذا الآن في الدنيا نحن علينا أن نعرف ما يجب لله وما يستحيل عليه.

وهذه العبارة على أنها ليست حديثا وليست قرآنا “فكيف كيفية الجبار في القدم” وهم أولوها وشرحوها، على أننا لسنا ملزمين ولا مقيدين بها كما أننا ملزمون بالكتاب والسنة الثابتة والإجماع  لكن هم الذين قالوها أولوها وفسروها، كذلك الذين قالوا والكيف مجهول لفظهم هذا مردود لو كانوا من أهل السنة على أنهم لا يريدون بالكيف الجسم والشكل والصورة والهيئة والقعود والجلوس، أما المشبهة المجسمة عندما يقولون والكيف مجهول يريدون الهيئة الشكل الصورة الكمية لأنهم صرحوا بأبشع من ذلك، صرحوا بالقعود بالجلوس بالمماسة.

فإذأ عندما تقول المجسمة أو المشبهة أو أئمتهم والكيف مجهول يريدون الشكل والصورة لا مفر ولا مهرب لأنهم هم صرحوا بالجلوس والقعود في حق الله واعتقدوه جسدا  قالوا حقيقة على العرش وقالوا بذاته في السماء، ما تركوا ولا أبقوا من التشبيه والتجسيم من شىء، فإذا هم مشبهة مجسمة.

فإن أصروا في الافتراء على الإمام مالك وفي كذبهم عليه وأصروا على لفظ “والكيف مجهول” تقولون لهم: الإمام مالك برىء من ذلك وهو قال “نزول رحمة لا نزول نقلة” هذا نفي للكيف، الإمام مالك نفى الكيف عن الله وهناك صرح كما أثبت البيهقي قال “ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع” وفي رواية “والكيف غير معقول”

وهذا الذي أثبته البيهقي بإسناد جيد عن مالك لكن إن أصر هؤلاء المشبهة على الافتراء والكذب والتدليس ونسبة هذا الكذب المفضوح للإمام مالك يقال لهم هو نفسه قال “نزول رحمة لا نزول نقلة” وهذا رواه الزرقاني في شرح الموطأ.

فإذا يكون هذا دليل آخر من قول مالك على أنه هو نفسه ينفي الكيفية والحركة والسكون عن الله، ينفي التحيز والمكان عن الله، ينفي القعود والجلوس عن الله.

ثم الإمام مالك أول الاستواء بالاستيلاء لأنه صرف النص عن ظاهره، عندما صرف النص عن ظاهره هذا يكفينا أنه منزه سني مؤول لا يقول بالكيف بل ينفي الكيف عن الله تعالى، بل الإمام مالك أول تأويلا تفصيليا في الاستواء وغير الاستواء كما أثبت عنه ذلك أبو بكر أحمد ابن حسين البيهقي في كتابه الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد، قال البيهقي وهو يروي عن مالك والليث بن سعد والأوزاعي أنهم قالوا في الأخبار المتشابهة كالآيات {الرحمن على العرش استوى} {ءأمنتم من في السمآء} والآيات والأحاديث المتشابهة قالوا “أمروها كما جاءت بلا كيف”

الإمام مالك يقول بلا كيف، الليث بن سعد يقول بلا كيف، الأوزاعي يقول بلا كيف، وهذا وحده تأويل، ولو كان تأويلا إجماليا يكفي، يعني ليسوا مجسمة ولا مشبهة ونزهوا الله عن القعود والجلوس والتحيز في المكان والجهات وعن الانتقال والصعود والحركة والنزول بالحركة وغير ذلك، وهؤلاء من أئمة السلف مالك والليث بن سعد والأوزاعي وعدد كبير، قولهم بلا كيف هذا وحده تأويل ولو كان إجماليا، على أن من الصحابة والسلف ومن الأئمة من أول تأويلا تفصيليا كما أثبت ذلك البيهقي عن الإمام أحمد في كتاب مناقب أحمد، قال في قول الله في سورة الفجر {وجآء ربك والملك صفا صفا}-سورة الفجر/22- قال جاءت قدرته أي آثار قدرته، الأمور والأهوال الغريبة العجيبة التي يظهرها ذلك اليوم وكانت خافية عن العباد.

هذا تأويل تفصيلي من إمام من أئمة أهل السنة وهو الإمام أحمد بن حنبل بالإسناد لأن البيهقي روى ذلك عنه.

وأنتم أيها المشبهة المجسمة تنتسبون إلى الإمام أحمد كذبا وزورا وبهتانا وهو يؤول ويكفر من يقول الله جسم كما نقل عنه ذلك بدر الدين الزركشي في كتابه تشنيف المسامع في المجلد الرابع قال “وقال أحمد من قال جسم لا كالأجسام كفر” ثم أنكر أن يكون الأشعري أو بعض الأشاعرة  أو بعض الأئمة قالوا من قال جسم عصى ولا يكفر، قال هذا لا يثبت وأنكره ولا يصح عن الإمام الأشعري، يعني الذي عليه الإمام أحمد والأوزاعي ومالك والليث بن سعد ومولانا الرفاعي الكبير نفي الكيفية عن الله تعالى بكل أنواعها وأشكالها وتفاصيلها.

بعد هذا البيان المختصر إن أصر هؤلاء المشبهة المجسمة فقالوا قال مالك والكيف مجهول، ماذا تقولون لهم بعد أن رددتم عليهم بقول مالك في كتابه الاعتقاد والهداية  إلى سبيل الرشاد، قال “أمروها كما جاءت بلا كيف” يعني اقرأوها لكن بلا تشبيه ولا تجسيم، وقوله بلا كيف يعني لا تحمل على الظاهر بل على المعنى الذي يليق بالله {ليس كمثله شىء}-سورة الشورى/11- {فلا تضربوا لله الأمثال}-سورة النحل/74- ليس جسما ليس حجما ليس كمية ليس ضوءا ليس ظلاما ليس روحا ليس طولا وعرضا وسمكا وتركيبا ليس قاعدا في السماء ليس جالسا على العرش، كلمة “بلا كيف” تعطينا هذا المعنى، هذا الذي قاله الإمام مالك.

فبعدما قلتم قال مالك “بلا كيف” ورواه البيهقي في الاعتقاد والهداية وبعدما قلتم قال مالك “ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع” مرفوع يعني مستحيل، وفي الرواية الثانية “والكيف غير معقول” يعني مستحيل على الله، وهذا أيضا رواه البيهقي في الأسماء والصفات، بعد هذا إن أصروا على كذبهم وقالوا قال مالك يقال لهم:

نحن برأنا مالك من ذلك وهو إمام من أئمة أهل التأويل والتنزيه والتوسل والتبرك، كان يتبرك بتربة المدينة المنورة، الذي تكذبون عليه وتنسبون إليه أنه حمل آية الاستواء على الظاهر وتقولون أنه أثبت المكان لله كان يمشي حافيا في المدينة إذا وصل إلى المدينة نزل عن الدابة ومشى حافيا وكان يقول لعل هذا المكان هذه البقعة هذا الموضع داسته قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الرسول في تربة المدينة مدفون فيها، كان يتبرك بحديث الرسول يبخر المكان ويتعطر ويمشط لحيته قبل أن يبدأ بمجلس التحديث.

هذا الإمام مالك الذي قال في القدري إنه كافر ولا يجوز أن يزوج من مسلمة عندما سئل عن نكاح القدري كما روى ذلك الإمام الحافظ أبو بكر بن المنذر كتابه الإشراف، قال الإمام مالك {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم}-سورة البقرة/221- هذا حكم الإمام مالك في القدري وهذا حكمه في المجسمة أيضا لأنه سئل عن أهل الأهواء والبدع الاعتقادية قال “أرى أن يعرضوا على السيف فإن رجعوا وإلا ضربت أعناقهم” هذا حكمه فيكم يا مشبهة يا مجسمة.

فالإمام مالك هو أصرح الأئمة في هذه القضية لكن هذا الحكم والتنفيذ ليس أنا أو أنت أو هو ينفذه لا، هذا ينفذه الخلفاء والملوك والأمراء والقضاة والحكام والزعماء الرؤساء، هذا قال فيهم الإمام أحمد “أرى أن يعرضوا على السيف” يعني في القدرية في المجسمة في المرجئة في كل هؤلاء أهل البدع الاعتقادية أهل الأهواء وهذا رواه عنه ابن المنذر والبيهقي وغير واحد.

كيف يكون الإمام مالك على عقيدة المشبهة ونحوهم وهو يرى للرئيس والملك والزعيم أن يضرب أعناقهم إن لم ترجعوا عن عقيدتكم؟ كيف يكون هو على هذه العقيدة ويقول بها بزعمكم؟

بعد هذا إن أصروا فقالوا قال مالك والكيف مجهول، يرد عليهم: نحن برأنا مالك ونفينا ذلك عنه وأثبتنا أنه منزه وأنه سني وينفي عن الله تعالى الكيف والشكل والجلوس والقعود والاستقرار والتغير وأنه من أهل التوسل والتأويل والتبرك، بعد هذا إن قلتم قال مالك كذبا وزورا عليه وهو برىء منكم ومن قولكم نقول لكم: قال علي بن أبي طالب “إن الذي كيف الكيف لا كيف له”

أنتم تقولون قال مالك وأنتم كاذبون مالك ما قال والكيف مجهول، قال ولا يقال كيف والكيف عنه عنه مرفوع، وفي الرواية الثانية غير معقول، لكن نحن الآن سنرد على كذبكم بطريقة رابعة نقول:

قال الإمام مالك رضي الله عنه “ولا يقال كيف” أنتم تقولون والكيف مجهول، نقول لكم مالك أو علي بن أبي طالب؟ علي بن أبي طالب باب مدينة العلم الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم للسيدة فاطمة “زوجتك بأعلم أمتي بسنتي”

الطبري روى هذا في تهذيب الآثار، يعني الرسول عليه الصلاة والسلام كان يؤنس السيدة الجليلة الزكية الطاهرة المباركة العظيمة حبيبة الله صاحبة الكرامات والأسرار والأنوار والرحمات والخيرات والضياء والرحمة والتواضع والزهد والانكسار، أم الأولياء أم الأقطاب رضي الله عنها وأرضاها السيدة فاطمة، كان الرسول يؤنس قلبها قال لها “زوجتك بأعلم أمتي بسنتي”

لأن سيدنا علي ما كان معه مال يشتري لها مثلا سبعين كيلو ذهب ولا قصر ولا قافلة نوق من ألفي ناقة محملة بالذهب والفضة والحنة والحرير، كل ما أعطاها إياه ما يعادل تقريبا ومع ارتفاع الدولار يمكن يساوي 400 دولار أو أكثر، 400 درهم فضة في بعض الروايات، يعني في وقت من الأوقات كان يعادل قريب ال150 دولار، هذا مهر السيدة فاطمة رضي الله عنها وأرضاها.

لتسمع النسوة اللواتي تقول أريد مائة ألف دولار مؤخر، أو خمسمائة ليرة ذهبية مؤخر، من أنت أمام السيدة فاطمة؟ من أبوك أمام رسول الله؟

تصوروا يداها خشنت وربما قيل تشققت لأنها كانت تطحن على الرحى –القمح الشعير- وكان من شدة تعبها رضي الله عنها شعرها يعلق في الرحى، هذه السيدة فاطمة.

لما تزوجها سيدنا علي كان عندهما رداء إذا غطيا رأسيهما تنكشف قدماهما وبالعكس، كان البساط الذي يقعدان عليه جزء منه تطحن وتعجن عليه وجزء ثاني ينامان عليه ليلا.

يقول سيدنا علي “إن الذي كيف الكيف لا كيف له إن الذي أين الأين لا أين له” رواه أبو المظفر الأسفراييني في كتابه التبصير في الدين. وأنتم يا مشبهة النحس تقولون قال مالك والكيف مجهول؟

 وهذا الكلام الرائع الجميل المبارك له مقدمة، بعضهم يروي أن يهوديا قال لعلي رضي الله عنه: يا علي أين الله؟ فقال له سيدنا علي”إن الذي أين الأين لا أين له، قال له: صدقت، قال له كيف الله؟ قال سيدنا علي: إن الذي كيف الكيف لا كيف له، قال: صدقت، فتشهد وأسلم.

رأيتم المشبهة المجسمة من أين أخذوا نسبة الكيفية والمكان والقعود والجلوس والاستقرار على العرش في حق الله؟ من اليهود.

يعني الذي أبدع وأحدث وأوجد الأين منزه عن الأين، كيف يكون له أين وهو رب الأين؟ كيف يكون له أين وهو خالق الأين؟

لما نقول كيفية الجبل يعني حجمه وشكله، كيفية البحر كيفية الشجرة والبقرة والإنسان، كل هذه كيفيات لكن بأشكال مختلفة، كيفية الحية مثلا لها كيفية غير كيفية الإنسان، الإنسان يمشي على قدميه والحية تمشي على بطنها، أنت لك كيفية والبحر له كيفية، أنت لك كيفية والجبل كيفية، أنت لك كيفية والشمس كيفية، أنت لك كيفية والقمر كيفية.

الشمس حجم جرم شكل جماد صفته الاستدارة والحرارة، القمر جسم جسد جرم جماد صفته الاستدارة والبرودة، الإنسان جسم حجم طول وعرض، طولك بذراع يدك أربعة أذرع عرضك بذراع يدك ذراع واحد، لونك عينيك شعرك صفاتك تخاطيطك الدميم الحسن كل هذا كيفيات الله منزه عن كل ذلك.

كيفية البقرة أنها تمشي على أربع ورأسها نزولا، الإنسان كيفية لكن تختلف عن كيفية البقرة الإنسان يمشي قائما ليس كالنملة وليس كالحية.

الفيل كيفية لكن انظر للعصفور أيضا كيفية قدر ظفر الفيل لكن الفيل لا يطير، سبحان الله.

الفيل له خرطوم لكن ليس له جناحين كالعصفور، البناية أكبر من الفيل لكن لا تقدر أن تفعل ما يفعله الفيل، إذا الكيفيات مختلفة وكلها مخلوقة لله الله هو الذي أوجدها وخلقها، قال تعالى {الخالق البارىء المصور}-سورة الحشر/24- بمعنى واحد، جاءت بألفاظ مختلفة كل منها يؤكد المعنى الأول وهذا من بلاغة القرآن وفصاحة القرآن.

الخالق الذي يوجد الأشياء بقدرته يخرجها من العدم إلى الوجود يجعلها موجودة بعد أن كانت معدومة، الذي يبرز ويخرج هذه الأمور التي كانت معدومة إلى الوجود فتصير موجودة.

البارىء بمعنى الخالق، المصور خالق الصور والأشكال يعني أوجدها أحدثها أبدعها، بديع السموات والأرض بنفس المعنى.

السموات والأرض وكل ما يدخل تحت الكيفيات والأشكال والصور كله خلق لله بدليل هذه الآية {الخالق البارىء المصور}-سورة الحشر/24-

فلو كان شكلا وكيفية وكمية وطولا أو عرضا أو عمقا لكان مصورا، ولو كان مصورا كيف يكون مصورا للكون خالقا له؟

كيف يكون مبدعا للعالم موجدا له؟ لو كان له هيئات وكيفيات وأشكال وأحجام وطول وعرض وقعود وجلوس وحركة وسكون واتصال وانفصال كيف يكون خالقا لتلك الأشكال والاحجام والكميات؟ فالمخلوق لا يخلق نفسه ولا يخلق مخلوق آخر.

كل كمية كل كيفية كل حجم مخلوق والمخلوق لا يخلق، فلو كان الله كيفية كما تقول الوهابية والكيفية مجهولة لما وجد الكون، اسمعوا وانتبهوا استيقظوا وأفيقوا، لأن الكيفية مخلوقة والمخلوق لا يخلق.

الكون موجود أم لا؟ بلى، وموجده ليس كيفية وليس كمية ولا يشبهه وليس له حجم ولا طول ولا عمق ولا سمك ولا أدوات ولا جوارح ولا تركيب، إذا الله منزه عن كل الكيفيات.

{الخالق البارىء المصور}-سورة الحشر/24- الله عز وجل هو خالق الأشكال والكميات والصور وهم يقولون شكل صورة كمية لكن مجهولة، ماذا يعني والكيف مجهول؟ يعني عندهم هو مخمس الشكل أو مربع أو مثلث أو مسدس أو مثمن، كيف هذا الشكل هذا الحجم ما هي صورته ما هي مواصفاته من طول وعرض وعمق وسمك وتركيب، قال هذا الذي لا نعرفه.

لذلك بعضهم قال ألزموني كل شىء في الله إلا العورة، يثبت كل الأعضاء والصور والأشكال إلى الله ما عدا العورة، مع أن الذي يجوز عليه الجسمية جوز عليه والعياذ بالله تعالى المعنى الذي أراد أن ينكره بزعمه لأن هذا جسم وهذا جسم.

من كان لا يعرف ماذا يقولون فليأت لنريه كتبهم كيف يصرحون بالقعود والجلوس والحدوث والتغير والتطور والتبدل في ذات الله.

فإذا الله تعالى ليس كيفية بالمرة ليس كمية بالمرة، اليهود يقولون كيف الله وأين الله، أليس اليهود جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد أربك من نحاس هو؟أربك من كذا هو؟ صف لنا ربك الذي تعبد، فنزلت {قل هو الله أحد}-سورة الإخلاص/1-

الله تعالى كذبهم فضحهم الله عظم نفسه نزه نفسه نفى عن نفسه كل ما كان من صفات الكيفية والأينية والشكل والصورة والقعود والجلوس والتغير والإحساس واللذة والألم والشعور، كل ذلك نفاه الله في آية واحدة من سورة، السورة كلها توحيد وتنزيه وأدلة لكن آية واحدة تكفي.

{ولم يكن له كفوا أحد}-سورة الإخلاص/4- يعني ليس لله مثيلا أحد وأنتم تقولون له مثيل لكن هذا المثيل لا نعرفه، {ولم يكن له كفوا أحد}-سورة الإخلاص/4- ليس لله شبيها أحد وأنتم تقولون له شبيه لكن مجهول، هذا معنى والكيفية مجهولة.

هذا الذي كان يهوديا وسأل سيدنا علي بن أبي طالب كيف الله وأين الله وأجابه سيدنا علي “إن الذي أين الأين لا أين له وإن الذي كيف الكيف لا كيف له” لم يتمالك نفسه عن أن يسلم لأنه اطلع على بعض ما في التوراة الأصلية من تنزيه الله عن صفات المحدثين فرأى أن ما قاله علي الذي أخذه من النبي موافق لما نزل على موسى في التوراة الأصلية، والله واحد لا مثيل ولا شبيه ولا شريك له لا في عقيدة موسى ولا في عقيدة محمد ولا في عقيدة نبي من الأنبياء، الله ليس له مثيل ليس له شبيه في عقيدة كل الأنبياء، ولما كانت العقيدة واحدة والرب واحد ولا شريك ولا شبيه له كان ما نزل على موسى موافقا لما نزل على محمد وما قاله محمد مصدقا لما نزل على موسى فلم يتمالك الرجل نفسه من أن يدخل في الإسلام فتشهد شهادة الحق ودخل في الإسلام.

فبقول من تأخذون على زعمكم مالك أم علي؟ إذا أخذتم بقول مالك تكونون جهلتم علي، إذا أخذتم بقول علي يعني كذبتم مالكا، فإذا الحل ما قلناه نحن مالك لم يقل والكيف مجهول بل قال ولا يقال كيف وغير معقول، فهو موافق تماما لما قاله سيدنا علي، فنكون جمعنا بين قولين لإمامين من أئمة العلم والتقوى والصلاح علي بن أبي طالب ومالك بنفس المعنى والألفاظ والكلمات في التنزيه والتوحيد.

عندنا الآية الكريمة {الخالق البارىء المصور}-سورة الحشر/24- تنفي الكيفية عن الله وغيرها الكثير {ولم يكن له كفوا أحد }-سورة الإخلاص/4- {بديع السموات والأرض}-سورة البقرة/117- {سبح اسم ربك الأعلى}-سورة الأعلى/1- الأعلى علو القدر والشأن والعظمة، إذا رجعنا لأقوال العلماء لأن هؤلاء المشبهة المجسمة يحرفون معنى الآية ويمشون على الجهل، أما إذا جئنا إلى أقوال العلماء ينفضحون أكثر، ومن الحديث الرسول صلى الله عليه وسلم قال فيما رواه الحافظ السيوطي في الدر المنثور وهذا تفسير ضخم كبير من ست مجلدات هذا في التفسير وأبو القاسم الأنصاري النيسابوري يقول في كتابه شرح الإرشاد، الشرح لأبي القاسم الأنصاري متن الإرشاد لإمام الحرمين يقول في هذا الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرح هذا المعنى الذي بيناه في تنزيه الله تعالى عن الشكل والصورة والأعضاء وعن كل ما كان من صفات المخلوقين وسمات المحدثين، النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو ينفي عن الله تعالى الكيف والشكل والصورة قال [لا فكرة في الرب] وهذا منسجم تماما مع الآية {وأن إلى ربك المنتهى}

هناك عشرات الآيات والأحاديث، نكتفي بما ذكرنا، قلنا قال علي وذكرنا ثلاثة أقوال لمالك وكنا بدأنا بقول الغوث الرفاعي لتأكيد نفي الكيفية عن الله، أضف إلى كل ذلك ما قاله الإمام أبو سليمان الخطابي رضي الله عنه وأرضاه وهو كان إماما عظيما في الحفظ والعلم مع التقوى والصلاح والذكاء الواسع والتفقه والتبحر في العلوم يقول في كتابه أعلام الحديث وهو أربع مجلدات “إن الذي علينا وعلى كل مسلم أن يعتقده أن ربنا عز وجل ليس بذي صورة وهيئة إذ إن الصورة تقتضي الكيفية والكيفية عن الله وعن صفاته منفية”

ارجعوا إلى الإجماع الذي نقله الإمام الأستاذ المحدث المؤرخ الفقيه المتبحر في معرفة الملل والنحل عبد القاهر بن طاهر أبي منصور التميمي البغدادي المتوفى في أول القرن الخامس الهجري 429 ارجعوا إلى كتابه الفرق بين الفرق وإلى كتابه تفسير الأسماء والصفات يقول أجمعت الأمة على نفي الكمية والهيئة والكيفية عن الله.

هنا عندي نص أريد أن تطلعوا عليه وهذا أيضا من ألف سنة اسمه التمهيد في بيان التوحيد لأبي شكور السالمي متوفى بعد 460 للهجرة، وكان في زمن الأئمة والعلماء وكان له اطلاع واسع في العقائد يقول: “القول في المشبهة”

صحيفة 358 و359

اعلم أن المشبهة أثبتوا صفات لله عز وجل وجوزوا الحد بشيئين بالرأي من غير علم وبالسماع من غير معنى (يعني يسمعون الآية فيحرفونها والحديث كذلك) إلى أن يصل إلى قوله: قال بعضهم بأن الصانع جوهر لأنه موجود (يعني كما نقول جرم حجم) وهذا رأي بلا علم وقياس بلا إحاطة وهذا كفر.

يقول: ومنهم من قال بأنه جسم لا كالأجسام وهذا كفر لأنه وصف الله بالرأي ما  لم يصف به نفسه وما اتفقت عليه العلماء، ومنهم من قال بأنه على صورة إنسان وهذا كفر، ومنهم من قال بأن له لحما ويدا وكفا وإصبعا (يعني جارحة، يذكر حديث قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن وأنهم حملوه على الظاهر) وهذا كفر (لأن الحديث معناه قلوب بني آدم تحت مشيئة الله كما بينه النووي رحمه الله)

ويقول: لأن السماع معنى غير هذا، ومنهم من قال بأن الله صورة ونحن لا ندري ذلك وهذا كفر لأنه أنكر المعرفة (يعني أنكر معرفة الله)

ومنهم من قال بأنه نور يتلألأ وهذا كفر لأنه أنكر النص وهو قوله تعالى {ليس كمثله شىء}-سورة الشورى/11-

ومنهم من قال بأن له مجيئا ونزولا (يعني بالحركة والسكون) ولو قال نزول ومجىء من غير كيف ولا انتقال لا يكون خطأ ولا يكون كفرا ومنهم من قال بأن الله تعالى فوق العرش موجود واستوى واتكأ وهذا كفر لأنه أنكر النص وإثبات الذات على العرش أو فوق العرش كفر وإضافة الجهة إلى الله كفر لأنه شبهه بالمخلوقين وأثبت  له حدا ونهاية وجانبا وجهة….. ويقول: ومن قال بأنه جسم لا كالأجسام كفر.

ثم في مواضع ينقل الإجماع والاتفاق على كفر المشبهة والمجسمة.

فليسمع المنافقون المذبذبون دعاة الفتنة والضلالة الذين يدافعون عن أصحابهم وإخوانهم المجسمة وبذلوا أعمارهم على خدمتهم ويمهدون لهم ويهدمون على أهل السنة.

الآن بهذه الخلاصة والعجالة نكون نفينا الكيفية عن الله من الآيات والأحاديث والنصوص والمصادر والمراجع وشرحنا ما معنى معرفة الله.

والحمد لله رب العالمين