#6
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
(فصل) فـى أحكام العارية وهى إباحة الانتفاع بشىء مـجانا مع بقاء عينه. وأركانـها أربعة معيـر ومستعيـر ومعار وصيغة.
وشرط المعيـر أن يصح تبـرعه لأن الإعارة تبـرع بالمنفعة وأن يكون مالكا لمنفعة ما يعيـره كالمستأجر فلا تصح الإعارة مـمن لا يصح تبـرعه كصبـى ومـجنون ومـحجور عليه. ومن لا يـملك المنفعة كمستعيـر لا تصح إعارته إلا بإذن المعيـر. وشرط المستعيـر صحة قبوله التبـرع فلا تصح إعارة لصبـى ومـجنون. وشرط المعار كونه منتفعا به انتفاعا مباحا مع بقاء عينه فلا يصح إعارة ءالات اللهو المحرمة كالمزمار والكوبة (الدربكة) لأنـها مـحرمة أو إعارة مطعوم للأكل أو الشمعة للإضاءة لأن الانتفاع بـها يكون بذهاب عـينها.
(وكل ما أمكن الانتفاع به) انتفاعا مباحا (مع بقاء عـينه جازت إعارته إذا كانت منافعه) أى فوائده (ءاثارا) كسكنـى الدار أو ركوب الدابـة فيفهم من ذلك أن المنافع إذا كانت أعيانا لـم تصح الإعارة كإعارة الشاة للبنها والشجرة لثمرها وهذا قول ضعيف والمعتمد خلافه (وتـجوز العاريـة مطلقا) أى من غير تقييد بـمدة كأعرتك هذا الثوب (ومقيدا بـمدة) كأعرتك هذا الثوب شهرا. وللمعيـر الرجوع عن الإعارة فـى كل من المطلقة والمقيدة متـى شاء لأنـها عقد جائز بيـن الطرفيـن (وهى) أى العارية (مضمونة على المستعيـر بقيمتها يوم تلفها) أى يضمن قيمتها وإن لـم يقصر فـى حفظها أما إذا أتلفها باستعمال مأذون فيه كأن استعار قميصا ليلبسه سنتيـن فبلى بسبب الاستعمال فليس عليه ضمان.
(فصل) فـى أحكام الغصب وهو الاستيلاء على حق الغير ظلما مـجاهرة وهو من الكبائر. وقد يكون الـحق مالا كبيت أو منفعة كمحل من قعد فـى مسجد أو اختصاصا ككلب نافع للحراسة أو الصيد.
(ومن غصب مالا لأحد لزمه رده) فورا لمالكه (و)لزمه (أرش نقصه) أى غرم ما نقص من قيمته لا بسبب رخص سعره (و)لزمه (أجرة مثله فإن تلف) المغصوب وجبت أجرة المثل من يوم غصبه إلـى يوم تلفه و(ضمنه) الغاصب (بـمثله إن كان له مثل) موجود بثمن المثل فـى دون مسافة القصر (أو) ضمنه (بقيمته إن لـم يكن له مثل) أو كان له مثل موجود بأكثر من ثـمن المثل ويضمنه بالقيمة إذا اختلفت (أكثر ما كانت) أى ينظر إلـى أعلى قيمة له (من يوم الغصب إلـى يوم التلف) والعبـرة فـى القيمة بالنقد الغالب فـى البلد أى الذهب أو الفضة.
(فصل) فـى أحكام الشفعة وهى حق تـملك الشخص حصة شريكه قهرا بعد أن باعها لغيره فإذا اشتـرك اثنان مثلا فـى أرض فباع أحدهـما نصيبه لغير شريكه ثبت لشريكه حق تـملك المبيع قهرا بـمثل الثمن أو قيمته. وأركان الشفعة ثلاثة شفيع وهو الآخذ ومشفوع منه وهو المأخوذ منه ومشفوع وهو المأخوذ أما الصيغة فلا تعد ركنا فـى استحقاق الشفعة.
(والشفعة واجبة) أى ثابتة للشريك (بالـخلطة) أى خلطة الشيوع وهى التـى لا يتميز فيها ملك أحدهـما عن ملك الآخر كأن مات شخص وترك أرضا لولديه فصارا شريكـيـن فـى الأرض (دون) خلطة (الـجوار) فالـجار غيـر الشريك لا شفعة له. وتثبت الشفعة (فيما ينقسم) أى يقبل القسمة ولا يبطل نفعه بالقسمة كطاحون كبيـر يـمكن جعله طاحونيـن (دون ما لا ينقسم) كطاحون صغيـر يبطل نفعه بالقسمة فلا شفعة فيه.
(و)تثبت الشفعة (فـى كل ما لا ينقل من الأرض كالعقار) أى البناء (وغـيـره) كالشجر الأخضر تبعا للأرض (بالثمن الذى وقع عليه البيع) فإن كان الثمن مثليا كحب أو نقد يدفع قدره أو كان متقوما كثوب فيدفع قيمته وقت البيع (وهى) أى الشفعة بـمعنـى طلبها تكون (على الفور فإن أخرها مع القدرة عليها بطلت) أى إن أخر طلب الشفعة بلا عذر فاته طلبها.
(وإذا تزوج) الشريك (امرأة على شقص) أى قطعة أرض أى كان مهرها حصـته من الأرض (أخذه) أى أخذ (الشفيع) الشقص (بـمهر المثل) أى يدفع لـها قيمة مهر مثلها. (وإن كان الشفعاء جـماعة استحقوها) أى الشفعة (على قدر الأملاك) أى على قدر ما يـملكون من هذه الأرض.
(فصل) فـى أحكام القراض وهو إعطاء المال لشخص لـيعمل فيه فـى الـتجارة على أن يكون الربح مشتـركا. وأركان القراض ستة مالك وعامل وعمل وربح وصيغة ومال. ويشتـرط فـى المالك والعامل أن يكون كل منهما بالغا عاقلا مطلق الـتصرف. ويشتـرط فـى الصيغة الإيـجاب والقبول لفظا كأن يقول أحدهـما خذ هذا المال واتـجر به على أن يكون الربح بيننا مناصفة فيقول له الآخر قبلت. وشرط العمل أن يكون تـجارة وأن لا يكون مضيقا كخذ هذا المال واعمل فيه فـى شراء اللآلـئ الكبار. وشرط المال بينها المصنف بقوله (وللقراض أربعة شروط) وهى (أن يكون على ناض) أى مسكوك (من) النقد أى (الدراهم والدنانيـر) الـخالصة فلا يصح القراض على تـبـر وهو الذهب والفضة اللذان لـم ينقيا أو حلـى أو سبائك أو عملة ورقـية (وأن يأذن رب المال) أى المالك (للعامل فـى التصرف مطلقا) أى أن لا يضيق التصرف على العامل كقوله لا تشتـر شيئا حتـى تشاورنـى (أو فيما) أى فـى التصرف فـى شىء (لا ينقطع وجوده غالبا) فلو شرط عليه شراء شىء يندر وجوده كالـخيل البلق وهى التـى فيها سواد وبياض لـم يصح لأنـها نادرة الوجود (وأن يشرط له) أى للعامل (جزءا معلوما من الربح) كنصفه أو ثلثه وإذا قال على أن يكون الربح بيننا صح ويـحمل على المناصفة.
(و)يشتـرط فـى العقد (أن لا يقدر بـمدة) معلومة كقوله قارضتك سنة وأن لا يعلق بـحصول شىء كقوله إذا جاء رأس الشهر قارضتك.
ومال القراض أمانة فـى يد العامل (و)حينئذ (لا ضمان على العامل) فـى مال القراض (إلا بعدوان) أو تفريط فيه أى لا يضمن العامل إلا إذا اعتدى كأن أتلف شيئا من مال القراض عمدا أو قصر فـى حفظه.
(وإذا حصل) فـى مال القراض (ربح وخسران جبـر الـخسران بالربح) أى يعوض للمالك الـخسران من الربح كأن اشتـرى بضاعة بثلاثـمائة ثـم باع نصفها بـمائتيـن ثـم رخص السعر فباع النصف الثانـى بـمائة فهنا يـجبـر خسران الـخمسيـن بربح الـخمسيـن وليس للعامل شىء. أما إذا اشتـرى البضاعة بثلاثـمائة ثـم باعها بـمائتيـن لـم يكن للعامل شىء ولا يطالب بشىء.
والقراض عقد جائز من الطرفيـن وليس لازما ولكل واحد منهما فسخه متـى شاء وينفسخ القراض بالموت والـجنون والإغماء. وإذا فسخ العقد لزم العامل استيفاء الديون ورد رأس المال ذهبا أو فضة إن طالبه المالك بذلك.
(فصل) فـى أحكام المساقاة وهى معاملة شخص على شجر ليتعهده بنحو سقى على أن يكون له قدر معلوم من ثـمره. وأركانـها خـمسة عاقدان وعمل وثـمر وصيغة ومورد عمل وهو الشجر. أما الصيغة فهى إيـجاب من المالك وقبول من العامل لفظا كأن يقول المالك ساقيتك على هذا النخل ستة أشهر بنصف الثمر فيقول العامل قبلت.
(والمساقاة جائزة على) شجرتى (النخل والكرم) أى العنب لا على غيـرهـما بشرط أن يكون الشجر مغروسا معينا مرئيا منهما ولم يبد صلاح ثـمره أى لـم يبلغ حالة يقصد للأكل فيها (ولـها) أى للمساقاة (شرطان أحدهـما أن يقدرها) المالك (بـمدة معلومة) يثمر فيها الشجر عادة (والثانـى أن يعيـن) المالك (للعامل جزءا معلوما من الثمرة) كنصفها أو ثلثها (ثـم العمل فيها على ضربيـن عمل) يتكرر كل سنة وهو ما (يعود نفعه إلـى الثمرة) كسقى النخل وتلقيحه وتنقية مـجرى الماء من نـحو الطيـن (فهو على العامل) أما الآلات التـى يـحتاجها العامل فهى على المالك (وعمل) لا يتكرر كل سنة وهو ما (يعود نفعه إلـى الأرض) كحفر الأنـهار (فهو على رب المال) أى مالك الشجر.
وعقد المساقاة لازم من الطرفيـن كالإجارة. فإذا مات مالك الأشجار فـى أثناء المدة لـم تنفسخ المساقاة بل يستمر العامل على شغله ويأخذ نصيبه من الثمار. أما لو مات العامل وكانت المساقاة مساقاة عيـن أى شرط المالك على العامل أن يعمل هو بنفسه انفسخت كانـهدام الدار المستأجرة.
(فصل) فـى أحكام الإجارة وهى تـمليك منفعة مباحة بعوض معلوم مع بقاء العيـن على وجه خاص. وأركانـها أربعة عاقدان أى مؤجر ومستأجر وصيغة ومنفعة وأجرة. وشرط العاقد الرشد وعدم الإكراه بغير حق أى أن يكون كل منهما بالغا عاقلا غيـر مـحجور عليه وأن لا يكون مكرها على الإجارة. والصيغة إيـجاب كآجرتك هذا البيت إلى شهر بكذا وقبول كاستأجرته إلى شهر بكذا. (وكل ما أمكن الانتفاع به) عقب العقد (مع بقاء عينه) كاستئجار دار للسكنـى ودابة للركوب (صحت إجارته إذا قدرت منفعته) أى إذا كانت منفعته مقدرة (بأحد أمرين بـمدة) كاستأجرتك للبناء شهرا (أو عمل) كاستأجرتك لتخيط لـى هذا الثوب قميصا ولا يصح الـجمع بيـن الأمرين كاستأجرتك لتخيط لـى الثوب بيوميـن.
(وإطلاقها) أى الإجارة بلا ذكر حلول أجرة أو تأجيلها (يقتضى تعجيل الأجرة) فيستحقها بـمجرد إجراء العقد (إلا أن يشتـرط) فيها (التأجيل) فتكون الأجرة مؤجلة.
(ولا تبطل) الإجارة (بـموت أحد العاقدين) أى المؤجر والمستأجر ولا بـموتـهما أيضا بل تبقى بعد الموت إلـى انقضاء مدتـها ويقوم وارث المستأجر مقامه فـى استيفاء منفعة العيـن المستأجرة. (وتبطل) الإجارة (بتلف العيـن المستأجرة) كأن استأجر بيتا ثـم انـهدم كله أو استأجر دابـة ثـم ماتت.
(ولا ضمان على الأجيـر) أى لا يضمن الأجيـر العيـن المستأجرة إذا تلفت (إلا بعدوان) أو تفريط فيها كأن استأجر دابـة ليـركبها فحمل عليها أحجارا فماتت أو أخذها إلـى مكان ثـم تركها فلم يـجدها فإنه يضمن.
(فصل) فـى أحكام الـجعالة وهى التزام شخص مطلق التصرف عوضا معلوما على عمل معيـن كقوله من بنـى لـى حائطا صفته كذا فله مائة دولار أو على عمل مـجهول كقوله من رد عبدى الآبق فله مائتا دولار. وأركان الـجعالة أربعة عمل وجعل وهو العوض وصيغة من الـجاعل وعاقد أى جاعل ومـجعول له. والعمل المجهول الذى لا يـمكن ضبطه كرد العبد الآبق يصح فـى الـجعالة أما الذى يـمكن ضبطه كبناء حائط فلا بد أن يكون معلوما كأن يذكر موضعه وطوله وعرضه وارتفاعه وما يبنـى به. أما الـجعل وهو العوض الذى التزمه الـجاعل فـى ذمته فلا يشتـرط أن يكون مقبوضا فـى مـجلس العقد لكن لا بد أن يكون معلوما بـمشاهدة أو وصف كما فـى البيع فلا يصح أن يكون مـجهولا أو نـجسا ككلب أو جلد ميتة لـم يدبغ. أما الصيغة فلا بد أن تكون من الـجاعل دالة على الإذن فـى العمل بالعوض الملتزم به أما المجعول له فلا يشتـرط أن يقبل باللفظ. وأما العاقد فجاعل ومـجعول له والـجاعل يشتـرط أن يكون مطلق التصرف أى بالغا عاقلا غيـر مـحجور عليه والمجعول له وهو العامل قد يكون معينا كقول القائل لبكر رد لـى حـمارى ولك كذا وقد لا يكون معينا كقول القائل من رد لـى حـمارى فله كذا. ويشتـرط عند التعييـن أن يكون العامل أهلا للعمل.
(والـجعالة جائزة) أى عقدها جائز من الطرفيـن طرف الـجاعل وطرف المجعول له المعيـن ما لـم يفرغ من العمل وإلا فيلزم الـجاعل ما التزمه. ولكل منهما فسخها بعد الشروع فـى العمل وقبل الفراغ منه فإن فسخ العامل فلا شىء له أما إن فسخ الـجاعل فيلزمه للعامل أجرة المثل للقدر الذى عمله لأنه استهلك منفعته.
(وهى) أى الـجعالة (أن يشتـرط فـى رد ضالته) مثلا (عوضا معلوما فإذا ردها استحق ذلك العوض المشروط) له.
(فصل) فـى أحكام المخابرة والمزارعة.
المخابرة هى عمل العامل فـى أرض المالك ببعض ما يـخرج منها من الثمر والبذر من العامل أما المزارعة فهى عمل العامل فـى أرض المالك ببعض ما يـخرج منها من الثمر والبذر من المالك وكلاهـما عقد فاسد.
(و)بيان ذلك أنه (إذا دفع) شخص (إلـى رجل أرضا ليزرعها) أى أذن له أن يزرع أرضه (وشرط له جزءا معلوما من ريعها) كثلث الغلة (لم يـجز) ذلك. لكن إذا تـم الزرع والـحصاد وكان البذر من العامل فالزرع له وعليه للمالك دفع أجرة مثل أرضه أما إذا كان البذر من المالك فالزرع له وعليه للعامل دفع أجرة مثل عمله.
والمخابرة والمزارعة عقدان فاسدان كما تقدم إلا أن المزارعة تـجوز إذا كانت تابعة للمساقاة وعسر إفراد النخل أو العنب بالسقيا بشرط تقدم لفظ المساقاة فـى العقد فيقول مثلا ساقيتك على هذا النخل بربع ثـمره وزارعتك على هذا البياض بنصف الغلة ويشتـرط عدم الفصل بيـن العقدين وأن يكون العامل واحدا فـى المزارعة والمساقاة فلا يصح أن يقول مثلا ساقيتك وزارعت أخاك.
(وإن أكراها) أى ءاجر أرضه (بذهب) كعشرين دينارا (أو فضة) كمائتـى درهم (أو شرط له طعاما معلوما فـى ذمته) أجرة كخمسيـن وسقا من قمح أو ألفى دولار (جاز) وكان ذلك إجارة صحيحة.
(فصل) فـى أحكام إحياء الموات وهى الأرض التـى لا مالك لـها ولا ينتـفع بـها أحد. وتـملك بالإحياء أى بتهيئتها للانتفاع بـها كزراعتها أو السكن فيها أو جعلها زريبة للماشية.
(وإحياء الموات جائز) بل يسن (بشرطيـن) أحدهـما (أن يكون المحيـى مسلما) والثانـى (أن تكون الأرض حرة) أى (لـم يـجر عليها ملك لمسلم) أو ذمى. فإذا أحيا المسلم أرضا مواتا ملكها أما الكافر فليس له أن يتملك من الموات فـى بلاد المسلمين.
(وصفة الإحياء) التـى يثبت بـها الملك هو (ما كان فـى العادة عمارة للمحيا) فإن أراد المحيـى إحياء الموات مسكنا فيشتـرط تـحويط البقعة من الأرض ببناء حيطانـها وسقف بعضها ونصب باب وإن أراد إحيائها مزرعة فيشتـرط جـمع التـراب حولـها لبيان حدودها وتسوية الأرض وحرثها وترتيب الماء لـها بشق ساقـية أو حفر قناة إن لـم يكفها ماء المطر وإن أراد إحيائها بستانا فيشتـرط جـمع التـراب حولـها أو تـحويطها إن جرت العادة بذلك وغرس الشجر فيها بـحيث تسمى بستانا.
(ويـجب) على من حفر بئرا فـى ملكه أو فـى أرض موات ليتملكها أو لينتفع بـها من غيـر تـملك (بذل الماء) أى إعطاءه لغيره مـجانا (بثلاث شرائط) وهى (أن يفضل) أى أن يزيد الماء (عن حاجته) الآنية (وأن يـحتاج إليه غيـره) للشرب إما (لنفسه أو لبهيمته) المحتـرمة وهى التـى لا يـجوز قتلها كالـحصان أو لسقى ماشيته أما إذا كان يـحتاجه غيـره لزرعه أو شجره فلا يـجب على مالك الماء بذله وإن أدى إلـى تلفه (وأن يكون) الماء فـى مقره أما المأخوذ منه فلا يـجب بذله وأن يكون (مـما يستخلف فـى بئر أو عيـن) والمستخلف هو الذى إذا أخذ منه شىء يـخلفه غيـره.
(فصل) فـى أحكام الوقف وهو عطية مؤبدة قابلة للتمليك يـمكن الانتفاع بـها انتفاعا مباحا مع بقاء عينها ولا يتصرف فيها إلا على حسب ما شرط الواقف كأرض أو دار. والمسلم إذا وقف شيئا لا يـجوز له بعد ذلك بيعه أو هبته ولا للورثة اقتسامه مع التـركة. وأركان الوقف أربعة واقف وموقوف وموقوف عليه وصيغة فإذا قال وقفت هذه الدار على المساكيـن فالموقوف هو الدار والموقوف عليه هم المساكيـن. وشرط الواقف صحة عبارته وتبـرعه أى أن يكون كلامه معتبـرا فإذا قال وقفت يعتبـر كلامه فلا يصح من صغيـر ومـجنون ومـحجور عليه. وشرط الموقوف أن يكون عينا معينة يـمكن تـملكه فلا يصح وقفت فرسا لكونه فـى الذمة ولا كلبا لكونه لا يتملك. ويشتـرط فـى الموقوف عليه أن يصح تـملكه فلا يصح الوقف على الـحمل أى ما فـى بطن المرأة لأنه لا يتملك. ولا بد من صيغة يصيـر بـها الشىء وقفا كوقفت هذه الأرض مسجدا أو وقفت هذه المدرسة على طلبة العلم الشرعى.
(والوقف جائز بثلاث شرائط) وهى (أن يكون) الموقوف (مـما ينتفع به) انتفاعا مباحا (مع بقاء عينه) فلا يصح وقف ما يـحرم كآلات اللهو المحرمة وما لا تبقى عينه كالمطعوم (وأن يكون) الوقف (على أصل موجود) غيـر معدوم يصح أن يتملك، معينا كزيد أو غيـر معين كالفقراء فلا يصح الوقف على أصل غيـر موجود كوقفت هذا البيت على من سيولد لـى ثـم على الفقراء. (و)اشتـرط المصنف أن يكون الوقف بعد الأصل الموجود على (فرع لا ينقطع) أى دائم فلا يصح الوقف على منقطع الآخر كوقفت هذا البيت على زيد ثـم على أولاده وهو قول مرجوح والراجح أنه يصح (وأن لا يكون) الوقف (فـى مـحظور) أى مـحرم. ويشترط فـى الوقف أن لا يكون مؤقتا كوقفت بيتـى هذا سنة وأن لا يكون معلقا كقوله إذا جاء زيد فقد وقفت بيتـى هذا على الفقراء.
(وهو) أى الوقف يصرف (على) حسب (ما شرط الواقف) فيه (من تقديـم) لبعض الموقوف عليهم (وتأخيـر) البعض الآخر كوقفت بيتـى هذا على أولادى ثم على أولادهم (وتسوية) كوقفت كذا على أولادى بالسويـة بيـن ذكورهم وإناثهم (وتفضيل) لبعضهم على بعض كوقفت كذا على أولادى للذكر منهم مثل حظ الأنثييـن.
(فصل) فـى أحكام الـهبة وهى تـمليك عيـن أو منفعة بلا عوض. وأركان الـهبة أربعة واهب وموهوب له وموهوب وصيغة. وشرط الواهب أن يكون مالكا لما يهبه وأن يكون مطلق التصرف فـى ماله. وشرط الموهوب له كونه أهلا لتملك الموهوب ولو لـم يكن بالغا فإن لـم يكن بالغا وأراد شخص أن يهبه شيئا يصح ويقبل له ولـيه فيدخل هذا الشىء فـى ملك الطفل. (و)القاعدة أن (كل ما جاز بيعه جازت هبته) وما لـم يـجز بيعه لكونه مـجهولا أو نـجسا أو مغصوبـا أو ضالا كدابـة أو عبدا ءابقا لا تـجوز هبته. أما الصيغة فهى إيـجاب وقبول كقول القائل وهبت هذا لك فيقول الآخر قبلته.
(ولا تلزم الـهبة) أى لا تصيـر لازمة ولا تـملك (إلا بالقبض) بإذن الواهب فإذا وهب شخص ءاخر كتابـا لا يدخل فـى ملكه إلا إذا قبضه بإذن الواهب فإذا مات الموهوب له أو الواهب قبل قبض الـهبة لـم تنفسخ وقام وارثه مقامه فـى القبض والإقباض فإذا مات الموهوب له قام وارثه مقامه فيقبضها فإذا قبضها دخلت فـى ملكه وإذا مات الواهب قام وارثه مقامه فإذا أقبضه دخلت فـى ملكه. أما إذا قبضها الموهوب له بغير إذن الواهب لـم يـملكها وعليه ضمانـها إذا تلفت (وإذا قبضها الموهوب له) بإذن الواهب دخلت فـى ملكه و(لـم يكن للواهب أن يرجع فيها إلا أن يكون والدا) أبـا أو أما وإن علا فيجوز له أن يرجع فـى هبته. (وإذا أعمر) شخصا (بيتا) كقوله أعمرتك هذا البيت أى جعلته لك عمرك (أو أرقبه) إيـاه كقوله أرقبتك هذا البيت أى إن مت قبلـى عاد لـى وإن مت قبلك استقر لك فقبل وقبض صحت الـهبة فـى كليهما و(كان) البيت (للمعمر أو للمرقب ولورثته من بعده).
(فصل) فـى أحكام اللقطة وهى ما ضاع من مالكه فـى نـحو شارع أو مسجد ولا يعرف مالكه. وأركانها ثلاثة التقاط ولاقط وملتقط.
و(إذا وجد) شخص (لقطة فـى) أرض (موات) أو طريق أو نـحو ذلك (فله أخذها) بنية تـملكها أو حفظها (و)له (تركها) ولكن (أخذها أولـى) من تركها (إن كان على ثقة من القيام بـها) أى إن كان يثق بنفسه أنه يفعل ما يـجب عند أخذها فإذا أخذها وجب عليه أن يعرفها سنة (وإذا أخذها) بنية تـملكها (وجب عليه أن يعرف ستة أشياء) فيها (وعاءها) كجلد أو خرقة (وعفاصها) وهو الجلد الذى على رأس القارورة (ووكاءها) وهو الـخيط الذى تربط به (وجنسها) كالدنانيـر والدراهم وصفتها إن كانت صحيحة أو مكسرة (وعددها) إن كان يضبط قدرها بالعدد (ووزنـها) إن كان يضبط بالوزن كدرهم وأن يعرف نوعها كليـرة عثمانية أو إنكليزيـة (و)يـجب على الملتقط أن (يـحفظها) لمالكها (فـى حرز مثلها) لأنـها أمانة.
(ثم إذا أراد) الملتقط (تـملكها عرفها سنة) ابتداء من يوم التعريف بنية أن يتملكها بعد سنة ويكون التعريف فـى مواطن اجتماع الناس كالأسواق والمقاهى و(على أبواب المساجد) عند خروج الناس من صلوات الـجماعة (و)يـجب التعريف (فـى الموضع الذى وجدها فيه). ويعرف فـى الأسبوع الأول كل يوم مرتيـن طرفـى النهار ثـم كل يوم مرة فـى الأسبوع الثانـى ثـم كل أسبوع مرة أو مرتيـن حتـى يتم سبعة أسابيع ثـم فـى كل شهر مرة أو مرتيـن إلـى ءاخر السنة. وينبغى أن يبيـن زمن وجدان اللقطة.
(فإن لـم يـجد صاحبها) بعد تعريفها سنة (كان له أن يتملكها) إن وجدها فـى غيـر حرم مكة (بشرط الضمان) لمالكها إن ظهر. ويشتـرط لفظ يدل على التملك كتملكت هذه اللقطة. فإن تـملكها ثـم ظهر مالكها فإن كانت باقـية ردها إليه أما إن تلفت بعد تـملكها فإنه يغرم مثلها إن كان لـها مثل كالدراهم والدنانيـر أو يغرم قيمتها يوم التملك لـها إن كانت متقومة كالـخروف.
(واللقطة على أربعة أضرب) أى أقسام (أحدها ما يبقى على الدوام) كالدنانيـر والدراهم (فهذا حكمه) على التخييـر بيـن الـحفظ والتملك بعد التعريف (والثانـى ما لا يبقى) على الدوام بل يفسد (كالطعام الرطب) فمن وجد رطبا لا يتتمر أى لا يصيـر تـمرا أو عنبا لا يتزبب أى لا يصيـر زبيبا (فهو مـخيـر) بـحسب مصلحة المالك (بيـن أكله) بعد تـملكه (وغرمه) أى غرم بدله بعد تعريفه (أو بيعه) بثمن المثل (وحفظ ثـمنه) إلـى ظهور مالكه. وله أن يتملك الثمن بعد أن يعرف المبيع سنة بنية تـملك ثـمنه (والثالث ما يبقى بعلاج كالرطب) الذى يتتمر والعنب الذى يتزبب (فيفعل ما فيه المصلحة) للمالك (من بيعه) بثمن المثل (وحفظ ثـمنه) وله أن يتملك الثمن إن أراد التملك (أو تـجفيفه وحفظه) إلـى ظهور مالكه (والرابع ما يـحتاج إلـى نفقة كالـحيوان وهو ضربان) أحدهـما (حيوان لا يـمتنع بنفسه) من صغار السباع كذئب وفهد (فهو) كشاة وعجل فإن وجد فـى الصحراء جاز التقاطه والملتقط (مـخيـر) بالنظر إلى مصلحة المالك (بيـن) أمور ثلاثة (أكله) إن كان مأكولا بعد تـملكه فـى الـحال (وغرم ثـمنه أو تركه) عنده (والتطوع بالإنفاق عليه أو بيعه وحفظ ثـمنه) إلـى ظهور مالكه أو تـملك ثـمنه بعد سنة. (و)الثانـى (حيوان يـمتنع بنفسه) من صغار السباع أى يستطيع أن يـمنع صغار السباع عنه بقوته كإبل أو بقر أو بشدة عدوه كأرنب أو غزال أى مـملوكـيـن (فإن وجده فـى الصحراء تركه) وحرم التقاطه للتملك أما للحفظ فيجوز (و)أما (إن وجده فـى الـحضر) أى فـى العمران (فهو) عند المصنف (مـخيـر بيـن الأشياء الثلاثة فيه) والمعتمد أنه مـخيـر بيـن شيئيـن ويـمتنع عليه أكله لسهولة بيعه فـى الـحضر.
(فصل) فـى أحكام اللقيط وهو صبـى ملقى ولا كافل له من أب أو جد أو من يقوم مقامهما وقد يكون صبية. والمجنون ولو بالغا حكمه كحكم الصبـى الملقى. وأركان اللقط الشرعى ثلاثة لقط أى أخذ ولقيط ولاقط.
(وإذا وجد لقيط بقارعة الطريق) ونـحوها كـباب مسجد (فأخذه وتربيته وكفالته واجبة على الكفاية) فإن لـم يلتقطه أحد أثـم كل من علم به ويـجب على اللاقط أن يشهد على التقاطه ولو كان اللاقط ظاهر العدالة (ولا يقر) أى لا يتـرك اللقيط (إلا بيد أميـن) ولو أنثى أما لو كان اللاقط كافرا أو فاسقا أو صبيا أو مـجنونـا أو عبدا مـملوكا فلا يصح اللقط ويأخذ اللقيط منه (فإن وجد معه) أى اللقيط (مال) كدار أو خيمة وجد فيها ولا يعرف لـها مستحق أو دابة مشدودة به أو دنانيـر عليه (أنفق عليه الـحاكم) أو مأذونه (منه) ولا ينفق الملتقط عليه منه إلا بإذن الـحاكم (وإن لـم يوجد معه) أى اللقيط (مال فنفقته) من مال الوقف المخصص للإنفاق على اللقطى فإن لـم يوجد فنفقته (فـى بيت المال).
(فصل) فـى أحكام الوديعة وهى إيداع شىء عند غيـر صاحبه لـحفظه.
وأركانـها أربعة عيـن مودعة ومودع ومودع وصيغة كقول القائل احفظ هذا عندك ويشتـرط القبول ولو بقبضه ولا يشتـرط فيه لفظ.
(والوديعة) أى العيـن المودعة (أمانة) فـى يد المودع (ويستحب قبولـها) أى أخذها لـحفظها (لمن قام بالأمانة فيها) بأن قدر على حفظها ووثق بأمانة نفسه أما من عجز عن حفظها بأن لـم يـجد عنده مكانا يعد حرزا لـها تـحفظ فيه فيحرم عليه قبولـها ولو كان أمينا وأما من قدر على حفظها لكنه لـم يثق بأمانة نفسه أى خشى الـخيانة من نفسه فيكره له قبولـها. (ولا يضمن) المودع الوديعة إذا تلفت (إلا بالتعدى) أى التقصيـر فـى حفظها كأن وضع الوديعة عند غيـره بلا إذن من المالك ولا عذر له (وقول المودع مقبول فـى ردها) أى الأمانة (على المودع) أى يقبل قوله عند القاضى إذا حلف على رد الأمانة للمودع ولا يطالبه القاضى أن يأتـى بشهود. (و)يـجب (عليه) أى المودع (أن يـحفظها) أى الوديعة (فـى حرز مثلها) فإن لـم يفعل فتلفت ضمن (وإذا طولب) المودع (بـها فلم يـخرجها) أى أخر إعطاءها للمودع (مع القدرة عليها حتـى تلفت ضمن) بدلـها.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين
لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=AysNJe8jaUg
للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab6
الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com