الجمعة فبراير 13, 2026

مجلس تلقي كتاب “سمعت الشيخ يقول” رقم (13)

قال فضيلة الشيخ جميل حليم حفظه الله

فائدة: سمعت من شيخنا رحمه الله رحمة واسعة أنه قال “العالم الذي وصل إلى مرتبة العالمية إذا لم يراجع ينسى كثيرا من معلوماته”

إذا كان هذا شأن العالم الذي هو حق العالم فماذا نقول نحن؟ نحن طلاب علم على سبيل نجاة، فإذا كان هذا شأن من تحقق في العلم إن لم يراجع ينسى كثيرا من معلوماته فماذا تقول العوام؟

لذلك احذروا وانتبهوا.

والرسول صلى الله عليه وسلم قال [لا يشبع مؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة]

لماذا قال يسمعه؟ قال العلماء هذه الرواية هي مقيدة بطلب العلم، وهناك رواية مطلقة في كل أبواب الخيرات وهي [لا يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة] هذه عامة في كل أبواب الخيرات أما تلك التي فيها يسمعه خاصة بطلب العلم، وهذا لأهمية طلب العلم.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا أبي القاسم محمد طه الأمين وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

أما بعد، يقول جامع هذا الكتاب المبارك الشيخ عماد الدين جميل حليم الحسيني حفظه الله تبارك وتعالى (صحيفة 123)

ليس أي مسلم درس العلم يتلقى منه

قال الإمام الحافظ الهرري رضي الله عنه: المسلم لا يوثق به لتلقي علم الدين إلا أن يكون ثقة أي دينا عدلا يؤدي الواجبات ويجتنب المحرمات ليس أي مسلم درس العلم يتلقى منه، المسلم لا يتلقى منه علم الدين إلا أن يكون ثقة.

(قال الإمام الحافظ النووي رحمه الله رحمة واسعة “لا يستفتى غير الثقة العارف” قد يكون هذا الذي تلقى العلم من المسلمين وقد يكون له شهرة بين الناس، قد يكون من البارزين لكنه ليس عدلا ليس ثقة، فهذا لا يستفتى ولا يسأل ولا يؤخذ منه العلم لأن شرط تحصيل العلم وتلقي العلم أن يكون عن الثقات لأن الفاسق والفاجر لا يؤتمن فقد يتجرأ على الخيانة إن كان بسبب المال أو يتجرأ على الفتوى بغير علم لأجل الشهرة أو لأجل أن يبرز بين الناس أو لأنه خشي أن يقول لا أدري فينظر إليه نظرة التردد في شأنه، فهذا قد يفتي فيغير لأجل المال أو يفتي بغير علم ويخجل من كلمة لا أدري، هؤلاء لا يسألون ولا يستفتون.

أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال لا أدري، عمر بن الخطاب  رضي الله عنه قال لا أدري، عثمان بن عفان رضي الله عنه قال لا أدري، علي رضي الله عنه قال لا أدري، وأعلى منهم أجل منهم وأكبر وأعظم وأشرف وأتقى منهم ومنا ومن كل العالمين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن شىء فقال [لا أدري]، سئل عن خير بقاع الأرض فقال لا أدري أسأل الأمين –يعني جبريل عليه السلام- وهو رسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، جبريل أمين الله على الوحي الذي ينزل بالوحي على الأنبياء غالبا والله ذكره في القرآن الكريم {علمه شديد القوى}[النجم/٥] جبريل علم محمدا عليهما السلام.

فجبريل أمين الله على الوحي سأله الرسول عليه الصلاة والسلام قال: لا أدري أسأل السلام، يعني المنزه عن كل عيب ونقص وآفة وعن كل ما كان من صفات المخلوقين ومن سمات المحدثين من بداية ونهاية وتغير وتبدل وتطور وكمية وحجمية وكيفية وأينية وقعود وجلوس وجسمية وحركة وسكون واتصال وجهل وزوال، كل هذا لا يجوز على الله، هذا الاسم المبارك “السلام” ينفي كل هذه عن الله تعالى، ينزه الله عن كل صفات المخلوقين.

فإذا الرسول قال لا أدري وجبريل قال لا أدري والصحابة الكرام عليهم رضوان الله قالوا لا أدري، فمن أنا من فلان ومن علان أمام هؤلاء السادات القادات الكبار العظام؟

بعض الناس في الفضائيات يكون له برنامج ما مرت عليه مسئلة إلا وأجاب فورا وبلحظة وكأن الجواب ينزلق على لسانه هكذا، لا يعرف كلمة لا، فيفتي بغير علم يفتي بالباطل يحرف يزور يؤلف لأجل الغرض السياسي والدنيوي وحسب البلد التي هو فيها ويسمونه الدكتور والعلامة أو الشيخ أو الفقيه، هؤلاء خطر ولا يؤتمنون، كم من فتاوى باطلة ما أنزل الله بها من سلطان.

قال صلى الله عليه وسلم [من أفتى بغير علم لعنته ملائكة السماء والأرض] كما في الحديث الذي رواه الحافظ ابن عساكر.

من عرفتم أنه حصل العلم أخذ العلم تلقى الشروح لكنه ليس ثقة ليس عدلا شأنه حاله أنه يأكل أموال الربا، شأنه وحاله أنه يمنع الزكاة وقد وجبت عليه، يقصر في الصلوات الخمس أو أنه عاق لأبويه أو أنه يخون المسلمين ويأكل أموال الناس بالباطل، هذا لا يؤتمن على الفتوى ولا على التدريس ولا على دجاجة فكيف على الفتوى.

وقال العلماء “إذا رأيت العالم يحب الدنيا فلا تأمنه على دينك”  يحب الدنيا يعني يحب المال.

لأجل هذا قال الشيخ رحمه الله المسلم إذا تلقى العلم لكنه ليس ثقة ليس عدلا لا يستفتى لا يدرس عليه لا يحضر عنده ولا يسمع منه.

واحفظوا هذه الأخبار التي ذكرتها لكم وما قاله النووي رحمه الله “لا يستفتى غير الثقة العارف”

يكون دينا تقيا أمينا لا يفتي بغير علم لا يحكم رأيه على الدين، بل لو أمام ألف شخص يقول أسأل لكم أجيبكم فيما بعد.

من نحن أمام عمر رضي الله عنه؟ عمر بن الخطاب الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم رحم الله عمر يقول الحق وإن كان مرا لقد تركه الحق وما له من صديق]

وقال فيه [إن الحق يتكلم على لسان عمر] يعني الملك، فإذا كان هذا أمير المؤمنين وهذه صفته التي وصفه بها الرسول صلى الله عليه وسلم طلع على المنبر وقال: “أيها الناس ما قلت أو ذكرت في مهور النساء أنتم وشأنكم في مهور نسائكم أصابت امرأة وأخطأ عمر”

هذا عمر رضي الله عنه رأس أهل الكشف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أنا أمام عمر؟ من أنتم يا إخواني أمام عمر رضي الله عنه؟

الشرط لتستفتي الإنسان أن يكون ثقة، أما إذا عرف نماما مغتابا خبيثا دجالا كذابا محتالا يهتك أعراض المسلمين لو حفظ مائة كتاب عن ظهر قلب لا يستفتى، كم من الكفار كانوا يحفظون الكتب؟

هذا الكومبيوتر كم يحفظ من الكتب؟ صار ثقة؟ صار دينا؟ لا، كم من المغفلين الحمقى اليوم يقولون على زعمهم نحن نستفتي مولانا المفتي غوغل، أو يقولون نستفتي مولانا المفتي الشاملة، هؤلاء خدعهم الشياطان.

هذا الغوغل والشاملة وما شابه من المواقع فيها الغث والثمين فيها الطيب والخبيث فيها الفاسد والصالح، فيها الفساد الكثير. من القيم على هذه المواقع؟ يمكن ربما بعض أعداء الإسلام المعلنين لكن أنتم لا تعرفونهم، مشبهة ومجسمة وحلولية وإباحية ومكذبين للقرآن، من الذي يدير هذه المواقع؟ أبو حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعي عملوا لجنة لا يدخل شىء إلى هذه المواقع إلا … لو كانت بيدهم وعن طريقهم لسلمنا لكن لا، إذا انتبهوا لا تكونوا من هؤلاء الذين يقولون مولانا غوغل أو سماحة المفتي الشاملة، هؤلاء جهال ضحك عليهم وغرهم الشيطان ولعب بهم، إذا العبرة أن يكون الإنسان ثقة لو حفظ مائة كتاب ألف كتاب عن ظهر قلب لكنه ليس ثقة ليس عدلا ليس دينا ليس أمينأ لا يستفتى، هذا الذي ينبغي أن ينتبه له أمر الدين أمر عظيم، تتعلق عليه أمور الآخرة والإنسان يموت عليها ويبعث عليها فلينتبه ماذا يأخذ وممن يأخذ)

سبيل التقوى هو العلم

قال الإمام القطب اللامع الهرري رضي الله عنه: قال الله تعالى {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}[البقرة/١٩٧] وسبيل التقوى هو العلم لأن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيرا فقهه في الدين أي رزقه العلم بأمور دينه، رزقه المعرفة بما فرض الله عليه أن يؤديه ويفعله ورزقه معرفة ما أمر باجتنابه وحرمه، فلا فلاح إلا بتعلم أمور الدين العقيدة التي أفرض الفرائض ثم الأحكام العملية لأن علم التوحيد هو أفضل العلوم.

قال الإمام البخاري رضي الله عنه: “باب العلم قبل القول والعمل” واستدل بهذه الآية {فاعلم أنه لآ إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات}[محمد/١٩]

الله تبارك وتعالى أمر نبيه بالثبات على العلم به أي معرفة وجوده وتوحيده وما يليق به وما لا يليق به. هو الرسول عليه الصلاة والسلام كان مؤمنا من أول نشأته إنما المقصود الثبات على ذلك.

(الرسول صلى الله عليه وسلم وكل الأنبياء والرسول من طفولتهم من أول نشأتهم يكونون على معرفة الله لا يكونون الجهل حاشى، إنما كل الأنبياء والرسل من طفولتهم إلى نشأتهم وقبل نزول الوحي وبعد نزول الوحي يكونون على معرفة الله على التوحيد، يعتقدون أن هذا الكون له خالق خلقه وأوجده ولا يشبهه وهو الله لكن تفاصيل أمور الإيمان والعقائد والأحكام هذه يعرفونها بعد نزول الوحي، أما قبل نزول الوحي لا يكونون كافرين حاشى، لا يكونون مشركين هذا لا يليق لا يصير لأن الله عصمهم من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها.

إذا كانوا عصموا من صغائر الخسة قبل النبوة وبعدها فكيف بالشرك كيف بالكفر؟ فإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن شاكا بربه ما عبد غير الله ما عبد الشمس ولا القمر ولا النجم ولا الحجر لا، إنما هو عليه الصلاة والسلام عندما طلب أن يرى كيف يحيي الله الموتى لم يكن شاكا في قدرة الله، ثم الذي طلبه ليس مما يتعلق بهذا إنما إبراهيم أحب أن يرى كيف يحيي الله الموتى فلم يكن شاكا في قدرة الله على إحياء الموتى حاشى، والذي ينسب ذلك لإبراهيم يكون كفره ومن كفر نبيا هو الكافر.

إذا معنى {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}[البقرة/٢٦٠] معناه هل أعطى ما سألته وما طلبته وهو أن أرى كيف يحيي الله الموتى، عن هذا ليس عن الإيمان ليس عن العقيدة، هو مؤمن هو معتقد لا يشك أبدا في قدرة الله على كل شىء.

لذلك ينبغي التنبه بعض الكفار ينسبون لإبراهيم أنه كان شاكا في قدرة الله هؤلاء ليسوا من المسلمين، إبراهيم أفضل العالمين بعد محمد عليهما الصلاة والسلام فلا يليق به الشك، الله يقول {إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا}[الحجرات/١٥] الارتياب معناه الشك والشك محله القلب والرسول عليه السلام يقول [أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه]

إبراهيم عليه الصلاة والسلام بعدما ناظر النمرود وبكته وأضحك الناس عليه لأن إبراهيم نبي رسول لا يستطيع واحد وضيع مثل النمرود أن يكسر إبراهيم حاشى، الله قال {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه}[الأنعام/٨٣]

…إبراهيم على تلك الحجج والأدلة العقلية التي استعملها في مناظرته مع النمرود فكسره وأقام عليه الحجة، ثم إبراهيم خرج والنمرود كان يكيد لإبراهيم.

إبراهيم عليه السلام رأى جيفة ملقاة في الماء، إذا كانت في الماء تأتي الطير الكواسر فتأكل من هذه الجيفة التي في الماء والأسماك والحيتان تأكل منها فإذا تقاذفتها الأمواج وجاءت إلى الشاطىء جاءت السباع وهوام البر فأكلت من هذه الجيفة، يعني من هذه الجيفة الواحدة تفرقت في بطون طيور الجو وحيتان الماء وسباع البر، آمنت برب العالمين، تخيلوا هذا المشهد العظيم وهذه الجيفة كيف توزع لحمها وكيف تشتت في أجواف وبطون طيور الجو وحيتان الماء وسباع البر، إبراهيم أراد أن يرى كيف يحيى الله هذه الميتة والله لا يعجزه شىء الله قادر على كل شىء، لكن إبراهيم يعرف أن عددا من الأنبياء طلبوا أمورا عجيبة فأعطوها ورأوها وحصلت لهم، وبعض الأنبياء طلب أشياء كثيرة فأعطي شيئا ومنع شيئا، إبراهيم أحب أن يرى هذا الأمر فسأل ذلك – يعني طلب أن يرى كيف يحيي الله الموتى – عن هذا قال ولكن ليطمئن قلبي يعني هل أعطى أن أرى ذلك أم لا، فعلمه الله عز وجل ماذا يفعل وماذا يصنع فأخذ ديكا وغرابا وحمامة ثم ذبحها وأهريق دمها في التراب، ثم هذا أخذ الريش واختلط ببعضه وفرق، ولحم هذه الطيور قطعت ثم خلطت ووزعت على رؤوس الجبال، أخذ  إبراهيم عليه السلام رؤوس هذه الطيور المذبوحة المختلط لحمها الموزع على رؤوس سبعة جبال ودمها قد اختلط وجف في التراب واختلط الدم بالدم وفي التراب.

وقف إبراهيم في موقع وهذه الرؤوس المقطوعة معه في يده ثم قال تعالين بإذن الله، فإذا بالدم ..دم كل طائر يجتمع وحده وخلص من التراب، وهكذا الريش كل ريش طائر يجتمع وحده، وهكذا اللحم الموزع على الجبال وجاءت الطيور قائمة تعدو بقدرة الله من غير رؤوس ووقفت أمام إبراهيم وجعل يقدم رأس هذا الطير لغير جسده فلا يقبله ويقدم هذا الرأس لغير جسده فلا يقبله فإذا قدمه لجسده قبله ثم عادت الرؤوس إلى أجسادها وذهبت هذه الطيور بقدرة الله، هذا الذي حصل.

أما بعض الكفرة يتهمون إبراهيم أنه كان شاكا بقدرة الله، كيف يكون نبيا رسولا ويشك في قدرة الله؟ أليس نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري شرح صحيح البخاري عن الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في شرحه على البخاري، كان قبل ابن حجر، أن الذي يشك أو الذي ينكر قدرة الله على كل شىء فهو كافر بالإجماع.

هذا إجماع على تكفير من أنكر أو شك في قدرة الله على كل شىء.

إذا كان لا يليق بأدنى مسلم أن يحصل منه ذلك لأنه لو حصل منه ذلك ما عاد مسلما صار كافرا، الله قال {إنما المؤمنون الذي آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا}[الحجرات/١٥] لم يشكوا، فإذا كان هذا لا يصير من أدنى مسلم  فإن صار ما عاد مسلما خرج من الإسلام فهل هذا يليق بنبي رسول عظيم هو أفضل الخلق والعالمين والأنبياء والمرسلين بعد محمد عليهما الصلاة والسلام؟ لا والله لا يليق لا يجوز حاشى لأنبياء الله.

فكل الأنبياء كانوا على الإسلام، عيسى كان مسلما موسى كان مسلما سليمان كان مسلما داود كان مسلما آدم كان مسلما، كل الأنبياء كانوا على الإسلام وجاءوا بالإسلام ودعوا إلى الإسلام وكانوا على عبادة الله وتوحيده وعلموا التوحيد للناس وعلموا الإسلام والخير للناس وعلموا أن الله وحده الذي يستحق العبادة وأن الله لا شبيه له ولا مثيل {ليس كمثله شىء}[الشورى/١١] {فلا تضربوا لله الأمثال}[النحل/٧٤] {ولله المثل الأعلى}[النحل/٦٠] {هل تعلم له سميا}[مريم/٦٥] {ولم يكن له كفوا أحد}[الإخلاص/٤] آيات كثيرة وعديدة علم الأنبياء معانيها للناس فالأنبياء من طفولتهم إلى مماتهم يكونون على التوحيد على الإيمان والأنبياء عليهم الصلاة والسلام مستحيل عليهم أن يكفروا ولا في لحظة من لحظات أعمارهم الشريفة المباركة).

قال الإمام: هو الرسول عليه الصلاة  والسلام كان مؤمنا من أول نشأته ….الثبات على ذلك كما أن الرسول عليه الصلاة والسلام وكل مصل يقولون كل يوم خمس مرات {اهدنا الصراط المستقيم}[الفاتحة/٦] فالمراد بهذا الثبات على الهدى، وكذلك قوله تعالى {فاعلم أنه لآ إله إلا الله}[محمد/١٩] المراد به الثبات على هذه المعرفة …

(هذه الآية الشريفة الزكية الطيبة المباركة الكريمة {فاعلم أنه لآ إله إلا الله}[محمد/١٩] ليس معناها أنه صلى الله عليه وسلم كان جاهلا بمعناها في أصول الاعتقاد حاشى، قلت أنا في البداية كل نبي حتى في طفولته يعرف أصول الإيمان يعتقد بوجود الله لكن التفاصيل يعرفها بالوحي، فهذه الآية معناها يا محمد أنت تعرف الله وتعتقد بوجود الله وتؤمن بالله فاثبت على ذلك إلى الممات، ليس معناها أنت تجهل الله تعالى حاشى، لأن الذي يجهل الله لا يكون مؤمنا به.

قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه “من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود” لا يجوز على الأنبياء أن يجهلوا الله، لذلك قال سيدنا وإمامنا علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه رحمة واسعة “من جهل الله كان كافرا به”

إذا هذه الآية معناها يا محمد أنت تعرف الله تؤمن بالله تعتقد بوجود الله تنزه الله تعالى عن صفات المخلوقين وعن كل ما هو من سمات المحدثين فابق على ذلك واستمر على ذلك إلى الممات، هذا معنى {فاعلم أنه لآ إله إلا الله}[محمد/١٩]

كما في قوله تعالى {يآ أيها الذين آمنوا آمنوا}[النساء/١٣٦] هم مؤمنون، فمعنى {آمنوا} اثبتوا على الإيمان الذي أنتم عليه لا تتركوا ذلك لا تتراجعوا عنه، وهذه الآية {فاعلم أنه لآ إله إلا الله}[محمد/١٩] اثبت على المعرفة التي أنت عليها.

كما في قوله تعالى {يآ أيها النبي اتق الله}[الأحزاب/١] هل يليق أن يكون معنى هذه الآية أن الرسول كان  فاسقا فاجرا عاصيا حاشاه ثم أمرته الآية بالتقوى؟ لا حاشى ليس هذا معنى الآية، اثبت وابق على تقوى الله.

ثم أليس القرآن الكريم يأمر المؤمنين بتقوى الله؟ بلى، {يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله}[الأحزاب/٧٠] من لم يكن تقيا يجب عليه أن يتقي الله، ومن كان تقيا فهو تقي، فمعنى التقي يتقي الله يعني يثبت على تقوى الله.

فإذا يستحيل أن يكون معنى الآية {فاعلم أنه لآ إله إلا الله}[محمد/١٩] أنه صلى الله عليه وسلم كان جاهلا بربه، بل نقل القاضي عياض الإجماع أن الأنبياء عارفون بربهم وبالتوحيد من قبل الوحي والنبوة وهذا لا ينكره عاقل، ومن أنكره نسب إليهم الكفر والشرك والضلال وهذا لا يليق بعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ثم من هذه الآية أخذ البخاري رضي الله عنه – الإمام البخاري رئيس المحدثين وأمير المؤمنين في الحديث وكان تقيا ثقة عدلا زاهدا وكان له كرامات وكان من الأولياء شيخ الحفاظ – أخذ عنوانا بوب في الصحيح فقال: باب العلم قبل القول والعمل، لأن الآية فيها {فاعلم} وفيها {واستغفر} الاستغفار اللساني عمل فقدم العلم على العمل.

لذلك قال العلماء: من عمل بلا علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، وهذا حال الكثير من الجهال يأتي بزعمه يريد أن يتعبد فيقع في المعاصي، يريد بزعمه أن يصلح فيفسد، يريد بزعمه أن يحسن فيسىء، بسبب الجهل لأنه لم يتعلم لم يتفقه في الدين، فعلم الدين حياة الإسلام ونور الدرب والقلب والقبر، فالذي يعمل بلا علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه والذي لا يتعلم ما فرض الله عليه من أمور دينه هو على خطر من أمر دينه ولا يضمن صحة صلاته ولا صحة صيامه ولا صحة عباداته وهو فاسق من الفاسقين لأنه جهل الفرض العيني فلم يتعلم ما فرض الله عليه فهو في تيه وضياع وهلاك تتقاذفه الشياطين وتلعب به كما تلعب الصبية بالكرة)

خير الوصية

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: خير الوصية تقوى الله عز وجل في السر والعلن، فيما ظهر من أمرنا وما بطن، فلي ولكم الوصية بتقوى الله في أنفسنا وأهالينا وأزواجنا وأولادنا وجيراننا وأصحابنا وأحبابنا وأموالنا وأقوالنا وأفعالنا وأحوالنا قبل أن لا يكون درهم ولا دينار.

(يا إخواني، الإنسان منا مهما كان ذكيا ومهما حصل من العلم، العلماء الكبار أيضا مهما كانوا أقوياء في العلم لن يتوصلوا إلى وصية أفضل وأحسن وأنفع من تقوى الله لأنها هي الوصية التي أمر الله بها عباده في القرآن وأنزلها وحيا على أنبيائه الكرام وهي وصية الأنبياء لأقوامهم والناس، فمهما اجتهدت أن تأتي بوصية نافعة لن تستطيع أن تعلو فوق وصية التقوى.

تستطيع أن تبدأ بها ثم تتفرع وتؤسس عليها وصايا لكن هي أفضل وأنفع وأحسن الوصايا، ولن يستطيع العباد أن يتواصوا فيما بينهم بوصية أحسن وأنفع من التقوى.

لذلك ربنا سبحانه قال {يآ أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}[آل عمران/١٠٢]

فهذه أعلى الوصايا وأجلها وأنفعها وهي الوصية الجامعة لمصالح الدين والدنيا، الوصية الجامعة لمنافع الدنيا والآخرة، الوصية الجامعة المانعة الحاوية الشاملة لأبدانكم لدينكم لأبنائكم لأهلكم كل ذلك اجتمع في الوصية بتقوى الله جل جلاله، فلذلك لا تنسوا أن تتواصوا بينكم بتقوى الله، هي الوصية النافعة الجامعة هي الوصية الجامعة لكل خيرات الدنيا والآخرة، تقوى الله، عليكم بتقوى الله في السر والعلن إن لزمتها إن عملت بها كنت حبيبا لله، كنت من أهل السعادة الأخروية، كنت من أصحاب الدرجات العلية، كنت آمنا في قبرك ومواقف القيامة، كنت من سعداء الدارين كل ذلك بتقوى الله.

وتقوى الله لا يتوصل الإنسان إلى ذلك إلا بالعلم والعمل، بهذا يصل الإنسان إلى تقوى الله)

التقوى هي الحاجز بين الإنسان وبين معاصي الله تبارك وتعالى

قال الإمام الهرري رضي الله عنه: إن الله تبارك وتعالى فرض على عباده أن يتناصحوا أي لا يغش بعضهم بعضا، فالغش محرم سواء كان في أمور المعاملات أي البيع والشراء ونحوها (الغش والغش كلاهما يصح، إذا وجدتم في بعض متون الأحاديث بالفتح وبعضها بالكسر وكلاهما صحيح) وفي أمور التحليل والتحريم فكثير من الناس الذين ينتسبون بزي العلم والمشيخة يغشون الناس يحللون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله لأنهم ليس عندهم تقوى تمنعهم عن الغش، تمنعهم عن تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله، التقوى هي التي تحجز الإنسان عن الكذب والغش ومعصية الله بسائر أنواعها، التقوى هي الحاجز بين الإنسان وبين معاصي الله تعالى فما يقوله بعض الناس الذين يدعون العلم أن الذي يستخف بالله تعالى في حال الغضب لا يكفر هؤلاء غشوا الناس ( غشوا الناس وكذبوا الله والقرآن وهؤلاء نقل الإجماع على كفرهم القاضي عياض في كتاب الشفا، وعدد كبير من الحفاظ والأئمة والعلماء، فلو كان غاضبا ….. الله يقول {ولئن سئلتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون* لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم}[التوبة/٦٥/٦٦]

الغضب ليس عذرا للإنسان ليسب الله حاشى، ولا ليسب الرسول أو الملائكة أو القرآن أو شهر رمضان.

روى أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والرجعة]

إذا كانت هذه القضايا الأحكام العملية والفرعية من الفقهيات لا يعذر فيها الإنسان إن كان مازحا أو جادا غاضبا فكيف بمسبة الله؟ إذا كان غاضبا أو مازحا فطلق زوجته وقع الطلاق، أو أعتق عبده حصل الإعتاق أو أرجع زوجته التي كانت مطلقة طلاقا رجعيا وكانت في العدة أرجعها، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام إن هذه القضايا وهذه الأمور إن كانت في حال الجد والهزل والجد واللعب حصلت ووقعت، وإن كانت في حال الغضب وقعت وثبتت فكيف بمسبة الله؟ كيف بمسبة الإسلام والقرآن؟ هل دين الله ملعبة للناس؟ حاشى، دين الله يجب أن يحترم في كل الأحوال وتعظيم الله واجب علينا في كل الأحوال، فهؤلاء الذين يقولون كنا نلعب كنا في حالة الغضب والعياذ بالله فحصل منا سب الله أو سب الرسول لا عذر لهم، عليهم أن يرجعوا للإسلام بقول أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله وليس بقول أستغفر الله)

قال الإمام: الإنسان عليه أن يعظم الله تعالى في كل أحواله في حال غضبه وفي حال  رضاه وفي حال المزح في جميع الأحوال. ومن جملة غشهم قولهم بأن الإنسان إذا سب الله في حال الغضب لا يكفر. وحتى إنه بلغني عن رجل …أنه قال لإنسان في شأن طفل قال يا ابن الله قال واحد هذا كفر، فقال ذلك القاضي لا ليس كفرا هو لا ينوي هذا الكلام إنما قاله فقط، هؤلاء عندهم قاعدة حرفوا بها دين الله وهي أن الذي يتكلم بكلمة الكفر ولا ينوي معناها لا يكفر، وهذا القول تحريف لدين الله تعالى.

(نقل الفقيه القرافي المالكي في كتابه .. عن القاضي عياض أنه نقل الإجماع على كفر من نسب لله الأبوة أو البنوة، مسئلة إجماعية.

وهذا القاضي الفقيه المفسر المالكي أحمد بن عطية الأندلسي في كتابه المحرر الوجيز أن الذي يقول الله أبونا لا تأويل له وهو كافر ولو أراد على زعمه المعنى المجازي ….

هذا شتم لله، أليس في صحيح البخاري قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي [[شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا]] هذا شتم لله لو كان في الغضب أو في اللعب هذا لا تأويل له ولا عذر له.

أليس الله يقول في القرآن {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا}[الكهف/٤]؟ هذا لا يقبل فيه التأويل لو كان غاضبا لاعبا مازحا لو قال أردت معنى مجازيا، مجاز التشبيه في حق الله لا يجوز)

قال الإمام: الذي يسب الله أويسب الرسول صلى الله عليه وسلم أو يسب شريعة الله عز وجل أي دينه الذي أنزله على نبيه صلى الله عليه وسلم كافر لو كان في حال غضب ولا ينفعه دعوى محبة الدين مع التلفظ بالكفر. الله تعالى لم يفرض على عباده أن يحفظوا نياتهم فقط بل …. قال

أن لا نعتقد كفرية، وألسنتنا أي لا نتلفظ بالكفرية، كذلك فرض علينا أن نحفظ جوارحنا أي لا نفعل فعلا هو استخفاف بالدين كالذي يدوس بقدمه على اسم الله تعالى عمدا وهو يعلم أن هذه الورقة فيها اسم الله.

والحمد لله رب العالمين