رفض بني إسرائيل الجهاد في سبيل الله ومقاتلة الجبارين وإنزال عقاب التيهان بهم
أمر الله تعالى نبيه موسى عليه السلام أن يتوجه بالمؤمنين من بني إسرائيل إلى بيت المقدس في فلسطين، فخرج بهم موسى عليه السلام حتى إذا كانوا في الطريق عطشوا عطشا شديدا، فشكوا ذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام متذمرين وطلبوا منه الماء والسقيا، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يضرب الحجر الذي كان معه بعصاه فلما ضربه بعصاه تفجرت منه بقدرة الله تعالى اثنتا عشرة عينا لكل سبط من أسباطهم عين تجري بالماء العذب الزلال يشربون منها، وأرسل الله سبحانه لهم من السماء المن والسلوى رزقا منه تعالى وفضلا وكرما يحصلون عليه من دون جهد أو تعب. ثم إن كثيرا منهم ضجر وتبرم وسألوا موسى أن يستبدلوا منها ببدلها مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها فوبخهم موسى ونصحهم، قال تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلواواشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين* وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لناربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} [سورة البقرة/٦٠-٦١].
ثم أكمل نبي الله موسى عليه السلام سيره ببني إسرائيل إلى بيت المقدس التي كان الله سبحانه وتعالى قد وعدهم بها وكتبها لهم، وأخذ موسى عليه السلام يذكرهم نعمة الله تعالى عليهم وإحسانه إليهم إذ جعل فيهم أنبياء، وءاتاهم من النعم ما لم يؤت أحدا في زمان نبيهم موسى عليه السلام، ولما انفصل موسى عليه السلام بمن معه من بني إسرائيل وواجه بلاد بيت المقدس في فلسطين وجد عليه السلام فيها قوما من الجبارين الظالمين المعروفين بكفرهم وجبروتهم وكانوا من الكنعانيين ومن بقايا الحيثانيين وغيرهم، فأمرهم عند ذلك موسى عليه السلام بالدخول على هؤلاء الجبارين ومقاتلتهم وإجلائهم عن بيت المقدس التي كتبها الله تعالى لهم ووعدهم بها، ولكنهم أبوا ورفضوا الجهاد وجبنوا عن مقاتلة هؤلاء الأعداء الكافرين الذين كانوا ذوي قوة وبأس، وقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون، وأمام هذا الموقف المخزي من جانب هؤلاء تقدم رجلان من الذين يخافون الله تعالى وقد أنعم الله تعالى عليهما بالإسلام والإيمان والطاعة والشجاعة والثبات وأشارا عليهم بالجهاد وأن يدخلوا على هؤلاء الجبارين من باب القرية ليمتلئوا منهم خوفا ورعبا، وطلبا منهم أن يتوكلوا على الله تعالى حق توكله وأن يستعينوا به ويلتجئوا إليه لينصرهم على هؤلاء الطغتة الجبارين ويظفرهم بهم.
وأمام هذا الموقف المشرف الذي وقفه هذان الرجلان المؤمنان اللذان يخافان الله تعالى، وقع أمر عظيم كبير من جانب بني إسرائيل إذ صمم أكثرهم على رفض الجهاد والتقاعس عنه وقالوا لنبيهم موسى عليه السلام: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، فعاقبهم الله تعالى بسبب مخالفتهم نبيهم موسى عليه السلام وعصيانهم أمره بالتيهان في الأرض يسيرون إلى غير مقصد ليلا ونهارا وصباحا ومساء، يحلون ويرتحلون ويذهبون ثم يرجعون إلى مكانهم الذي ذهبوا منه طيلة أربعين سنة، حتى مات هؤلاء كلهم في مدة أربعين سنة ولم يبق إلا أولادهم وذراريهم سمى هذين الرجلين اللذين يخافان الله تعالى وقيل هما: يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وكانا رجلين صالحين. يقول الله سبحانه وتعالى إخبارا عن موسى عليه السلام مع هؤلاء القوم من بني إسرائيل: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين* يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين* قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون* قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين* قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون* قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين* قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} [سورة المائدة/٢٠-٢٦].