دخول يوسف عليه الصلاة والسلام السجن ودعوته فيه إلى دين الله وعبادة الله وحده
قال الله تعالى: {ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الأيات ليسجننه حتى حين}[سورة يوسف/٣٥] يذكر الله تعالى عن العزيز وامرأته وغيرهما أنهم بدا لهم وظهر لهم من الرأي سجن يوسف مع علمهم ببراءته إلى وقت، ليكون ذلك تخفيفا لكلام الناس في تلك القضية، وليظن الناس بحبس يوسف عليه السلام أنه هو الذي راودها عن نفسها ودعاها إلى ذلك، ولذلك سجنوا يوسف الصديق ظلما وعدوانا من غير جريمة اقترفها وارتكبها، ودخل السجن مع يوسف عليه السلام فتيان أحدهما رئيس سقاة الملك، والثاني رئيس الخبازين عنده، وكان الملك قد اتهمهما في دس السم له لاغتياله والتخلص منه، فسجنهما ورأى كل من ساقي الملك وخبازه في ليلة واحدة رؤيا شغلت فكرهما، أما الساقي فقد رأى كأن ثلاثة قضبان من الكرم والعنب قد أورقت وأينعت فيها عناقيد العنب فأخذها واعتصرها في كأس الملك وسقاه منها، ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضواري الطيور تأكل من السلة العليا، فقص كل من الساقي والخباز رؤييهما على يوسف عليه السلام وطلبا منه أن يفسر لكل واحد منهما رؤياه ويعبرها لهما بعدما أعلمهما يوسف عليه السلام وأعلم أهل السجن بأنه يعبر الأحلام ويفسرها، وبعدما رأيا من يوسف الصديق في السجن من حسن السيرة وعظيم الاخلاق وكثرة عبادته لربه ما أعجبهما أشد الإعجاب، يقول الله تبارك وتعالى: {ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين} [سورة يوسف/٣٦].
فلما استمع يوسف عليه السلام إلى الرجلين وسمع ما رأيا في منامهما من رؤيا قال لهما: {لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} [سورة يوسف/٣٧] أي مهما رأيتما من حلم ومنام فإني أعبره وأفسره لكما قبل وقوعه فيكون كما أقول، ثم قال لهما: {ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون} [سورة يوسف/٣٧].
أخذ نبي الله يوسف الصديق وهو في السجن يدعو إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، فدعا الرجلين اللذين طلبا منه أن يفسر لهما رؤييهما إلى دين الإسلام وعبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام وأخذ يصغر لهما أمر الأصنام ويحقرها لأنها لا تضر ولا تنفع، وبين لهما أن ما هما عليه وءاباؤهم من عبادة أحجار هي عبادة باطلة لأن الله تبارك وتعالى هو وحده الذي يستحق العبادة لأنه هو المتصرف في خلقه وهو الفعال لما يريد الخالق لكل شيء الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، لقد أراد يوسف عليه السلام بحكمته أن يتحدث معهما في الأهم والأولى، وكانت دعوته لهما إلى عبادة الله وحده وإلى دين الإسلام في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما كانت معظمة ليوسف عليه السلام سهلة الانقياد على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب من نبي الله يوسف عليه السلام أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه، يقول الله تبارك وتعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام وما قاله لصاحبيه في السجن: {إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون* واتبعت ملة ءاباءي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} [سورة يوسف/٣٧-٣٨] الآية أي اتبعت دين الإسلام دين ءابائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب، {ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} أي إن الله عصمنا من الكفر والشرك فلم نشرك بالله ولم نعبد إلا الله وحده.
وقال لهما: {ذلك من فضل الله علينا} [سورة يوسف/٣٨] أي إن اتباعنا الإيمان بتوفيق الله {وعلى الناس}(يوسف/٣٨) يعني المؤمنين بأنه دلهم على دينه وهداهم للإيمان والإسلام.
ثم قال لهما: {يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار} [سورة يوسف/٣٩]، فبين لهما أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد القهار الذي يستحق الألوهية بخلاف الأصنام صغيرها وكبيرها، ثم قال لهما: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [سورة يوسف/٤٠].
بعد أن تحدث يوسف عليه السلام مع صاحبيه في السجن عن الأهم والأولى وهو دعوتهما إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، أخبرهما بعد ذلك بتأويل رؤياهما فقال للأول وهو الساقي: أما الأغصان الثلاثة فثلاثة أيام يبعث إليك الملك بعد انقضائها فيردك إلى عملك ساقيا.
ثم قال للخباز: السلال الثلاث ثلاثة أيام ثم يبعث إليك الملك عند انقضائهما فيقتلك ويصلبك ويأكل الطير من رأسك، قال الله تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه} [سورة يوسف/٤١].
يقال: إن الرجلين لما سمعا تأويل رؤييهما وتعبيرهما من يوسف عليه السلام قالا: ما رأينا شيئا، فقال لهما: قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
وبعد أن عبر وفسر نبي الله يوسف عليه السلام رؤييهما طلب من الذي ظنه ناجيا من هذين الرجلين وهو الساقي: {اذكرني عند ربك} [سورة يوسف/٤٢] يعني اذكر أمري وما أنا فيه عند سيدك وهو الملك وأخبره أني محبوس ظلما قال الله تعالى: {فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} [سورة يوسف/٤٢] أي فأنسى الناجي منهما الشيطان أن يذكر ما وصاه به يوسف عليه السلام، فلبث يوسف عليه السلام في السجن سبع سنوات، وكل هذا بمشيئة الله وإرادته.
تنبيه: تفسير كلمة ربك بالعزيز في الأول وبالملك في الثاني بمعنى السيد لأن يوسف كان صورة عبدا مملوكا للعزيز وهذا الثاني كان عبدا مملوكا للملك حقيقة وذلك جائز لغة أن يقول العبد المملوك لسيده ربي بمعنى الذي يصرفني في أموره لا بمعنى خالقي، وذلك لأن هذه الكلمة في لغة العرب لها معان متعددة فهذا اللفظ يطلق بمعنى الخالق وهو الله تعالى، وبمعنى السيد المتصرف في شأن من يملكه، وبمعنى المصلح، وبمعنى المربي وغير ذلك، ولا يجوز شرعا إطلاقه على غير الله معرفا بالألف واللام فلا يجوز أن يقال لغير الله الرب بل يجوز أن يقال فلان رب فلان أي سيده، ويجوز أن يقال فلان رب هذا البيت رب هذا البستان رب هذا الفرس ونحو ذلك بمعنى مستحق الانتفاع به، لكن لا يجوز أن يقال لشخص له متجر ومعمل رب العمال لأنه لا يملكهم إنما يستحق الانتفاع بهم في مقابل ما يدفعه من الأجرة لهم.
وذكر المفسرون في تفسير قول الله تعالى: {إنه ربي أحسن مثواي}(يوسف/(٢٣)، أنه عنى الله وهذا أحسن من التفسير الآخر لأن يوسف لم يكن عبدا مملوكا ولا تطرأ عليه العبودية الحقيقية لخلق من خلق الله لكنه كان صورة مشترى على أنه عبد مملوك ليس حرا.