الجمعة فبراير 13, 2026

لولا الحياة والعمل الصالح فيها

الحمد لله الذي جعل الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر، فقال تعالى: {وللآخرة خير لك من الأولى} [سورة الضحى: 4]، وقال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [سورة الأعلى: 16، 17]، والصلاة والسلام على أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم فيما عند الله، القائل لعمر: «أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ليُعلم أن عز الدنيا وسعادة الآخرة في طاعة الله، ومن شأن الطائعين أنهم يُقبلون على الطاعات، فيغتنمون ساعات حياتهم ليتزودوا منها للدار الباقية، لأنهم علموا أن الدنيا مزرعة الآخرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني.

فلا ينبغي أن يشبع الإنسان مهما كان عنده من حسنات، بل ينبغي أن يزداد من الحسنات ويبذل جهده. من زرع هنا خيرًا يحصد في الآخرة، فالإنسان في حياته الدنيوية حاله كحال من يزرع ليحصل على ثمرة الزرع، كذلك هذه الدنيا دار عمل ليست دار جزاء، لأن الإنسان يعمل فيها من أجل ما سيلاقيه في الآخرة، قال الله تعالى: {ولتنظر نفس ما قدمت لغد} [سورة الحشر: 18].

في هذه الآية حث للمؤمنين بالتفكر في أمر الآخرة، لينظر المرء ما يعد ويقدم لآخرته من العمل الصالح، والآخرة ينفع فيها خير الزاد: تقوى الله، قال تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} [سورة البقرة: 197].

فمن عرف الله وآمن برسوله صلى الله عليه وسلم وأدى الواجبات واجتنب المحرمات، هذا فاز في الآخرة وأخذ زادًا عظيمًا من الدنيا. أما من فاته ذلك فهو على خطر، الذي مات من غير أن يعرف الله ويؤمن برسوله ليس له شيء في الآخرة إلا النكد والعذاب.

الدنيا طريق للآخرة وسبيل لنيل الجنة، فلولا الحياة والعمل الصالح فيها لما نال العبد ما ينال في الآخرة. الدنيا سبب لإعمار الآخرة، وهكذا يجب أن تكون، لا سببًا في خراب الآخرة.

فمن أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى. فمن جد فيها بالطاعة فاز في الآخرة بالثواب، ومن أغرق نفسه في التهاون والتقصير فلا يلومن إلا نفسه.

الدنيا زائلة وفانية، كل ما فيها من أحوال يدل على فنائها، فلو نظرنا إلى الطعام نأكله شهيًا ثم بعد ساعات نخرجه شيئًا تعافه الأنفس. وأما الآخرة فمقبلة وباقية لا تفنى ولا تزول، فالفطن الكيس من عمل في دنياه لآخرته فحاز رضا الله. قال سيدنا علي وكرم وجهه: «ارتحلت الدنيا وهي مدبرة، وارتحلت الآخرة وهي مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا اليوم العمل ولا حساب وغدًا الحساب ولا عمل» رواه البخاري في كتاب الرقاق.

الدنيا سائرة إلى الانقطاع والزوال، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وصف الدنيا كالشمس إذا تدلت نحو الغروب، معناه ما مضى أكثر مما بقي.

فكونوا من أبناء الآخرة واتقوا ربكم، فقد قال ربنا عز وجل: {لِلَّذِينَ اتَّقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد} [سورة آل عمران: 15].

اللهم اجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف.