رجوع إخوة يوسف إلى أبيهم بعد حبس أخيهم بنيامين
رجع إخوة يوسف عليه السلام إلى بلدهم فلسطين وهم مهمومون في ضيق وغم حيث أخوهم الصغير بنيامين الذي ائتمنهم عليه أبوهم محبوس عند عزيز مصر، وأخوهم الكبير روبيل متخلف هناك في بلاد مصر لأجل أخيه بنيامين. ودخلوا على أبيهم يعقوب عليه السلام فأخبروه خبر أخيهم الصغير بنيامين وأخيهم روبيل كما طلب منهم أخوهم الكبير، فلم يدخل عليه هذا القول ولم يصدقهم وقال لهم والحزن يملأ قلبه: بل زينت لكم أنفسكم أمرأ هممتم به وأردتموه، فصبري على ما نالني من فقد ولدي صبر جميل لا جزع فيه ولا شكاية، عسى الله أن يأتيني بأولادي جميعا فيردهم إلي إنه هو العليم الذي لا يخفى عليه شيء في أفعاله، قال تعالى: {قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا انه هو العليم الحكيم} [سورة يوسف/٨٣].
وتولى وأعرض نبي الله يعقوب عليه السلام حزينا على أولاده وهيج حزنه الجديد على بنيامين وأخيه روبيل حزنه القديم على فلذة كبده يوسف عليه السلام وحرك ما كان كامنا، وقال: يا حزني على يوسف ويا أسفي الشديد عليه وأخذ يبكي بكاء شديدا على يوسف حتى ابيضت عيناه من شدة الحزن والبكاء وذهب بصره وصار كاظما لغيظه ممسكا على حزنه لا يظهره لأحد من أهله من شدة الأسف والشوق إلى يوسف عليه السلام الذي فارقه ما يقارب الأربعين سنة، وظل نبي الله صابرا شاكرا لربه غير معترض، فهذا من جملة البلاء الذي يصاب به الأنبياء لرفع درجاتهم وعلو مقامهم، يقول الله تبارك وتعالى: {وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} [سورة يوسف/٨٤].
ولما رأى أولاده قالوا له حزنا عليه: لا تزال تذكر يوسف ولا تفتر ولا تنقطع عن حبه حتى تكون حرضا -أي تكون مريضا في جسمك مشرفا على الهلاك ويذيبك الحب والحزن عليه- أو تكون من الموتى الهالكين، يقول الله تبارك وتعالى: {قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين} [سورة يوسف/٨٥].
ولما رأى يعقوب عليه السلام الغلظة والجفاء من أولاده في مخاطبتهم له قال لهم: إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، ثم طلب من أولاده، يذهبوا إلى المكان الذي جاءوا منه في مصر وخلفوا فيه أخويهم ويتحسسوا ويلتمسوا أخبار يوسف وأخيه بنيامين ولا يقنطوا من رحمة الله وفرجه، قال الله تبارك وتعالى: {قال انما أشكوا بثي وحزني الى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون* يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون} [سورة يوسف/٨٦-٨٧].