#87 – 12-12سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله الأمين وبعد نتطرق اليوم بإذن الله في حلقتنا الأخيرة من قصة سيدنا عيسى إلى ذكر مكيدة اليهود ورفع عيسى عليه السلام إلى السماء وبيان أنه لم يقتل ولم يصلب. استمر أكثر بني إسرائيل على كفرهم وضلالهم وءامن بعيسى عليه السلام القليل، وكان منهم طائفة صالحة كانوا له أنصارا وأعوانا قاموا بمتابعته ونصرته وإعانته على نشر دين الإسلام العظيم الحق الذي أرسله الله تبارك وتعالى ليدعو إليه، ولما أخذت دعوته تنتشر ويكثر أتباعه ومناصروه حسده اليهود وتآمروا عليه وأخذوا يدبرون مكيدة لقتله والتخلص منه، فوشوا به إلى بعض ملوك الزمان وعزموا على قتله وصلبه فأنقذه الله تبارك وتعالى من مكيدتهم ومكرهم ورفعه إلى السماء من بين أظهرهم وألقى شبهه على أحد من أصحابه فأخذوه فقتلوه وصلبوه وهم يعتقدونه عيسى عليه السلام وهم في ذلك غالطون، وسلم لهم كثير من النصارى فيما ادعوه وكلا الفريقين في ذلك مخطئون، قال الله تبارك وتعالى في الرد على اليهود الذين زعموا أنهم قتلوا نبي الله عيسى عليه السلام: {وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما}. ومعنى رفعه الله إليه أي رفعه الله إلى محل كرامته سبحانه وليس المعنى أن الله تبارك وتعالى يسكن السماء، حاشا وكلا، فإن الذي خلق السماء موجود قبل السماء بلا سماء وبعد أن خلقها لا يتغير، سبحان الذي يغير ولا يتغير، فالله تبارك وتعالى موجود بلا مكان. وورد في قصة رفع نبي الله عيسى عليه السلام إلى السماء أنه قبل أن يدخل اليهود على المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، كان عليه السلام مع اثني عشر من أصحابه وتلاميذه في بيت فقال لهم: إن منكم من يكفر بي بعد أن ءامن، ثم قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي ويقتل مكاني فيكون رفيقي في الجنة؟ فقام شاب أحدثهم سنا فقال: أنا، قال: اجلس، ثم أعاد عيسى عليه السلام مقالته فعاد الشاب وقال: أنا، ثم أعاد عيسى عليه السلام مقالته فعاد الشاب الثالثة، فقال له عليه السلام: أنت هو، وألقى الله سبحانه وتعالى شبه عيسى عليه السلام على هذا الشاب، فدخل اليهود البيت وأخذوا الشاب فقتل وصلب بعد أن رفع عيسى عليه السلام من نافذة في أعلى الحائط إلى السماء وأهل البيت ينظرون. قال الله تبارك وتعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة}. ومعنى قول الله تعالى: {متوفيك} أي قابضك إلى السماء وأنت حي يقظان، وقوله تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا} أي جاعل من اتبعك على الإسلام والتوحيد وهم من بقي بعد رفعه إلى السماء على الإسلام، ثم بعد انقراضهم أمة محمد ﷺ ، لأن هؤلاء هم متبعوا عيسى على ما جاء به من توحيد الله وسائر أصول العقيدة والأحكام التي اتفقت عليها شرائع الأنبياء فإنهم فوق الكافرين من حيث المعنى والحكم، فإن من معه الحق فهو فوق غيره، وفي هذه الآية دلالة على أن أمة محمد ءاخر الأمم المسلمة أتباع الأنبياء في الإسلام والتوحيد وأنهم يبقون إلى نهاية الدنيـا. وليعلم أنه ورد في الشريعة أن من علامات قرب قيام الساعة نزول عيسى عليه السلام من السماء إلى الأرض، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قرأ قوله تعالى: {وإنه لعلم للساعة} فقال: “نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة”. فأحاديث نزوله عليه السلام من السماء مشهورة قريبة من التواتر، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن عيسى عليه السلام لما ينزل من السماء ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، ثم يعيش في الأرض أربعين سنة يحكم خلالها بشريعة القرءان شريعة النبي محمد ﷺ، ويعم الإسلام والأمن والسلام بعد نزول عيسى عليه السلام الأرض ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب. وقد ورد أنه عليه السلام يسلك فج الروحاء حاجا أو معتمرا ويقصد قبر النبي ﷺ فيسلم على الرسول ﷺ فيرد الرسول عليه السلام، ويقيم في الأرض حاكما أربعين سنة ثم يموت فيدفن في الحجرة النبوية قرب قبر النبي ﷺ وصاحبيه. روى الحاكم في المستدرك أن النبي ﷺ قال: “ليهبطن عيسى ابن مريم حكما مقسطا وليسلكن فجا حاجا أو معتمرا وليأتين قبري حتى يسلم علي ولأردن عليه”. وفي الختام نسأل الله تعالى أن يزيد سيدنا محمدا وسيدنا عيسى شرفا وتعظيما وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال وأن يتوفانا على كامل الإيمان وأن يحشرنا في زمرة سيد الأنام محمد عليه الصلاة والسلام والحمد لله الموجود بلا مكان أولا وآخرا وأبدا.