الجمعة فبراير 13, 2026

 9فتح بلاد فارس

الحمد لله مكون الأكوان الموجود أزلا وأبدا بلا مكان أما بعد بعد معركة القادسية، جاء الأمر من أمير المؤمنين بأن يسير المسلمون إلى المدائن فذهبوا ولحقوا ببابل وكان الفرس لما انهزموا في القادسية لجأوا إلى بابل فحصل قتال شديد وانهزم الفرس وافترقوا فرقتين، فالهرمزان دخل الأهواز بالعراق، والفيرزان دخل نهاوند بفارس وفيها كنوز كسرى، ثم توجهوا حتى نزلوا شهرشير من المدائن ولما عاينوا الإيوان وهو قصر كسرى كبروا وقالوا: هذا الأبيض! (لأن حجارته كانت بيضاء) هذا ما وعد الله ورسوله! وكان نزولهم في ذي الحجة سنة خمس عشرة، فحاصروا المدائن ثلاثة أشهر ثم اقتحموها يقولون: “نستعين بالله ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”. وساروا في دجلة وخيولهم سابحة فلما رأى الفرس ذلك خرجوا هاربين إلى حلوان من غير قتال، وكان كسرى يزدجرد قبل ذلك فر بعياله، ونزل سعد الإيوان وصلى فيه صلاة الفتح. وقرأ: (كم تركوا من جنات وعيون)، لأن الفرس تركوا ما كانوا فيه من نعيم للمسلمين، واتخذ سعد الإيوان مسجدا أي مكانا للصلاة وصلى فيه سعد بالناس. ثم استولوا على بيت مال كسرى وكان فيه ثلاثة ءالاف قنطار من الذهب دنانير، والقنطار نوع من الأوزان يعدل على التقريب مائة كيلو. وأخذوا حلية كسرى أي زينته وثيابه ودرعه من الهاربين وأخذوا حمل بغل من السيوف، وحمل بغل من الدروع والمغافر، وأخذوا درع هرقل ودامر ملك الهند وسواري كسرى، وأحضرها كلها القعقاع إلى سعد، وخيره سعد في السيوف فاختار سيف هرقل وأعطاه درع “بهرام جور” وهو ملك فارسي من الأكاسرة. وبعث سعد إلى أمير المؤمنين سيف كسرى وتاجه وثيابه ليراها الناس في المدينة المنورة، وألبسوا سراقة بن مالك المدلجي سواري كسرى تصديقا لقوله : “كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى”. وقسم سعد بين المسلمين الغنيمة بعدما خمسها فأصاب الفارس إثني عشر ألف دينار وكانوا ستين ألف فارس، وقسم المنازل والدور بين الناس وأنزلهم فيها، وأخذوا بساط كسرى وطوله ستون ذراعا في مثلها وهو شبه بستان فيه زهور منسوجة بالذهب وطرق كالأنهار وتماثيل منقوشة بالدر والياقوت على حرير، كانت الأكاسرة تبسطه في الإيوان زمن الشتاء عند فقد الرياحين وتشرب عليه. ولما قدمت الأخماس على أمير المؤمنين قسمها في الناس، وقطع البساط قطعا بين الصحابة وأعطى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعة باعها بعشرين ألف دينار. ثم أرسل سعد جندا لفتح جلولاء وهي قريبة من حدود فارس، فقدموا عليها وحاصروها ثم حملوا حملة واحدة فانهزم الفرس وتفرقوا وقتل منهم يومئذ نحو مائة ألف وتبعهم القعقاع بطليعة فانهزم أمامه كسرى يزدجرد حتى وصل إلى الري بفارس. ثم توجه بعض عساكر المسلمين نحو الأهواز والسوس ففتحوهما وأسروا الهرمزان وأرسلوه إلى المدينة المنورة ثم أسلم وحسن إسلامه وأنزله أمير المؤمنين بالمدينة. ثم أصدر أمير المؤمنين أمرا بأن تسير العساكر والجنود لفتح بلاد فارس. فتوجهوا وفتحوا في طريقهم بلادا كبيرة كخراسان وشيراز وأصبهان وقزوين وكافة بلاد فارس والعجم. ثم فتحوا نهاوند وفيها غنائم كسرى العظيمة واقتسموها حتى وصلوا إلى مرو الروذ وبها كسرى يزدجرد فقاتل المسلمين وقاتلوه ثم انهزم هزيمة شديدة، وكان قد أرسل بريدا إلى ملك الصين يستنجده ويستمده فرأى البريد راجعا وهو منهزم ومعه كتاب يسأله ملك الصين أن يترجم له أحوال العرب ودعوتهم وأفعالهم وعيشتهم، فكتب إليه يزدجرد عن دينهم ودعوتهم وكتابهم وصفتهم، فكتب إليه ملك الصين إذا كانت صفاتهم كما قلت فسالمهم وصالحهم على الجزية ولا تحاربهم فإنه لا يقوم لهم مقاوم، فضاقت بيزدجرد الأرض. ثم في عهد خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ولى عبد الله بن عامر بن كريز وهو ابن خال عثمان على تكميل فتوحات بلاد العجم فوصلوا إلى حيث لجأ كسرى يزدجرد ومعه فرقة من الفرس، فانهزم وتبعوه فالتجأ إلى جماعة هناك فقتلوا من كان معه وهرب يزدجرد ماشيا وحده إلى شط المرغاب فآوى إلى بيت رجل، فلما نام قام إليه ذاك الرجل وقتله ورماه في نهر، ثم أخذوه من النهر ووضعوه في ناووس أي تابوت من حجر ودفنوه هناك في مرو، وبه انقرضت دولة الأكاسرة من الأرض وظهرت معجزة رسول الله بأن الله تعالى يمزقهم كل ممزق. وهكذا نصل إلى نهاية حلقتنا هذه لنحدثكم في الحلقة القادمة من سلسلة مختصر سيرة الخلفاء الراشدين عن مقتل أمير المؤمنين عمر فتابعونا وإلى اللقاء.