الإثنين فبراير 16, 2026
      • مقدمة الطبعة الثالثة

        إن كتاب «فتاوى الألباني في ميزان الشريعة» – بحمد الله تعالى – يلقى رواجا لافتا، وإقبالا شديدا  وانتشارا كبيرا، في بلاد الله الواسعة، لدى الأساتذة والدكاترة والمشايخ والعلماء وطلبة العلم، وليس الهدف منه ربح المال، ولا الشهرة، ولكن القيام بالواجب الشرعي الذي يحتم التحذير من أمثال المدعو ناصر الدين الألباني، الذين تجرؤوا على كتاب الله وسنة رسول الله ، وهرفوا بما لم يعرفوا، فزلوا وضلوا وأضلوا خلقا كثيرا، فتراهم يدعون أنهم من المحدثين، ومن أهل الاجتهاد، وهم لا يملكون صفات طلبة العلم، فضلا عن صفات العلماء المتحققين، في تلقي العلم من أهله، وليس بمجرد قراءة الكتب.

        ولست أول من يعرض المسائل الشنيعة في العقيدة والأحكام التي خالف فيها الألباني شريعة الله، وخرق فيها إجماع المسلمين، ولن أكون آخرهم إن شاء الله تعالى، فالحق يعلو ولا يعلى عليه، والحق أحق أن يتبع.

        وهذه طبعة ثالثة جديدة، مصححة مزيدة، أكثر تدقيقا وأمتن تحقيقا، في سبيل أن يظهر للخلق واضح الحق، كالشمس في وسط السماء، من غير سحاب ولا خفاء.

        والله أسأل، وبنبيه أتوسل، أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأن يبارك فيه بالنفع العميم، إنه بكل شيء عليم.

        المقدمة

        الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمين، وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

        أما بعد؛ فيقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: {كنتمْ خيْر أمة أخْرجتْ للناس تأْمرون بالْمعْروف وتنْهوْن عن الْمنكر} [سورة ءال عمران: 110]، وقال رسول الله : «من رأى منكم منكرا فليغيرْه بيده فإن لم يستطعْ فبلسانه فإن لم يستطعْ فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم([1]).

        عملا بما أمرنا به الشرع الحنيف، واتباعا لسنة سيد المرسلين، سعيت للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واضعا نصب عيني أن رسول الله قال عن رجلين كان يعيشان بين المسلمين: «ما أظن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا» رواه البخاري([2])، وهدفي من ذلك رد الباطل وإبطاله، والدفاع عن الحق وإحقاقهن فقد كثر المبطلون والمفترون وأدعياء العلم الذين يغشون الناس في دينهم ويبيعون الآخرة، رجاء دراهم قليلة، فصاروا يتصدرون للتدريس والتأليف والفتوى، ويتكلمون في الدين برأيهم وهواهم، ويضعون القرءان في غير محله، لنصرة مذهبهم الفاسد الذي حوى عقيدة التشبيه والتجسيم، وأهل البدع، ومخالفة السلف والخلف، ويتهجمون على حديث رسول الله فيضعفون ما يخالف عقيدتهم، ويخرقون إجماع الأمة المحمدية، ويتطاولون على صحابة رسول الله والسلف الصالح وعلماء الأمة الأجلاء، من أشاعرة وماتريدية، من حنفية ومالكية وشافعية ومن فضلاء الحنابلة، فهذا لا شك طبع الجاهل، وسلاح المفلس العاجز.

        ومن هؤلاء رجل نسب نفسه للعلم والعلماء والحديث والمحدثين، زورا وبهتانا، فأطلق لسانه وقلمه فيما ذكرنا، وعمد من خلال فتاويه إلى زرع الفتنة والفرقة وبث الحقد والعداوة والبغضاء بين المسلمين، إنه المدعو «ناصر الدين الألباني» الذي كفانا مؤنة نفسه في الرد عليه حيث وصف نفسه بأنه كان يعمل ساعاتيا، وكانت هوايته قراءة الكتب من دون تلق للعلم من أهله، ومن دون أن يكون له إسناد معتبر فيه، فتخبط هنا وهناك وهنالك بين الكتب، ونسب نفسه إلى السلف مع مخالفته لهم في العقيدة والأحكام الفقهية.

        وزعم أنه من المحدثين، وهو لا يحفظ حديثا واحدا بالإسناد المتصل إلى رسول الله ، ثم كيف يكون محدثا، وهو يصحح أحاديث في كتبه، ويحكم عليها بالتضعيف في مواضع أخرى، والعكس، ويتهجم على العلماء والمحدثين بعبارات الازدراء والتهكم، وهو مع ذلك يكابر ويماري ويجادل بالباطل لهوى في نفسه، فيتجرأ على علماء كالبخاري ومسلم رحمهما الله تعالى، فيضعف من الأحاديث ما أجمع الحفاظ على صحتها، فشذ عما عليه جمهور الأمة المحمدية، من أشاعرة وماتريدية، الذين ادعى زورا أنهم أهل بدعة، سبحانك ربنا هذا بهتان عظيم.

        كما شذ عن الشرط الذي اشترطه علماء الحديث، وهو أن التصحيح والتضعيف من وظيفة الحافظ، صرح بذلك كثير منهم في مؤلفاتهم، ويكفي في ذلك قول الحافظ السيوطي في ألفية الحديث([3]): [بحر الرجز]:

        وخذْه حيث حافظ عليه نص

         

        أو من مصنف بجمعه يخص

        فكيف تجرأ هذا الألباني مع بعده عن أهلية التصحيح والتضعيف بعد الأرض من السماء على تسمية بعض مؤلفاته «الصحيحة»، يعني بذلك: أنه جمع فيها الأحاديث الصحيحة فقط، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

        ثم لكشف زيغه وفساده قمت بالرد عليه ردا علميا محكما بالأدلة حتى يعرف أتباعه حقيقة حاله، وقد أوهمهم أنه أهل للتصحيح والتضعيف، وهم عدد في الشام والحجاز ومصر والمغرب ونحوها، لا سيما أنه اعترف في بعض المجالس أنه ليس حافظا، وقد ذكر لي أن رجلا من المحامين قال له: أنت محدث؟ قال: نعم، قال: تروي لنا عشرة أحاديث بأسانيدها، قال: أنا لست محدث حفظ بل محدث كتاب، فقال الرجل: وأنا أستطيع أن أحدث من كتاب، فأسكته. وناظره شيخنا الحافظ المحدث الشيخ عبد الله الهرري رحمه الله تعالى رحمة واسعة أربع مرات في دمشق بتنسيق الشيخ حمدي جويجاتي الدمشقي، ودعاه قبل موته للمناظرة الدكتور وليد السعيد أحد طلاب الشيخ الهرري في الأردن فأبى.

        وليتق الله من قلده من أتباعه الذين يشتغلون بالتعليق على كتب المحدثين، فإنهم تائهون مثلما تاه متبوعهم، وليعرفوا أنهم مخالفون للمحدثين، حيث يقْدمون على التصحيح والتضعيف، ولا تسمح القواعد الحديثية لأمثالهم بالعمل الذي يعملونه، ولا يقلد الألباني إلا المغترون الذين لا يحسنون قواعد علم الحديث، ولم يؤتوا حظا لحفظ متون الأحاديث، ولا دراية قواعده، مثل: علي الحلبي، ومراد شكري، ومحمد شقرة، وعمر الأشقر، وسليم الهلالي، وأبي إسحاق الحويني المصري وغيرهم. فغيرة مني على ديننا وعقيدتنا وسنة نبينا ، وانتصارا للسلف والخلف أهل الحق، وحرصا مني على تبيان حال من شبه الخالق  بخلقه، وتجرأ على حديث رسول الله وضلل المسلمين، عملت هذا البيان، وليس مرادي حصر جميع ضلالات الألباني في هذه الأوراق؛ بل اقتصرت على ذكر بعض من أشنع مقالاته الشاذة؛ سائلا المولى تعالى أن يعيذني من شؤم هذا الحال، ويجعلني من الهادين المهتدين، لا من الضالين ولا من المضلين، فإليه المصير وعليه توكلي وبه أستعين.

        فمن تأمل في أمر هذا الرجل يجده قد ادعى العلم بالحديث لأمرين: أحدهما: الشهرة، والآخر: جمع المال، فإنه حريص على المال، بدليل ما حدث بينه وبين تلميذه زهير الشاويش الذي كان يطبع له مؤلفاته فيكتسب منها دخلا كبيرا من المال، والألباني يكتسب كذلك، فإنه بعد مدة طويلة من الصداقة القوية فيما بينهما اختصما لأمر دنيوي على ما يسمى «حقوق الطبع»، وذلك عملا بما أحدثه الأوربيون من حجْر المؤلف على الناس أن يطبعوا مؤلفاته إلا بإذنه، بحيث إنهم يقاضونه قانونا بالغرامة أو بإنزال العقوبة به، وهذا مخالف لشريعة الله، لأنه مما تقرر في شرع الله وظهر ظهورا لا خلاف فيه أن الشخص إذا ملك نسخة من كتاب بطريق هبة أو بطريق بيع وشراء، يجوز له أن ينتفع بهذا الكتاب تفهما لما يحويه ذلك المؤلف من العلم، وتحصيل نسخ يستفيد منها بالبيع، كما كانت عادة المسلمين قبل قرن واحد، أي: قبل أن تنتشر الطباعة، حين كانوا يستنسخون نسخا فتباع وتشترى، وعلى ذلك درج السلف والخلف، ولم ينقل عن أحد منهم أنه حجر الاستنساخ من مؤلفاته بطريق التفهم وبطريق البيع والشراء، وعلماء الإسلام الذين مضوا في خلال ثلاثة عشر قرنا كانوا يلاقون تعبا كبيرا، فكانوا يبرون أقلامهم، كلما ضعف قلم عن الصلاحية للكتابة يبرون قلما ءاخر، وهكذا حتى يفرغوا من التأليف، والحبر لم يكن متيسرا مثل هذه الأيام، كانوا يستغرقون لإعداده أياما ثم يستعملونه وهكذا. ثم إنهم كانوا حين يكتبون في الليالي يستعينون بالمصابيح التي تنطفئ بعد وقت قصير ثم يصلحونها إما بواسطة فتائل تغمس في الزيت، وإما بواسطة الشموع، فليحذر المتقي ربه من هذه البدعة المحرمة، وهي قولهم: «حقوق الطبع محفوظة للمؤلف»، فهذه العبارة المخالفة للشرع تدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه مسلم([4]).

        فما لهؤلاء الوهابية ينهون الناس عما لا يخالف الشرع من الأمور المحدثة بعد النبي ثم يأتون المحدثات التي تخالف شرع الله! يحرمون على الناس ما استحدثه العلماء والمحدثون مما يوافق شرع الله، كعمل المولد والصلاة جهرا على النبي عقب الأذان، حتى إن منهم من بالغ وشدد وأفرط في المبالغة فجعل الصلاة على النبي بعد الأذان شركا، وقال بعضهم: إنه كالذين يزني بأمه، مع أنهم فعلوا أشياء أحدثت بعد الرسول بزمان، فما لهم لا يحرمون ما يفعلون من الـمحدثات القبيحات، ويحرمون على المسلمين ما أجمع على حله علماؤهم، كعمل المولد والصلاة على النبي جهرة عقب الأذان محتجين بأن الرسول لم يفعل ذلك!

        الأستاذ الدكتور طارق محمد نجيب اللحام

        [1]() أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان (1/50).

        [2]() أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب: ما يجوز من الظن (5/2254).

        [3]() السيوطي، ألفية الحديث (ص24)، وقال أيضا بعد باب ءاداب المحدث (ص182، 183): «مسألة: [بحر الرجز]

        وذا الحديث وصفوا فاخْتصا
        وهْو الذي إليه في التصحيح

        بحافظ كذا الخطيب نصا
        يرجع والتعديل والتجريح»

        [4]() أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (5/132).