إهلاك قوم شعيب وسوء عاقبتهم
تمادى قوم نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام في غيهم وضلالهم، واستمروا على عنادهم في تكذيب نبيهم ورد دعوته، ولم يردهم تذكير نبيهم شعيب ونصيحتهم عن بغيهم وظلمهم وتكبرهم، بل إنهم استمروا على تكذيبه واستهزءوا بما توعدهم به من العذاب الأليم، فإنهم قالوا له: {قالوا إنما أنت من المسحرين* وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين* فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين} [سورة الشعراء/١٨٥-١٨٧]، {وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون} [سورة الأعراف/٩٠].
ولما رأى نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام عناد قومه وتصميمهم على تكذيبه ورد دعوته، عند ذبك استفتح على قومه واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه من العذاب، ودعا الله مجيب الدعوات عليهم فقال: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [سورة الأعراف/٨٩].
فأنزل الله القوي المتين العذاب الشديد على قوم شعيب وجعلهم عبرة لمن اعتبر، قال الله تعالى: {فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين} [سورة الأعراف/٧٨] أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت بمشيئة الله وقدرته زلزالا شديدا أزهقت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات ولا حواس، ولقد جمع الله العزيز المنتقم على قوم شعيب الذين كذبوا نبيه وءاذوه أنواعا من العقوبات وأشكالا من البليات، وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات ولما صمموا عليه من أنواع الكفر والضلال، فقد سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت حركاتهم، وصيحة عظيمة أخمدت أصواتهم، وظلة سحاب أرسل عليهم منها شرر النار الملتهبة في سائر جهاتهم فأهلكوا جميهم، يقول الله عز وجل: {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} [سورة الشعراء/١٨٩] وذلك أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية فأظلتهم سحابة فوجدوا لها بردا ولذة فنادى بعضهم بعضا، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها، فلما تكاملوا فيها أرسلها الله العزيز القوي عليهم ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة قوية من السماء فأزهقت أرواحهم، والله عزيز ذو انتقام، يقول تعالى في محكم تنزيله: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد} [سورة هود/١٠٢].
ونجى الله تبارك وتعالى نبيه وحبيبه شعيبا عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين ونصرهم على القوم الكافرين يقول تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [سورة غافر/٥١].
وأعرض نبي الله شعيب عليه الصلاة والسلام عن قومه بعد أن أهلكهم الله بهذا العذاب الأليم، ونعاهم إلى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا قال الله تبارك وتعالى: {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف ءاسى على قوم كافرين} [سورة الأعراف/٩٣] المعنى لقد أديت ما كان واجبا علي من البلاغ التام والنصح الكامل، وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه فلم تنتفعوا بذلك، ولست أتأسف وأحزن بعد هذا عليكم، ذلك لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة.