الإثنين فبراير 23, 2026

دعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه ءازر إلى دين الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة

   ذكر أهل التواريخ أن إبراهيم انطلق بزوجته سارة وابن أخيه لوط فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس، فنزلوا حران وكان أهلها يعبدون الكواكب السبعة، فقام الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو قومه إلى دين الله وترك عبادة الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، وكان أول دعوته لأبيه ءازر الذي كان مشركا يصنع الأصنام ويعبدها ويبيعها للناس ليعبدوها فدعاه إلى عبادة الله وحده وإلى دين الحق الإسلام بألطف عبارة وبأحسن بيان وبالحكمة والموعظة الحسنة، قال الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمٰن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمٰن فتكون للشيطان وليا﴾ [سورة مريم]، وقال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه ءازر أتتخذ أصناما ءالهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ [سورة الأنعام/74].

   ذكر الله تبارك وتعالى في هذه الآيات ما كان جرى بين إبراهيم وأبيه من المحاورة والجدال في دعوته إلى عبادة الله وحده، وكيف دعا أباه إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر فهي لا تضر ولا تنفع، وأعلمه بأن الله قد أعطاه من الهدى والعلم النافع فدعاه إلى اتباعه وإن كان أصغر سنا من أبيه لأن اتباعه ودخوله في دين الإسلام وعبادة الله وحده هو الطريق المستقيم السوي الذي يفضي به إلى الخير في الدنيا والآخرة. ثم بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه أنه بعبادته للأصنام يكون منقادا للشيطان الخبيث الفاجر الذي لا يحب للناس الخير بل يريد لهم الهلاك والضلال ولا يستطيع أن يدفع عنه عذاب الله ولا أن يرد عنه عقوبته وسخطه يقول الله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير﴾ [سورة فاطر/6].

   لم يقبل ءازر نصيحة نبي الله إبراهيم ولم يستجب لدعوته بل استكبر وعاند وتوعد وهدد ابنه إبراهيم بالشر والرجم والقتل وقال له ما أخبرنا الله تعالى عنه في القرءان: ﴿قال أراغب أنت عن ءالهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا﴾ [سورة مريم/46] فعندها قال له إبراهيم ما حكاه الله عنه: ﴿قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ [سورة مريم/47] أي سلام عليك لا يصلك مني مكروه ولا ينالك مني أذى، وزاده بأن دعا له بالخير فقال ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ [سورة مريم/47].

   ومعنى قوله: ﴿سأستغفر لك ربي﴾ أي سأطلب من الله أن يغفر لك كفرك بالدخول في الإسلام وليس معناه إني أطلب لك باللفظ كما يستغفر المسلم للمسلم بقوله: الله يغفر لك أو أستغفر الله لك، ومعنى قوله: ﴿إنه كان بي حفيا﴾ أي لطيفا يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له ولهذا قال ما حكاه الله عنه في كتابه العزيز: ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا﴾ [سورة مريم/48]، وقد استغفر إبراهيم لأبيه ءازر على المعنى الذي ذكرناه سابقا كما وعده إبراهيم في أدعيته فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ [سورة التوبة/114]، أي لما علم أنه لا يسلم بل يموت على الكفر تبرأ منه.