الخميس يناير 29, 2026

في بيان التوحيد وبعض أمور الآخرة
(ملخص في العقائد)

درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى يوم الأحد في الثامن والعشرين من ذي القعدة سنة عشرين وأربعمائة وألف من الهجرة الموافق للرابع من شهر ءاذار سنة ألفين رومية في ضاحية لندن في بريطانية وهو في بيان التوحيد وبعض أمور الآخرة. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من النبيين ءادم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومن سواهم من النبيين والمرسلين وعلى ءالهم الطاهرين.

أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى قال في سورة الحديد: {هو الأول} [سورة الحديد: 3] وصف نفسه بأنه موجود قبل كل شيء بلا ابتداء، أي: أن كل ما سوى الله لم يكن موجودا ثم صار موجودا فكل شيء يصح أن يقال متى وجد إلا الله فإن الله لا يجوز في حقه أن يقال متى وجد متى كان لأنه لم يسبقه عدم أما ما سوى الله فقد سبقه عدم. النور والظلام ما كانا موجودين قبل أن يخلقهما الله ثم خلقهما الله فصارا موجودين وكذلك الروح والريح وغير ذلك من المخلوقات لم يكن موجودا ثم أوجده الله. الله وحده الموجود الذي لم يسبقه عدم. المسلمون على هذا. الأنبياء كلهم على هذا الاعتقاد أنه لا موجود ليس له ابتداء إلا الله وأن ما سوى الله موجود حادث أحدثه الله بعضه قبل بعض وبعضه بعد بعض.

فلما كان الله تبارك وتعالى ثابتا أنه موجود لا ابتداء له وما سواه كله له ابتداء وجب أن الله تبارك وتعالى لا يتصف بشيء من صفات خلقه فهو تبارك وتعالى ليس كالأجسام التي هي كثيفة ولا كالأجسام التي هي لطيفة.

الجسم الكثيف هو ما يمكن جسه باليد كالحجر والشجر والإنسان وحجم الشمس وحجم القمر والكواكب كل هؤلاء يمكن جسه باليد أما الجسم اللطيف فهو ما لا يمكن جسه باليد كالضوء ضوء الشمس وضوء القمر والريح هذه الأشياء أجسام لطيفة. الله تبارك وتعالى ليس بينه وبينهم مشابهة. الله تعالى ليس حجما كثيفا ولا حجما لطيفا ليس له مقدار صغر أو كبر منزه عن أن يكون حجما طويلا أو حجما قصيرا كالأجسام الكثيفة واللطيفة، لأن الأجسام كلها لها مقادير. الإنسان ظاهر أن له مقدارا أربعة أذرع طولا وذراع عرضا. كذلك سائر الأجسام الكثيفة لها مقدار منها ما مقداره صغير ومنها ما مقداره كبير، والأجسام اللطيفة كذلك لها مقادير، نور الشمس له مقدار يمتد إليه وكذلك ظلام الليل له مقدار يمتد إليه، فالله الذي خلق هذه الأشياء بعد أن لم تكن موجودة ليس كشيء منها بوجه من الوجوه فهو تبارك وتعالى ليس حجما صغيرا في منتهى الصغر ولا هو حجم كبير في منتهى الكبر كحجم العرش. العرش أكبر حجم خلقه الله لم يخلق الله أكبر منه وهو قادر على أن يخلق أكبر منه.

الله لا يوصف بكبر الحجم ولا يوصف بالصغر. نقول الله أكبر بمعنى: أنه أقدر من كل قادر وأعلم من كل عالم بهذا المعنى يقال الله أكبر الله كبير الله علي الله عظيم لا على معنى كبر الحجم.

كبر الحجم مستحيل على الله كالصغر لأن العالـم منه حجم صغير كحبة الخردل ومنه ما هو أكبر منه إلى أن انتهى كبر المخلوقات بالعرش. فلا يجوز أن يتصور الله حجما صغيرا ولا حجما كبيرا؛ لأن العالم حجم صغير وحجم كبير فكيف يكون الله حجما كبيرا أو حجما صغيرا إنما هو موجود ليس حجما لطيفا ولا حجما كثيفا ولا حجما صغيرا ولا حجما كبيرا.

الصغر والكبر من صفات المخلوقين.

وكذلك لا يجوز أن نعتقد ونتصور أن الله متحيز في جهة فوق وغيرها ولا يجوز أن نتصور بأن الله حجم محيط بالعالم بحيث يكون العالـم في داخله. الله تبارك وتعالى هو الذي جعل بعض خلقه متحيزا في جهة فوق كالعرش والملائكة الذين حول العرش يطوفون به والسمـٰوات والنجوم والشمس والقمر، هو الله جعل هذه الأشياء متحيزة في جهة فوق وجعل البشر والجن والبهائم متحيزين في جهة تحت فهو لا يكون متحيزا في مكان أو في جهة أمام أو خلف أو يمين أو شمال أو فوق أو تحت. كل هؤلاء هو أوجدها فكيف يكون مثلها. لا تصح معرفة الله مع تصوره حجما كبيرا أو حجما صغيرا متحيزا في جهة فوق أو جهة تحت أو أية جهة من الجهات إنما معرفته والإيمان به اعتقاد أنه موجود من غير هذه الكيفيات. فمن اعتقد أن الله موجود ليس متحيزا في جهة من الجهات ولا هو حجم صغير ولا هو حجم كبير فقد عرف الله.

ثم إنه تبارك وتعالى كما أنه ليس حجما صغيرا ولا حجما كبيرا ولا حجما متحيزا في جهة من الجهات كذلك هو لا يوصف بشيء من صفات خلقه غير هذه الصفات المذكورة فلا يوصف بالحركة ولا بالسكون؛ لأن الخلق قسم منهم ساكنون دائما كالعرش والسمـٰوات السبع وقسم منهم متحركون دائما كالنجوم. النجوم كلها متحركة لا يوجد نجم إلا وهو متحرك هكذا خلقها الله وقسم من الخلق يسكنون مرة ويتحركون مرة كالإنسان والملائكة والبهائم والجن فهو ليس متصفا بالحركة ولا بالسكون الدائمين ولا بالحركة مرة والسكون مرة كخلقه. لا يوصف بهذا، وكذلك لا يوصف بأي صفة من صفات الخلق كالانفعال، أي: الانتقال من صفة إلى صفة.

ثم إن الله تبارك وتعالى صفاته أزلية أبدية ليست كصفات خلقه. علمه تبارك وتعالى أزلي لا يزيد ولا ينقص وقدرته أزلية أبدية لا تزيد ولا تنقص ومشيئته كذلك لا تزيد ولا تنقص وسمعه لا يزيد ولا ينقص ورؤيته، أي: بصره أزلية أبدية وكذلك حياته أزلية أبدية كذلك كلامه أزلي أبدي ليس حرفا ولا صوتا متكلم بكلام ليس حرفا ولا صوتا ليس ككلام الخلق يحصل شيئا فشيئا يسبق بعضه بعضا فكما أن حياته لا تزيد ولا تنقص ولا يتخللها انقطاع كذلك علمه وقدرته وسمعه وبصره ومشيئته وكلامه. كل صفاته لا يدخلها انقطاع. كما أن حياته لا يدخلها انقطاع حي دائما أزلا وأبدا كذلك عالم بعلم أزلي أبدي لا يزيد ولا ينقص، كذلك هو قادر بقدرة أزلية أبدية لا تزيد ولا تنقص كذلك كلامه أزلي أبدي لا يزيد ولا ينقص ولا يتخلله انقطاع وسكوت لأن كل شيء يزيد أو ينقص يكون حادثا فلا يكون لله صفة حادثة تزيد وتنقص. أما نحن كنا معدومين ثم صرنا موجودين أوجدنا الله ثم خلق فينا صفات، خلق فينا قدرة تزيد وتنقص وخلق فينا مشيئة تزيد وتنقص وخلق فينا كلاما يزيد وينقص ويتخلله سكوت وانقطاع. الله تبارك وتعالى لا يكون كذلك، أي: لا تكون صفاته كصفات خلقه. لا يكون كلامه ككلام خلقه ومع هذا يسمعه من شاء من خلقه. في الدنيا يسمع جبريل كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتا وليس لغة من اللغات. اللغات كلها مخلوقة ما كانت موجودة قبل أن يخلقها الله. الله متكلم في الأزل وفيما لا يزال. هذه الكتب السماوية القرءان والإنجيل والزبور والتوراة وكتب أخرى كثيرة أنزلها الله على بعض الأنبياء كلها عبارات عن كلام الله الذاتي الذي ليس حرفا ولا صوتا لأن هذه الكتب لغات بعضها بالعربية وبعضها بالسريانية وبعضها بالعبرانية. اللغات كلها مخلوقة. كلام الله ليس ككلام خلقه. جبريل يسمع كلام الله وسيدنا موسى سمع كلام الله في طور سيناء هناك في ءاخر حدود بر الشام يوجد جبل هناك مبارك موسى سمع هناك كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتا أما القرءان الذي نقرؤه بالحروف هذا ليس الله قرأه كما يقرأ القراء إنما الله كتبه في اللوح المحفوظ وأمر جبريل أن ينزله على سيدنا محمد. كذلك الإنجيل جبريل أخذه من اللوح المحفوظ وأنزله على سيدنا عيسى فليس معنى قولنا القرءان كلام الله أن الله قرأه بالحرف والصوت، هذه صفة المخلوق لا تجوز على الله.

ثم إن الله تبارك وتعالى حفظ القرءان منذ أنزل على سيدنا محمد إلى اليوم هو هو لم يتغير. ثم الله تبارك وتعالى يسر حفظه للكبير والصغير. يوجد بين المسلمين من حفظ القرءان وهو ابن ست سنوات، وحفظه من كان فوق ذلك في العمر أما الأمم القديمة ما كانوا يحفظون الكتب التي أنزلت على أنبيائهم. أكبر عالم فيهم ما كان يحفظها إنما كان يقرؤها قراءة نظرا. التوراة ما كان يحفظها أحد من أصحاب موسى إلا أن رجلا كان اسمه عزيرا  هذا ألقى التوراة من حفظه بعد أن جاء ملك جبار كافر إلى فلسطين حطم من كان ينتسب إلى سيدنا موسى. في ذلك الوقت كان اليهود منهم مؤمنين وبعضهم كافرين. هذا الملك الجبار كان قتل منهم كثيرا وأسر منهم كثيرا وأحرق التوراة. هذا الرجل عزير أعاد التوراة من حفظه فتعجب اليهود، كفروا، قالوا لولا أن هذا ابن الله كيف يعيد التوراة بعدما أحرقت. هذا يدل على أن أمة محمد أفضل الأمم. الأمم غير أمة سيدنا محمد هم الذين كانوا لا يحفظون الكتب التي أنزلت على أنبيائهم أما الأنبياء فكل نبي كان يحفظ الكتاب الذي أنزل عليه.

ثم إن شريعة محمد إلى اليوم موجودة. اليوم مئات ملايين النفوس على شريعة سيدنا محمد على اختلاف مواقعهم ولا يزال دين محمد الإسلام إلى نهاية الدنيا.

ثم قبل أن تنتهي الدنيا بمائة عام القرءان يرفع ولا يبقى منه في الصدور شيء. عند ذلك كل مسلم يموت، يرسل الله ريحا تدخل في إبط كل مسلم فيموت ثم يبقى الكفار الذين يعيشون كالحمار يتسافدون في الطريق يتجامعون في الطريق كالحمار. يعيشون مائة سنة ثم تقوم القيامة بعد ذلك فيأمر الله إسرافيل أن ينفخ في القرن فيموت الإنس والجن من شدة هذا الصوت.

ثم بعد ذلك بمدة يحيي الله الملائكة الذين ماتوا والإنس والجن. يحيي إسرافيل قبل غيره. إسرافيل الذي نفخ أول مرة فهلك الإنس والجن من القرن الذي هو نفخ به. يؤمر أن ينفخ نفخة البعث فيعيد الله العظام ثم يكسوها عصبا ولحما ثم يكسوها جلدا. تعود كما كانت فيخرجون من القبور ثم يساقون إلى المحشر إلى مكان الاجتماع. سيدنا محمد يخرج من المدينة بعد أن ينشق عنه القبر. يخرج هو مع أهل المدينة ثم ينضاف إليهم أهل مكة والطائف. ثم المحشر في بر الشام سورية والأردن ولبنان وفلسطين. حشر الخلق إليها، ثم يقضي الله بين العباد، يكلم كل إنسان من البشر والجن بكلامه الذي ليس حرفا ولا صوتا. ذلك اليوم نفهم كلام الله الذي ليس حرفا ولا صوتا لـم فعلت كذا، أليس أعطيتك كذا من النعم، فينتهي من حساب هذا الخلق كلهم بساعة واحدة؛ لأن كلامه ليس حرفا ولا صوتا، ولو كان حرفا وصوتا ما كان ينتهي من حسابهم في ساعة؛ بل كان يأخذ عليه أكثر من مائة ألف سنة. هذا يفهم عن أي شيء يسأله الله وهذا يفهم وهذا يفهم. بعد هذا قسم من الناس يأمر بهم إلى الجنة هؤلاء كلهم مؤمنون لم يعبدوا أحدا غير الله وصدقوا الرسل. والذين عبدوا غير الله أو كذبوا الرسل يساقون إلى النار. مدة القيامة خمسون ألف سنة. ما بين أن يخرجوا من قبورهم ويستقر الناس قسم في الجنة وقسم في النار مقدار خمسين ألف سنة. والشمس والقمر يلفان ويذهب نورهما ويرميان في جهنم حتى يخزي الله الكفار الذين يعبدونهما. اليوم يوجد من يعبد الشمس ويوجد من يعبد القمر، الشمس والقمر يكونان وقودا على الكفار زيادة في وقود جهنم.

ثم يوم القيامة حساب الخلق يكون في الأرض الـمبدلة. هذه الأرض الله يحطمها يكسرها تكون مكسرة والجبال تنتسف تصير كالغبار الناعم تطير في الجو فيحسبها الناظر جامدة وهذا معنى قوله تعالى في سورة النمل: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب} [سورة النمل: 88] قبل أن تدك هذه الأرض الله ينقل هؤلاء البشر إلى ظلمة، بقدرته يكونون محمولين في تلك الظلمة ثم يعادون إلى الأرض المبدلة من تلك الظلمة فيحاسبون. وورد في الحديث أن أحدا يكون في الجنة. وروي المساجد تزف يوم القيامة كالعروس إلى الجنة. وتواتر الخبر أن ما سوى ذلك من الأرض يرمى في جهنم. تكون الأرض المبدلة أرضا مستوية بيضاء كقرصة النقي، أي: كالخبزة التي من الطحين الصافي ليس عليها جبال ولا وهاد ولكن مع هذا الله تعالى يأتي بالأرض التي كان الإنسان يعمل فيها فتشهد على الشخص بأنه فعل كذا وكذا يوم كذا وكذا. انتهى.

والله تعالى أعلم.