#8
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
(كتاب النكاح)
أى هذا كتاب معقود لـبيان أحكام النكاح وما يتعلق به. والنكاح شرعا عقد يبيح الوطء أى الـجماع بلفظ الإنكاح أو التزويج أو ترجـمته قال اللـه تعالـى ﴿فانكحوا ما طاب لكم من الـنساء مثنـى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا﴾ أى فـى الـنفقة الواجبة والمبيت ﴿فواحدة﴾.
(والنكاح مستحب لمن يـحتاج إليه) أى إذا كانت نفسه تتوق للوطء وهو قادر على كلف الزواج من مهر حال ونفقة يوم النكاح وكسوة فصل فيسن له أن يتزوج لـحديث البخارى ومسلم يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لـم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء (أى وقاء له من الوقوع فى الـحرام).
(ويجوز للحر أن يـجمع) فـى النكاح (بين أربع حرائر) فـى وقت واحد (و)يـجوز (للعبد) أن يـجمع (بيـن اثنتيـن) مسلمتيـن حرتيـن أو أمتيـن أو حرة وأمة.
(ولا ينكح الـحر أمة) لغيره (إلا بشرطيـن عدم) قدرته على (صداق الـحرة) أو عدم رضاها به أو فقدها فـى بلده مع عجزه عن السفر إليها (وخوف العنت) أى الزنـى ويشتـرط أن تكون الأمة التـى ينكحها مسلمة.
(ونظر الرجل إلـى المرأة على سبعة أضرب) أى أنواع (أحدها نظره إلـى) غير الوجه والكفيـن من (أجنبية لغير حاجة) أى لغير عذر (فغير جائز) لقوله تعالـى ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ أى مواضع الزينة من البدن كالمواضع التـى يكون فيها الـحلق فـى الأذن والـخلخال فـى الرجل والسوار فـى اليد والعقد فـى الصدر ﴿إلا ما ظهر منها﴾ أى إلا الوجه والكفيـن فيجوز النظر إليهما بلا شهوة.
(والثانـى نظره) أى نظر الرجل (إلـى زوجته وأمته) التـى تـحل له (فيجوز أن ينظر) إلـى جـميع بدن كل منهما وقال بعضهم يـجوز أن ينظر (إلـى ما عدا الفرج منهما) والصحيح جواز نظره إليه مع الكراهة إن كان بلا حاجة.
(والثالث نظره إلـى ذوات مـحارمه) بنسب كأمه أو رضاع كأخته من الرضاعة أو مصاهرة كأم زوجته (أو أمته المزوجة فيجوز) بلا شهوة (فيما عدا ما بيـن السرة والركبة) أما إلـى ما بيـن السرة والركبة فيحرم ولو بلا شهوة.
(والرابع النظر لأجل النكاح فيجوز) للرجل بل يسن أن ينظر إلـى وجه الأجنبية وكفيها إذا قصد خطبتها.
(والـخامس النظر للمداواة فيجوز) للطبيب أن ينظر (إلـى المواضع التـى يـحتاج إليها) من الأجنبية فـى حال عدم وجود امرأة تداويها.
(والسادس النظر) أى نظر الرجل إلـى المواضع التـى يـحتاج إليها من الأجنبية (للشهادة) على زناها (أو) ولادتـها أو إرضاعها فجائز أما النظر (للمعاملة) كبيع أو غيره (فيجوز) للرجل أن ينظر (إلـى الوجه) منها (خاصة).
(والسابع النظر إلـى الأمة عند ابتياعها) أى عند إرادة شرائها (فيجوز) النظر بلا شهوة (إلـى المواضع التـى يـحتاج إلـى تقليبها) ولا ينظر إلـى ما بيـن سرتـها وركبتها. ولا يـجوز مسها بلا حائل.
(فصل) فيما لا بد منه لصحة النكاح.
يشتـرط لصحة النكاح ولـى وشاهدان وزوجان وصيغة قال رسول اللـه ﷺ لا نكاح إلا بولـى وشاهدى عدل رواه ابن حبان. أما الصيغة فشرطها أن تكون بلفظ التزويج أو الإنكاح أو ترجـمته ولا بد من القبول كأن يقول الولـى زوجتك فلانة فيقول الزوج قبلت زواجها ولا يكفى أن يقول قبلت بل لا بد أن يقول قبلت زواجها. ويشتـرط فـى الزوجيـن أن يكون كل واحد منهما حلالا غير مـحرم بـحج أو عمرة فقد جاء فـى الـحديث لا ينكح مـحرم ولا ينكح. ويشتـرط أن تكون الزوجة خالـية من نكاح وعدة لغير الزوج.
(ولا يصح عقد النكاح إلا بولـى عدل) على القول الراجح المشهور (و)لا يصح إلا بـحضور (شاهدى عدل ويفتقر الولـى والشاهدان إلـى ستة شرائط الإسلام) فلا يكون ولـى المرأة المسلمة كافرا (والبلوغ والعقل والـحريـة والذكورية والعدالة) فلا يكون الصغيـر والمجنون والعبد والمرأة والـخنثى المشكل والفاسق أولياء فـى النكاح ولا شهودا على العقد (إلا أنه لا يفتقر نكاح الذمية إلـى إسلام الولـى ولا) يفتقر (نكاح الأمة إلـى عدالة السيد). والعدل هو المسلم الذى اجتنب الكبائر ولا يكثر من الصغائر بـحيث تزيد على طاعاته وتـخلق بأخلاق أمثاله من أهل الفضل واجتنب خوارم المروءة كتطييـر الـحمام والإكثار من الـحكايات المضحكة. ويشتـرط فـى الشاهد أن يكون سـميعا بصيـرا ناطقا عارفا بلغة العقد أى بـمعنـى الصيغـة ولا يشتـرط فـى الولـى أن يكون بصيـرا.
(وأولـى الولاة) أى أحق الأولـياء بالـتزويج (الأب ثـم الـجد أبو الأب ثـم الأخ للأب والأم) أى الأخ الشقيق (ثـم الأخ للأب ثـم ابن الأخ للأب والأم ثـم ابن الأخ للأب ثـم العم على هذا التـرتيب) أى العم الشقيق ثـم العم للأب (ثم ابنه على هذا التـرتيب) أى ابن العم الشقيق ثـم ابن العم للأب (فإذا عدمت العصبات) من الـنسب وكانت المرأة فـى الأصل أمة مـملوكة (فالمولـى المعتق) يزوجها إذا كان ذكرا (ثـم عصباته) أى أقاربه من جهة الأب (ثـم الـحاكم) فإنه يزوج المرأة عند فقد الأولياء.
ثم شرع المصنف فـى بيان أحكام الـخطبة فقال (ولا يـجوز أن يصرح بـخطبة معتدة) عن وفاة أو طلاق بائن أو رجعـى أى لا يـجوز له أن يقول لـها كلاما صريـحا أنه راغب فـى الزواج منها كقول أريد زواجك ويـحرم جوابـها بالقبول. (ويـجوز) إن لـم تكن معتدة عن طلاق رجعـى (أن يعرض) لـها بالـخطبة (وينكحها بعد انقضاء عدتـها) أى أن يقول كلاما يـحتمل أنه يريد الزواج منها ويـحتمل غير ذلك كقوله رب راغب فيك أو أنت جـميلة.
(والـنساء على ضربيـن ثـيـبات وأبكار) والثـيب هى من زالت بكارتـها بوطء حلال أو حرام والبكر هى التـى لـم تزل بكارتـها بوطء أو ولدت بلا بكارة أو زالت بكارتـها بغير وطء (فالبكر يـجوز للأب) إن كان عدلا (والـجد) أب الأب عند عدم الأب (إجبارها على النكاح) بشرط أن لا يكون بينها وبيـن ولـيها عداوة ظاهرة لا تـخفى على أهل مـحلتها ولا بينها وبيـن الزوج عداوة ولو غير ظاهرة وأن لا يزوجها بأقل من مهر المثل وأن يكون الزوج كفئا لـها وشرط الكفاءة عدم وجود عيب فيه يبيح فسخ النكاح والـحريـة فلا يكون العبد كفئا لـحرة والنسب فلا يكون العجمى كفئا لعربية ولا غير القرشى لقرشية ولا غير الهاشـمى والمطلبـى لـهاشـمية ومطلبية والصلاح فلا يكون الفاسق كفئا للمرأة الصالـحة والـحرفة فلا يكون صاحب الـحرفة كفئا لبنت القاضى أو العالـم. ويسن استئذان البكر المكلفة تطييبا لـخاطرها ويكفى سكوتـها فـى ذلك. (والثـيب لا يـجوز) لولـيها (تزويـجها إلا بعد بلوغها وإذنـها) الصريح ولا يعتبـر سكوتـها إذنـا فـى النكاح خلافا للبكر.
(فصل) فـى بيان من يـحرم نكاحها.
المحرم هى من حرم نكاحها على التأبيد لأجل نسب أو رضاع أو مصاهرة (والمحرمات بالنص) القرءانـى (أربع عشرة سبع بالنسب وهى الأم وإن علت والبنت وإن سفلت والأخت) الشقيقة أو لأب أو لأم (والـخالة) وتشمل خالة الأب أو الأم (والعمة) وتشمل عمة الأب أو الأم (وبنت الأخ) الشقيق أو لأب أو لأم وبنات أولاده (وبنت الأخت) الشقيقة أو لأب أو لأم وبنات أولادها قال اللـه تعالـى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وﺑﻨﺎت ﺍﻟﺄﺥ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتـى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.
(واثنان) يـحرمن (بالرضاع) أى بسبب الرضاع (الأم المرضعة) وهى من أرضعتك أو أرضعت من أرضعتك أو أرضعت أبا من رضاع أو أرضعت من ولدك أى أرضعت أمك أو أباك (والأخت بالرضاع) فمن ارتضع من امرأة صار جـميع بناتـها أخوات له من الرضاع، وبنت ابن المرأة التـى أرضعتك، وبنت بنت المرأة التـى أرضعتك، وأخت المرأة التـى أرضعتك، وخالة المرأة التـى أرضعتك، وعمة المرأة التـى أرضعتك. فالسبع المحرمة بالنسب تـحرم بالرضاع أيضا لقوله ﷺ يـحرم من الرضاع ما يـحرم من النسب رواه البخارى ومسلم.
(وأربع) يـحرمن (بالمصاهرة أم الزوجة) وإن علت من نسب أو رضاع لقوله تعالـى ﴿وأمهات نسائكم﴾ فتحرم على الزوج بالعقد على التأبيد سواء دخل الزوج بالزوجة أم لا (والربيبة) وهى بنت الزوجة من النسب أو الرضاع إذا دخل بالأم لقوله تعالـى ﴿وربائبكم اللاتـى فـى حجوركم من نسائكم اللاتـى دخلتم بـهن فإن لـم تكونوا دخلتم بـهن فلا جناح عليكم﴾ فإن بانت الأم منه قبل الدخول بـها لـم تـحرم البنت عليه (وزوجة الأب) من نسب أو رضاع مهما علا وإن لـم يدخل بـها الأب لقوله تعالـى ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء﴾ (وزوجة الابن) من نسب أو رضاع مهما سفل وإن لـم يدخل بـها الابن.
(وواحدة من جهة الـجمع) فقط (وهى أخت الزوجة) فيحرم الـجمع بيـن الزوجة وأختها بنسب أو رضاع لقوله تعالـى ﴿وأن تـجمعوا بيـن الأختيـن إلا ما قد سلف﴾ أما إن بانت الأولـى منه أو ماتت حلت الثانية له. وكذا يـحرم الـجمع بيـن الزوجة وعمتها أو بيـن الزوجة وخالتها بنسب أو رضاع لقوله ﷺ لا يـجمع بيـن المرأة وعمتها ولا بيـن المرأة وخالتها رواه الـبخارى ومسلم.
(ويـحرم من الرضاع ما يـحرم من النسب) كما تقدم.
ثـم شرع المصنف فـى بيان العيوب التـى تبيح فسخ النكاح فقال (وترد المرأة) أى الزوجة (بـخمسة عيوب بالـجنون والـجذام) وهو علة يـحمر منها العضو ثـم يسود ثـم يتقطع ثـم يتناثر والغالب حصوله فـى الوجه والأطراف (والبرص) وهو بياض فـى الـجلد يذهب دم الـجلد وما تـحته من اللحم (والرتق) وهو انسداد مـحل الـجماع بلحم (والقرن) وهو انسداد مـحل الـجماع بعظم.
(ويرد الرجل) أى الزوج (بـخمسة عيوب بالـجنون والـجذام والـبـرص و)بوجود (الـجب) وهو قطع الذكر (و)بوجود (العنة) أى العجز عن الـجماع. ويشتـرط فـى العيوب المذكورة الرفع فورا إلـى القاضى عند الاطلاع عليها كخيار الرد بالعيب.
(فصل) فـى أحكام المهر وهو مال يـجب للمرأة على الرجل بالنكاح أو الوطىء لقوله تعالـى ﴿وءاتوهن أجورهن﴾ وقوله ﷺ التمس ولو خاتـما من حديد رواه البخارى. وكل ما يصح جعله مبيعا يصح أن يكون مهرا لـها.
(ويستحب تسمية المهر فـى) عقد (النكاح فإن لـم يسم) المهر فـى العقد (صح العقد) بلا معصية. فإذا قالت البنت الـبالغة الرشيدة لولـيها زوجنـى بلا مهر فقال الولـى للرجل زوجتك بنتـى هذه بلا مهر صح تفويضها (ووجب المهر) فيه (بثلاثة أشياء أن يفرضه الزوج على نفسه) أى أن يقدر لـها مهرا تقبل به قبل أن يـجامعها (أو يفرضه الـحاكم) على الزوج إذا امتنع الزوج من الفرض فيفرض الـحاكم عليه عندئذ مهر المثل من نقد الـبلد حالا (أو يدخل بـها فيجب) لـها (مهر المثل) بالوطء. (وليس لأقل الصداق ولا لأكثره حد) ويسن أن لا ينقص عن عشرة دراهم خالصة وأن لا يزيد على خـمسمائة درهم خالص. (ويـجوز أن يتزوجها على منفعة معلومة) كتعليم القرءان أو سورة منه فيصح جعل المهر تعليم أقصر سورة من القرءان أو تعليم حرفة كخياطة. ويشتـرط أن يكون المهر معلوما فلا يصح أن يقول الولـى للزوج زوجتك بنتـى ببيت من بيوتك فإن تزوجها على مهر فاسد كمهر مـجهول وجب لـها مهر المثل وصح العقد. ويـجوز للمرأة أن تـمتنع من تسليم نفسها حتـى تقبض مهرها أى الـحال منه وعند الشافعـى متـى ما جامعها لـها أن تطالـبه بالمؤجل إلا إذا أجرى العقد وكان الاتـفاق أن يؤخر إلـى ثلاث سنيـن مثلا فلا تطالب به حتـى تـمضى المدة. وإذا طلق الزوج زوجته قبل الدخول بـها سقط عنه نصف المهر إن كان دينا فـى ذمته أما إن كان عينا فيعود له النصف.
(فصل) فـى أحكام الوليمة وهى كل طعام يقدم لفرح.
(والوليمة على العرس مستحبة) استحبابـا مؤكدا لأن الرسول ﷺ أولـم على صفية رضى اللـه عنها بسويق وتـمر والسويق هو أن يدق الشعيـر بعد تـحميصه. وأقل الوليمة للقادر شاة لأن الرسول ﷺ أولـم على زينب بنت جحش رضى اللـه عنها بشاة وقال لعبد الرحـمٰن بن عوف رضى اللـه عنه لما تزوج أولـم ولو بشاة رواه البخارى. ويدخل وقت الوليمة بالعقد والأفضل فعلها بعد الدخول لأنه ﷺ لـم يولـم عن نسائه إلا بعد الدخول رواه البخارى. (والإجابة إليها) أى الوليمة (واجبة) إذا كان الداعى مسلما (إلا من عذر) كوجود منكر لا يزول بـحضوره كشرب الـخمر أو الضرب بآلات اللهو المحرمة قال رسول اللـه ﷺ من دعـى إلـى وليمة فليأتـها وفـى رواية لمسلم من لـم يـجب الدعوة فقد عصى اللـه ورسوله. أما الأكل منها فيستحب للمفطر ولا يـجب. وأما الإجابة لسائر الولائم غير وليمة العرس فمستحبة. ولو اعتذر المدعو إلـى صاحب الدعوة فرضى بتخلفه زال الوجوب، والصوم ليس عذرا فـى ترك الإجابة إلا أن يكون صوم فرض. والمرأة إذا دعت النساء فهو كما ذكرنا فـى الرجال.
(فصل) فـى أحكام القسم والنشوز.
والقسم هو العدل بيـن الزوجات فـى المبيت والنشوز هو الـخروج عن طاعة الزوج بنحو السفر بغير إذنه ورضاه والـخروج من بيته بلا إذنه بلا عذر شرعى ومنعه حقه من الاستمتاع بـها ولا عذر لـها.
(والـتسوية فـى القسم) أى المبيت (بيـن الزوجات واجبة) فلو بات عند واحدة منهن وجب عليه إتـمام الدور فورا للباقـيات أما لو أعرض عنهن جـميعا فلم يبت عندهن لـم يأثـم لأن المبيت حقه فله تركه ابتداء أو بعد إتـمام الدور. أما الناشز فيسقط حقها فـى القسم والنفقة ولا تقبل صلاتـها أى لا ثواب لـها فـى صلاتـها ما دامت قائمة على النشوز. ويـحرم الـجمع بيـن الزوجات فـى مسكن واحد إلا إذا كن يرضـيـن بذلك. فإن كان للرجل زوجتان فإنه يعمل قرعة فيبدأ بالمبيت بـمن خرجت قرعتها.
(ولا يدخل) الزوج فـى النهار التابع لليلة (على غير المقسوم لـها) أى غير صاحبة النوبة (لغير حاجة) والـحاجة هى كعيادتـها إذا مرضت وكأخذ متاع ووضعه وتسليم نفقة وأما فـى الليل فيحرم الدخول فيه على غيـر صاحبة النوبة إلا لضرورة كشدة طلق أو مرض مـخوف.
(وإذا أراد) الزوج (السفر أقرع بينهن) أى عمل قرعة (وخرج) أى سافر (بالتـى تـخرج لـها القرعة) والأصل فـى ذلك حديث عائشة رضى اللـه عنها أنـها قالت كان رسول اللـه ﷺ إذا أراد السفر أقرع بيـن نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بـها رواه البخارى ومسلم.
(وإذا) كان للزوج دور ثـم (تزوج) امرأة (جديدة خصها بسبع ليال) متواليات (إن كانت بكرا أو ثلاث) ليال متواليات (إن كانت ثـيبا).
(وإذا خاف) الزوج (نشوز المرأة) بأن ظهرت مقدماته كأن وجد منها إعراضا وعبوسا بعد لطف وطلاقة وجه أو صارت تكلمه بكلام خشن بعد أن كانت تكلمه بليـن (وعظها) بلا هجر ولا ضرب بأن يقول لـها اتـقى اللـه ولا تفعلـى ذلك حتـى لا تقعـى فـى معصية اللـه (فإن أبت) بعد الوعظ (إلا النشوز هجرها) فـى الفراش أى ترك جـماعها (فإن أقامت عليه) أى أصرت على النشوز (هجرها وضربـها) ضرب تأديب لـها إذا أفاد الضرب فـى ظـنه. والصحيح عدم التـرتيب فـى الثلاث بل إذا حصل النشوز جاز الوعظ والـهجر والضرب وإن لـم يتكرر نشوزها (ويسقط بالـنشوز قسمها) أى دورها فـى المبيت (ونفقتها) وكسوة الفصل فإن تابت رجع قسمها ونفقتها لما يلـى من يوم وكسوتـها لما يلـى من فصل.
(فصل) فـى أحكام الـخلع.
والـخلع فرقة بيـن الزوجيـن بعوض مقصود يأخذه الزوج كأن تقول الزوجة لزوجها خالعنـى على مائة درهم فيقول لـها خالعتك على ذلك فينفسخ عقد النكاح بينهما ولا يستطيع أن يرجعها إلا بعقد جديد برضاها ثـم تدفع له مائة درهم فعن ابن عباس رضى اللـه عنهما أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبـى ﷺ فقالت يا رسول اللـه ثابت بن قيس ما أعيب عليه فـى خلق ولا دين ولكنـى أكره الكفر فـى الإسلام (أى أخاف على نفسى أن لا أؤدى حقوق زوجى فأقع فـى معصية اللـه بعد أن صرنا فـى الإسلام) فقال رسول اللـه ﷺ أتردين عليه حديقته (هذه الـحديقة كان أعطاها إيـاها مهرا) فقالت نعم فقال رسول اللـه ﷺ اقبل الـحديقة وطلقها تطليقة رواه البخارى. ومذهب الشافعـى القديـم أن الـخلع فسخ وليس طلاقا فيجوز العمل به وهو ينفع لمنع وقوع الطلاق المعلق فإذا قال الزوج لزوجته إن ذهبت إلـى بيت فلان فأنت طالق ثلاثا، فإذا خالعها زوجها بقصد الفسخ قبل أن تذهب تصيـر الزوجة بالـخلع بائنا ثـم يعمل عقدا جديدا بولـى وشاهدين عدليـن وليس بينه وبينها من غير ولـى كما يفعل الـحنفية مع وجود شاهدين لأن الـخلع عندهم يعتبـر طلاقا فلا ينفع لمنع وقوع الطلاق المعلق.
(والـخلع جائز على عوض معلوم) مقصود مقدور على تسليمه (وتـملك به المرأة نفسها ولا رجعة له عليها إلا بنكاح جديد) أى لا يستطيع إرجاعها إلا بعقد جديد برضاها. والمختلعة قبل الدخول بـها لا عدة عليها وأما بعد الدخول بـها فعدتـها ثلاثة أطهار إذا كانت تـحيض وثلاثة أشهر قمريـة إذا كانت لا تـحيض والـحامل عدتـها تنتهى بوضع الـحمل. ويـجب للمختلعة أثناء العدة السكنـى دون النفقة.
(ويـجوز الـخلع فـى الطهر وفـى الـحيض) ولا يـحرم بـخلاف الطلاق فإنه يـحرم فـى حال الـحيض (ولا يلحق المختلعة الطلاق) أى إذا طلق الرجل المختلعة منه لـم يقع طلاقه لأنـها بانت بالـخلع.
(فصل) فـى أحكام الطلاق وهو شرعا حل قيد النكاح.
ويشتـرط لوقوع الطلاق التكليف والاختيار فلا يقع الطلاق من الصبـى والمجنون والمكره بغير حق أما من تعدى بالسكر كأن تعمد شرب الـخمر فسكر حتـى غاب عقله فطلق زوجته وقع الطلاق. ويشتـرط لوقوع الطلاق قصد اللفظ ومعرفة معناه فإن لـم يقصد اللفظ كأن سبق لسانه إليه أو تلفظ به من غير معرفة معناه لـم يقع. والطلاق إن لـم يكن واجبا ولا مـحرما ولا مندوبا ولا مباحا فهو مكروه قال رسول اللـه ﷺ أبغض الـحلال إلـى اللـه الطلاق رواه الـحاكم. أما طلاق الزوجة لسبب شرعى فليس مكروها بل فيه ثواب إن كانت تاركة للصلاة. وإذا أمر أحد الوالدين ولده أن يطلق زوجته لأنـها كانت معروفة بالفسق كالزنـى أو كانت تؤذى والديه وجب عليه أن يطلقها إن كان يـحصل لـهما غم شديد إن لـم يطلقها.
(والطلاق ضربان) أى نوعان (صريح) أى ألفاظه صريـحة لا تـحتمل غير الطلاق (وكناية) أى ألفاظه تـحتمل الطلاق وغيـره (فالصريح ثلاثة ألفاظ) أنت (الطلاق و)أنت (الفراق و)أنت (السراح) والراجح أن هذه الألفاظ الثلاثة كناية أما الصريـحة فهى كطلقتك أو أنت طالق أو أنت مطلقة أو فارقتك أو أنت مفارقة أو سرحتك أو أنت مسرحة. (ولا يفتقر صريح الطلاق إلـى النـية) أى لا يـحتاج إلـى نية بل يقع الطلاق به ويستثنـى من ذلك المكره على الطلاق بغير حق فلا يقع طلاقه إلا إذا نوى الطلاق.
(والكناية كل لفظ احتمل الطلاق وغيـره) كقوله استتـرى أو الـحقـى بأهلك (ويفتقر) فـى وقوعه (إلـى النـية) فإن نوى به الطلاق وقع وإلا فلا. ولفظ الطلاق الصريح كطلقت زوجتـى إذا كتب فهو كناية فلا يقع إن لـم ينوه.
(والنساء فيه) أى الطلاق (ضربان ضرب فـى طلاقهن سنة وبدعة وهن ذوات الـحيض) وليس المراد بالطلاق السنـى أن فيه ثوابا بل المراد أنه جائز أما الطلاق البدعى فهو الطلاق المحرم (فالسنة أن يوقع) الزوج (الطلاق فـى طهر غير مـجامع فيه والبدعة أن يوقع الطلاق فـى) حال (الـحيض) أو النفاس (أو فـى طهر جامعها فيه). والطلاق فـى حال الـحيض حرام لأنه يطيل العدة على المرأة لأنه إن طلقها فـى طهر فعدتـها تنتهى بدخولـها فـى الـحيض الثالث أما إن طلقها فـى الـحيض فعدتـها تنتهى بدخولـها فـى الـحيض الرابع. وأما الطلاق فـى طهر جامعها فيه فهو حرام لأنه يورث الندم فالشخص قد يطلق زوجته ثـم يتبيـن له أنـها حامل فيندم.
(وضرب ليس فـى طلاقهن سنة ولا بدعة) أى لا ينقسم إلـى جائز ومـحرم بل هو طلاق جائز (وهن أربع الصغيـرة) التـى لـم تـحض (والآيسة) وهى التـى بلغت سن اليأس وهو اثنتان وستون سنة قمريـة وانقطع حيضها (والـحامل) التـى ظهر حـملها فطلاقها جائز لأنه لا ندم فيه ولا إطالة لمدة العدة (والمختلعة) وهى التـى دفعت لزوجها مالا ليطلقها فطلاقها جائز ولو كانت فـى حال الـحيض أو فـى طهر جامعها فيه. وكذلك المرأة (التـى لـم يدخل بـها) زوجها فلا يوصف طلاقها بسنة ولا بدعة إذ لا عدة عليها.
والطلاق ينقسم إلـى واجب كطلاق من حلف أن لا يـجامع زوجته أكثر من أربعة أشهر إذا طالـبه القاضى بذلك فإن القاضى يأمره بطلاقها بعد مرور أربعة أشهر على حلفه وامتناعه عن جـماعها ومندوب كطلاق امرأة تاركة للصلاة وغير العفيفة وسيـئة الـخلق ومكروه كطلاق امرأة تقية وعليها يـحمل حديث أبـى داود أبغض الـحلال إلـى اللـه الطلاق وحرام كالذى يطلق زوجته فـى حال الـحيض أو النفاس أو فـى طهر جامعها فيه ومباح كطلاق من لا يهوى زوجته أى لا يـميل قلبه إليها ونفسه تستثـقل أن ينفق عليها بلا استمتاع بـها.
(فصل) فـى طلاق الـحر والعبد المملوك.
(ويـملك الـحر ثلاث تطليقات) ولو كانت الزوجة أمة (و)يـملك (العبد تطليقتيـن) حرة كانت الزوجة أو أمة.
(ويصح الاستثناء فـى الطلاق) وهو إخراج بعض ما ذكره الزوج فـى كلامه كأن قال لزوجته أنت طالق ثلاثا إلا واحدة فتعد اثنتيـن أو قال لـها أنت طالق ثلاثا إلا اثنتيـن فتعد طلقة واحدة وإنـما يصح الاستثناء (إذا وصله به) أى وصل المستثنـى بالمستثنـى منه بـحيث يعد فـى العرف كلاما واحدا فلا يضر الفصل بينهما بسكتة التنفس وثقل اللسان ويشتـرط أن لا يستغرق المستثنـى المستثنـى منه وهو الثلاث فإن استغرقه كأن قال لـها أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا وقع ثلاثا ويشتـرط أن ينوى الاستثناء قبل الفراغ من قوله أنت طالق ثلاثا ويصح بأى جزء منه.
(ويصح تعليقه) أى الطلاق (بالصفة) أى بـحصول الصفة كأن قال لزوجته أنت طالق فـى شهر شوال فإنـها تطلق بدخول المغرب من أول ليلة منه (والشرط) أى ويصح تعليقه بالشرط كقوله إن دخلت دار فلان فأنت طالق فتطلق إذا دخلت أما إن لـم تدخل فلا تطلق ويبقى معلقا. أما إذا علق الطلاق بفعله شيئا فـى المستقبل ثـم فعله ناسيا للتعليق أو مكرها عليه أو جاهلا أنه المعلق عليه كأن علق الطلاق على تكليمه زيدا ثـم كلمه فـى ظلمة جاهلا أنه زيد لـم تطلق.
أما لو علق الطلاق على فعل غيره بقصد منعه من فعل شىء أو حثه على فعل شىء وعلم الغير بتعليقه وكان مـمن يبالـى بتعليقه فلا يـخالفه كأن قال لزوجته إن دخلت دار أخيك فأنت طالق أو قال لصديقه إن لـم تأكل عندنا فزوجتـى طالق فإن فعله ناسيا أو جاهلا بأنه المعلق عليه أو مكرها عليه لـم يقع الطلاق. أما إن لـم يقصد منعه أو حثه أو كان الغير مـمن لا يبالـى بتعليقه كالـحاكم أو لـم يبلغه تعليقه ففعله ناسيا أو جاهلا أو مكرها طلقت.
(ولا يقع الطلاق قبل النكاح) أى إذا قال لامرأة أجنبية ليست زوجته طلقتك أو أنت طالق لـم تطلق.
(وأربع لا يقع طلاقهم الصبـى والمجنون والنائم والمكره) على الطلاق بغير حق. وشرط الإكراه قدرة المكره على تنفيذ تـهديده وعجز المكره عن دفعه بـهرب ونـحوه وظنه أنه يستطيع أن يفعل ما خوفه به وكون ما هدده به عاجلا أما لو قال له طلق زوجتك وإلا قتلتك غدا فلا يعد مكرها على الطلاق. ويـحصل الإكراه هنا بالـتخويف بضرب شديد أو حبس أو إتلاف مال ونـحو ذلك. ويشتـرط لعدم وقوع الطلاق بالإكراه أن لا ينوى الطلاق.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين
لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=ya25KD6vNUk
للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab8
الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com