الخميس يناير 29, 2026

#5

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

(كتاب البيوع)

     أى هذا كتاب معقود لبيان أحكام البيوع وغيرها من المعاملات كالقراض والرهن والإجارة ونـحوها. والبيع هو تـمليك عيـن مالـية كـبيت أو منفعة مباحة على التأبيد كـتمليك حق البناء على سطح بثمن مالـى بإذن شرعى فخرج بذلك الـهبة والإعارة والإجارة فلا تسمى بيعا. وكل بيع حلال إلا ما استثناه الشرع قال اللـه تعالـى ﴿وأحل اللـه البيع وحرم الربا﴾. وأركان البيع ستة بائع ومشتـر وثـمن ومثمن وإيـجاب وقبول كقول بعتك هذا بكذا فيقول اشتـريته بكذا. واختار بعض أصحاب الشافعـى رضى اللـه عنه صحة المعاطاة فـى البيع أى التعاقد بلا لفظ من الـجانبيـن فـى ما كانت قيمته هينة عند الناس كالـخبز والقمح لا كالبيت أو الأرض.

     (والبيوع ثلاثة أشياء) أى ثلاثة أنواع (بيع عيـن مشاهدة) أى مرئية للمتبايعيـن (فجائز) بشرط كون المبيع طاهرا ومنتفعا به منفعة معتبـرة فـى الشرع ومقدورا على تسلمه بلا كلفة كبيـرة وأن يكون البائع عليه ولاية بـملك أو غيره كوكالة (وبيع شىء موصوف فـى الذمة فجائز إذا وجدت) فـى المبيع (الصفة على ما وصف به) أى بيع شىء فـى الذمة غير مشاهد موصوف كأن يقول بعتك قمحا صفته كذا معناه التزمت لك فـى ذمتـى قمحا هذه صفته فيقول المشتـرى اشتـريته بكذا (وبيع عيـن غائبة) عن الرؤية (لـم تشاهد) أى لـم يرها المتعاقدان أو أحدهـما (فلا يـجوز) ولا يصح بيعها لعدم رؤيتها مع كونـها معينة كأن يقول بعتك سيارتـى التـى فـى الموقف ولم يرها المشتـرى. أما إن شوهدت العيـن قبل العقد ولـم يرها المتعاقدان عند العقد فإن كانت لا تتغير غالـبا فـى المدة بيـن الرؤية والشراء صح العقد أما إذا كانت العين تتغير فـى هذه المدة فلا يصح العقد إلا برؤيتها مرة أخرى.

     (ويصح بيع كل طاهر) من الأعيان (منتفع به) انتفاعا مباحا (مـملوك) من العاقد أو له عليه ولاية كأن يكون ولـى يتيم أو وكيلا عن المالك أما ما ليس داخلا تـحت الملك فلا يصح بيعه كالإنسان الـحر والأرض الموات التـى لا مالك لـها (ولا يصح بيع عيـن نـجسة) كخمر أو متنجسة لا يـمكن تطهيـرها كزيت متنجس (ولا) بيع (ما لا ينتفع به) منفعة معتبـرة شرعا كبيع ءالات اللهو المحرمة أو الصور المجسمة لإنسان أو بـهيمة كلعب الأطفال.

     (فصل) فـى الربا.

     يـحرم الربا فعله وأكله وأخذه وكتابته وشهادته فيشتـرك فـى الإثـم ءاخذ الربا ودافعه وكاتب العقد وشاهده والذى ينتفع بالمال الذى يصل إليه بطريق الربا لـحديث مسلم لعن رسول اللـه ﷺ ءاكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده.

     (والربا فـى الذهب والفضة) يـحصل فـى بيع أحدهـما بالآخر كذهب بفضة بغير تقابض أو مع تأجيل القبض (و)أما الربا فـى (المطعومات) فإنه يـحصل فـى بيع مطعوم بـمطعوم كقمح بشعيـر بغير تقابض أو مع تأجيل القبض كأن يقول بعتك هذا القمح بـهذا الشعيـر على أن أعطيك إياه بعد يوم.

     (ولا يـجوز بيع الذهب بالذهب ولا الفضة) بالفضة (كذلك إلا متماثلا) أى مثلا بـمثل وزنا ولا يـجوز بيعه إلا (نقدا) أى حالا بلا تأجيل مع التقابض قبل الافتـراق ولا يـجوز بيع مطعوم بـمطعوم من جنسه كشعيـر بشعيـر مع اختلاف الكمية فعن معمر بن عبد اللـه رضى اللـه عنه أنه قال كنت أسـمع رسول اللـه ﷺ يقول الطعام بالطعام مثلا بـمثل وكان طعامنا يومئذ الشعيـر رواه مسلم.

     (ولا) يصح (بيع ما ابتاعه) أى بيع ما اشتـراه (حتـى يقبضه) ويـحصل القبض فيما ينقل كالسيارة بالنقل إلـى مكان لا يـختص بالبائع وبالمناولة فيما يتناول باليد كالثوب لما رواه البخارى ومسلم عن عبد اللـه بن عباس رضى اللـه عنهما أن رسول اللـه ﷺ نـهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفـى أى قبل أن يقبض.

     (ولا) يـجوز بيع (اللحم بالـحيوان) الـحى سواء كان من جنس هذا اللحم أو غيره.

     (ويـجوز بيع الذهب بالفضة متفاضلا) أى مع اختلاف الوزن إذا كان (نقدا) أى حالا بلا تأجيل وتـم التقابض فـى مـجلس التعاقد (وكذلك المطعومات لا يـجوز بيع الـجنس منها بـمثله إلا متماثلا) أى مع التساوى بالكيل (ويـجوز بيع الـجنس منها) أى المطعومات (بغيره متفاضلا) أى مع اختلاف الكمية إذا كان (نقدا) أى حالا بلا تأجيل وحصل التقابض.

     (ولا يـجوز بيع الغرر) كبيع الألبان فـى ضروع الأنعام لأنه مـجهول أو ما لا قدرة على تسليمه كبعيـر شارد أو بيت مغصوب.

     (فصل) فـى أحكام الـخيار. والـخيار ثلاثة أنواع خيار المجلس وخيار الشرط وخيار الرد بالعيب.

     (والمتبايعان) بعد إجراء العقد (بالـخيار ما لـم يتفرقا) أى لـهما الـخيار فـى فسخ العقد ما داما فـى المجلس لقوله ﷺ البائع والمبتاع بالـخيار حتـى يتفرقا رواه ابن خزيـمة (ولـهما) أى المتبايعيـن أو لأحدهـما إذا رضى الآخر (أن يشتـرطا الـخيار) لـهما أو لأحدهـما (إلـى ثلاثة أيـام) وتـحسب المدة من الشرط لا من افتـراق المتبايعيـن.

     (وإذا وجد بالمبيع عيب) تنقص به قيمته وكان موجودا قبل القبض (فللمشتـرى رده) فور علمه بالعيب فإن أخر بلا عذر سقط حقه فـى الرد.

     (ولا يـجوز بيع الثمرة مطلقا إلا بعد بدو صلاحها) أى لا يـجوز بيع ثـمر الشجر بلا شرط القطع إلا بعد ظهور صلاح الثمر.

     (ولا) يـجوز (بيع ما فيه الربا بـجنسه) حال كون كل منهما أو أحدهـما (رطبا) كبيع رطب برطب أو عنب بعنب لعدم تـماثلهما بعد الـجفاف (إلا اللبـن) فإنه يـجوز بيع بعضه ببعض قبل تـجبينه مع كونه رطبا.

     (فصل) فـى أحكام السلم وهو بيع شىء موصوف فـى الذمة بلفظ السلم أو السلف. ولا بد فيه من صيغة إيـجاب وقبول كغيره من البيوع كأن يقول أسلمت إليك هذه الدراهم فـى كيل قمح صفته كذا فيقول قبلت.

     (ويصح السلم حالا ومؤجلا) إلـى أجل معين (فيما تكامل فيه خـمس شرائط) أى يصح السلم فـى شىء يشتـرط فيه خـمس شرائط وهى (أن يكون مضبوطا بالصفة) أى يـمكن ضبطه بأوصاف تـميزه بـها عن غيره وتنتفى بوصفه الـجهالة فيه (وأن يكون جنسا لـم يـختلط به غيره) أما المختلط من أجناس مـختلفة لا يعلم مقدارها كالغالية وهو نوع من الطيب مركب من ورد ومسك وعود فلا يضبط بالصفة فلا يصح فيه السلم (و)قوله (لـم تدخله النار لإحالته) أى يشتـرط أن لا تدخله النار لأنـها تـحوله من حال إلـى حال فيتعذر ضبطه لاختلاف تأثيـر النار فيه فلا يصح السلم فـى الـخبز واللحم المشوى (وأن لا يكون معينا) بل دينا فـى الذمة فلا يصح السلم فـى المعين كأسلمت إليك هذه الدراهم فى هذا الكيل من القمح (و)أن (لا) يكون (من معين) كأسلمت إليك هذا الدرهم فـى صاع من القمح من هذا البستان لأنه كالمعين.

     (ثم لصحة السلم فيه ثـمانية شرائط) وفـى بعض النسخ (ويصح السلم بثمانية شرائط وهو أن يصفه بعد ذكر جنسه ونوعه بالصفات التـى يـختلف بـها الثمن) أى أن الشرط فـى المسلم فيه وهو المبيع أن يصفه وصفا ينفى الـجهالة عنه وأن يذكر الصفات التـى تؤثر فـى ثـمنه بعد أن يذكر جنسه ونوعه فإذا أراد أن يسلم مالا فـى شاة فلا بد أن يبين هل يريد شاة ذكرا أو شاة أنثى لأن ثـمن الذكر يـخالف ثـمن الأنثى (وأن يذكر قدره بـما ينفى الـجهالة عنه) أى أن يكون المسلم فيه معلوم القدر وزنا أو كـيلا أو عدا أو ذرعا. (وإن كان مؤجلا ذكر وقت مـحله) أى وقت حلول أجله أى إن كان السلم مؤجلا فلا بد أن يكون الأجل معلوما (وأن يكون موجودا عند الاستحقاق فـى الغالب) أى أن لا يكون وجوده نادرا (وأن يذكر موضع قبضه) أى مـحل تسليم المسلم فيه إن كان موضع العقد لا يصلح للتسليم أو كان السلم مؤجلا وكان فـى نقل المسلم فيه إلـى مـحل العقد مؤنة أى مشقة وكلفة مالـية (وأن يكون الثمن) أى رأس مال السلم (معلوما) برؤيته إن كان معينا أو بوصفه بالصفات التـى تنفى الـجهالة عنه إن كان فـى الذمة (وأن يتقابضا) أى أن يقبض المسلم إليه وهو البائع رأس المال فـى مـجلس العقد (قبل التفرق) أى قبل أن يتفرقا (وأن يكون العقد ناجزا لا يدخله خيار الشرط) أى يشترط فـى عقد السلم لصحته أن لا يدخله خيار الشرط بـخلاف خيار المجلس فإنه يدخل فـى عقد السلم.

     (فصل) فـى أحكام الرهن وهو جعل عيـن مالية كدار وثيقة بدين أى مربوطة بدين يستوفـى منها الدين عند تعذر الوفاء كأن يقول لشخص رهنتك هذه الدار بالمبلغ الذى لك على فلا يتصرف بـها صاحبها بـحيث تـخرج عن ملكه إلا بعد أن يدفع الدين أو يأذن له صاحب الدين.

     وأركان الرهن خـمسة راهن وهو من عليه الدين ومرتـهن وهو من له الدين ومرهون وهو العين المرهونة ومرهون به وهو الدين وصيغة أى إيـجاب وقبول. ولا بد أن يكون كل من الراهن والمرتـهن مطلق التصرف فلا يصح أن يكون صبيا أو مـجنونا. (و)أما المرهون فهو ما عبر عنه صاحب المتـن بقوله (كل ما جاز بيعه) من الأعيان (جاز رهنه فـى الديون) لا فـى الأعيان (إذا استقر ثبوتـها فـى الذمة) أى إذا لزمت كالأجرة بعد استيفاء المنفعة أو كانت ءايلة إلى اللزوم كالثمن فـى مدة الـخيار.

     (وللراهن) الانتفاع بالرهن بغير بيع أو هبة أو إتلاف له وبغير ما ينقص قيمته وله (الرجوع فيه) أى الرهن بأن يفسخ عقده (ما لـم يقبضه) المرتـهن فإذا قبض المرتـهن العين المرهونة مـمن يصح إقباضه لزم الرهن وامتنع على الراهن الرجوع فيه. أما المرتـهن فله أن يفسخ العقد ولو بدون رضى الراهن لأنه غير لازم من جهته.

     (و)الرهن أى المرهون إذا وضع عند المرتـهن (لا يضمنه المرتـهن) إذا تلف (إلا بالتعدى) أى إلا إذا قصر فـى حفظه ولا يسقط بتلفه شىء من الدين.

     (وإذا قبض) المرتـهن (بعض الـحق) الذى له (لـم يـخرج) أى لـم ينفك (شىء من الرهن حتـى يقبض جـميعه) أى جـميع الـحق الذى على الراهن.

     (فصل) فـى الحجر وهو شرعا منع التصرف فـى المال.

     (والـحجر على ستة) أى ستة لا يؤذن لـهم بالتصرف فـى مالـهم (الصبـى) الذى لـم يبلغ فإن وليه يتصرف له فـى ماله بـحسب مصلحته (والمجنون) الذى لا يعقل (والسفيه) أى غير المصلح لدينه وماله (المبذر لماله) أى يصرف ماله فـى الـحرام أو يغبن غـبنا فاحشا فـى المعاملات. (و)مـمن لا يؤذن لـهم بالتصرف فـى مالـهم (المفلس) وهو الشخص (الذى ارتكبته الديون) أى ركبته الديون وكان دينه الـحال أكثر من ماله (والمريض المخوف عليه) أى المريض بـمرض كثيـرا ما يـموت المصاب منه عاجلا كالإسهال المتتابع فيحجر عليه فـى الوصايـا والعطايـا (فيما زاد على الثلث) أى ثلث التـركة لأجل حق الورثة فإن كان عليه دين يأكل كل التـركة حجر عليه فـى كل ماله (والعبد) المملوك (الذى لـم يؤذن له فـى التجارة) أى لـم يأذن له سيده فلا يصح بيعه ولا شرائه بغير إذن سيده.

     (وتصرف الصبـى والمجنون والسفيه غير صحيح) فلا يصح منهم بيع ولا شراء ولا هبة أما السفيه فيصح طلاقه ولا يصح نكاحه إلا بإذن ولـيه.

     (وتصرف المفلس يصح فـى ذمته) كأن اشتـرى شيئا بثمن فـى ذمته فيصح منه إذا أعلم البائع بـحاله فقبل أن يبيعه (دون أعيان ماله) لأن ماله كله مـحجور عليه لأجل الدائنيـن.

     (وتصرف المريض) بـمرض مـخوف (فيما زاد على الثلث موقوف على إجازة الورثة من بعده) فإن أوصى المريض بأكثر من الثلث فما زاد على الثلث موقوف على رضا الورثة بعد الموت لا قبله.

     (وتصرف العبد) المملوك الذى لـم يأذن له سيده فـى التجارة لا يصح فإن كان عين المال ما زال موجودا يرده أى يرد ما اشتـراه ويستـرد الثمن. وأما إذا تلف (يكون بذمته يتبع به إذا عتق) أى يطالب به بعد عتقه.

     ويرتفع حجر الإفلاس بفك الـحاكم له وحجر الـجنون بزواله وحجر الصغر بالبلوغ والرشد وحجر المرض المخوف بالصحة وحجر السفه عمن بلغ سفيها برشده وحجر الرق برفع السيد له.

     (فصل) فـى أحكام الصلح.

     وهو عقد يـحصل به صلح بيـن متخاصميـن يدعى أحدهـما حقا على الآخر ويصالـحه عن حقه بشىء لإنـهاء المنازعة بينهما وأركانه أربعة عاقدان وهـما مدع ومدع عليه وصيغة ومصالـح عنه ومصالـح عليه كأن تنازعا على بيت كل منهما يدعى أنه له ثـم أقر أحدهـما أنه ليس له فقال للآخر صالـحنـى عن بيتك بكذا فقال صالـحتك عن بيتـى بكذا جاز.

     (و)لا (يصح الصلح) إلا (مع الإقرار) أى اعتـراف المدعى عليه بأن الـحق للمدعى (فـى الأموال و)كذا (ما يفضى) أى يؤدى (إليها) كأن قطع يد شخص ظلما فصالـحه الآخر من القصاص بلفظ الصلح بأن قال له صالـحتك من القصاص بكذا من المال فإنه يصح.

     (وهو) أى الصلح (نوعان إبراء) عن دين (ومعاوضة) عن دين أو عيـن (فالإبراء) أى صلحه (اقتصاره من حقه) أى دينه (على بعضه) فإن أبرأه من نصف الدين الذى عليه بلفظ الصلح كأن قال له صالـحتك من الألف التـى لـى عليك على خـمسمائة منها فقال الآخر قبلت صح الصلح. (ولا يـجوز فعله) وفـى نسخة (تعليقه على شرط) أى لا يصح تعليق الصلح بنوعيه على شرط كقوله إن ربـحت تـجارتـى فقد صالـحتك من دينـى الذى لـى عليك على نصفه.

     (و)أما (المعاوضة) أى صلحها (فهو عدوله عن حقه) إن كان دينا أو عينا (إلـى غيـره) كأن ادعى عليه بيتا فأقر له بذلك وصالـحه منه على معين كأن قال له صالـحتك من بيتك هذا على أرضى الفلانية فيقول قبلت ذلك (ويـجرى عليه) أى على هذا الصلح (حكم البيع) كخيار الشرط وخيار المجلس وعدم التصرف قبل القبض.

     (ويـجوز للإنسان) المسلم (أن يشرع) أى يـخرج من بيته (روشنا) كسقيفة (فـى) هواء (طريق نافذ) بشرط أن (لا يتضرر المار به ولا يـجوز) إشراع الروشن (فـى الدرب) أى الطريق غير النافذ (المشترك إلا بإذن الشركاء) فيه. والشركاء فى الدرب هم الذين باب دورهم إلى الدرب ويستحق كل منهم الانتفاع من باب داره إلى رأس الدرب.

     (و)يـجوز للشريك فـى الدرب إذا سد باب داره أن يفتح بابـا جديدا أى (يـجوز) له (تقديـم الباب) إلـى رأس الدرب (فـى الدرب المشتـرك) ولو بدون إذن الشركاء لأنه ترك بعض حقه فجاز بلا إذن فإن لـم يسد الباب القديـم فللشركاء منعه (ولا يـجوز تأخيـره) أى الباب إلـى جهة ءاخر الدرب وإن سد الباب القديـم (إلا بإذن الشركاء) الذين باب دورهم أبعد عن رأس الدرب من الباب القديـم فإذا لـم يأذنوا له فصالـحهم على مال مقابل أن يأذنوا له صح.

     (فصل) فـى الـحوالة وهى نقل الـحق من ذمة المحيل إلـى ذمة المحال عليه. وأركان الـحوالة خـمسة مـحيل وهو من عليه الدين للمحيل ومـحتال وهو مستحق الدين على المحيل ودين لكل من المحيل على المحال عليه ومن المحتال على المحيل وصيغة كأن يكون لزيد على بكر ألف دولار ولبكر على عمرو ألف دولار فيقول بكر لزيد أحلتك بـهذه الألف التـى لك على على عمرو فيقول زيد قبلت. ولا تصح الـحوالة على من لا دين عليه.

     (وشرائط الـحوالة أربعة رضا المحيل) لا رضا المحال عليه فإنه لا يشتـرط وهذا هو القول المعتمد، وصيغة وهى إيـجاب المحيل (وقبول المحتال) بالإحالة على المحال عليه كقول أحلتك بالدين الذى لك على على فلان (وكون الـحق مستقرا فـى الذمة) أى أن يكون الدين لازما أو ءايلا إلـى اللزوم (واتفاق ما فـى ذمة المحيل والمحال عليه فـى الـجنس والنوع والـحلول والـتأجيل) أى أن يكون جنس الدين الذى على المحيل والمحال عليه وكذا نوعه واحدا وأن يكون كل واحد منهما حالا أو مؤجلا كأن يكون دين كل منهما عشر صيعان قمح مصرى مؤجلا ولا بد أن يكون وقت حلول أجلهما واحدا. 

     (و)فائدة الـحوالة أنـها (تبـرأ بـها ذمة المحيل) أى يبـرأ المحيل من دين المحتال وهو صاحب الدين.

     (فصل) فـى الضمان وهو التزام دفع ما فـى ذمة الغير من المال. وأركان الضمان خـمسة ضامن وهو الذى التزم دفع ما فـى ذمة غيره من المال ومضمون له وهو الدائن ومضمون عنه وهو المدين أى من عليه الدين ومضمون وهو الدين المستحق وصيغة بلفظ يشعر بالالتزام كضمنت دينك الذى على فلان. وشرط الضامن أن يصح التصرف منه فلا يصح ضمان الصبـى والمجنون والمكره والمحجور عليه.

     (ويصح ضمان الديون المستقرة فـى الذمة) أى اللازمة أو الآيلة إلـى اللزوم (إذا علم قدرها) وجنسها وصفتها. أما الديون المجهولة قدرا أو جنسا أو صفة فلا يصح ضمانـها.

     (ولصاحب الـحق) أى الدين (مطالبة من شاء من الضامن والمضمون عنه) أى من عليه الدين (إذا كان الضمان على ما بينا) أى إذا اكتملت أركانه وشروطه. (وإذا غرم الضامن رجع على المضمون عنه) ليأخذ منه ما دفع (إذا كان) كل من (الضمان والقضاء) أى قضاء الدين عنه (بإذنه) أى بإذن المضمون عنه وكذا إذا أذن فـى الضمان ولـم يأذن فـى القضاء بـخلاف ما إذا ضمنه بغير إذنه فلا يرجع.

     (ولا يصح ضمان المجهول) كأن يقول بع فلانا سيارتك وعلى ضمان الثمن لـجهله بـمقدار الثمن وعدم لزومه. (و)لا يصح ضمان (ما لـم يـجب إلا درك) أى تبعة (المبيع) فيصح ضمانه بأن يضمن للمشتـرى الثمن إن طلع المبيع لواحد ثالث أو يضمن للبائع المبيع إن طلع الثمن لواحد ثالث كأن يقول للمشتـرى بعد العقد ضمنت لك عهدة الثمن أو درك الثمن أو يقول للبائع ضمنت لك عهدة المبيع أو درك المبيع.

     (فصل) فـى ضمان البدن ويسمى كفالة البدن.

     (والكفالة بالبدن) أى التكفل بإحضار شخص إلـى مـجلس الـحكم عند الاستدعاء (جائزة) أى صحيحة بشرط معرفة الكفيل للمكفول والمكفول له والكفيل هو الذى يكفل إحضار المكفول إلـى مـجلس الـحكم عند استدعائه بأن يقول كفلت إحضار فلان إلـى مـجلس الـحكم أما المكفول له فهو صاحب الـحق ويشتـرط تعييـن المكفول ورضاه أى رضا المكفول بالكفالة وهذا (إذا كان على المكفول به) أى ببدنه (حق لآدمى) كقصاص أو حد قذف. أما حق اللـه فلا تصح الكفالة بالبدن فيه فلا يصح التكفل بإحضار من عليه نـحو حد سرقة وحد خـمر وحد زنـى.

     ويبـرأ الكفيل من الكفالة بتسليم المكفول فـى المكان المتفق عليه من غير حائل يـمنع وصول صاحب الـحق إليه.

     (فصل) فـى الشركة وهى عقد يتضمن ثبوت الـحق فـى شىء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع أى من غير تعييـن حصة كل منهما فيه. وأركان الشركة عاقدان ومالان وصيغة.

     (وللشركة خـمس شرائط) وهى (أن تكون) الشركة (على ناض) أى مسكوك (من) النقد أى (الدراهم والدنانيـر) وتصح فـى غيرها كالتبر وهو الذهب غير المضروب والـحلى والسبائك والقمح والشعيـر لأنـها مثلية أما فـى نـحو القماش والغنم والبقر فلا تصح الشركة فيها لأنـها أعيان متميزة عن الأخرى وليست متماثلة وإن اتـحد جنسها (وأن يتفقا) أى المالان (فـى الـجنس والنوع) والصفة وإن اختلفا قدرا فلا تصح الشركة بـخلط الدنانيـر والدراهم ولا بـخلط حنطة بيضاء وحنطة حـمراء (وأن يـخلطا الماليـن) قبل العقد حسا بـحيث لا يتميزان عند العاقدين. أما لو اشتـريا شيئا معا على الشيوع كأن اشتـريا خروفا صارا شريكيـن فيه (وأن يأذن كل واحد منهما لصاحبه) بعد خلط الماليـن (فـى التصرف) كأن يقول كل واحد منهما للآخر أذنت لك بالتصرف فـى حصتـى فيتصرف كل منهما بـما هو أصلح لشريكه فلا يبيع كل منهما بالدين ولا بغير نقد البلد ولا بأقل من ثـمن المثل إلا بإذن شريكه ولا يسافر بالمال المشتـرك إلا بإذن (و)يشترط فـى الشركة (أن يكون الربح والـخسران على قدر) قيمة كل من (الماليـن) لا على قدر المكيال أو الوزن.

     والشركة عقد جائز من الطرفيـن وليس لازما (ولكل واحد منهما فسخها متـى شاء. ومتـى مات أحدهـما) أو جن أو أغمى عليه (بطلت) الشركة كغيرها من العقود الـجائزة.

     (فصل) فـى الوكالة وهى شرعا تفويض شخص إلـى غيره تصرفا على وجه خاص ليفعله حال حياته. وأركانـها أربعة موكل ووكيل أى موكل وموكل فيه وصيغة. ويكفى اللفظ من أحدهـما والرضا من الآخر كقول الموكل وكلتك فى كذا. ويشترط فـى الموكل والوكيل أن يكونـا بالغين عاقليـن فلا تصح الوكالة من صبـى ومـجنون. (وكل ما جاز للإنسان التصرف فيه) بنفسه (جاز له أن يوكل) فيه غيـره (أو يتوكل فيه) عن غيـره فلا يصح التوكيل فـى بيع أرض موات ولا توكيل المحرم غيـره فـى عقد نكاح.

     (والوكالة عقد جائز) من الطرفيـن (ولكل منهما فسخها متـى شاء وتنفسخ بـموت) أو جنون أو إغماء (أحدهـما).

     (والوكيل أميـن فيما يقبضه) بالوكالة (وفيما يصرفه) بـها أى يقبل قوله بيمينه فيصدق بدعوى التلف. (ولا يضمن) الوكيل (إلا بالتفريط) فيما وكل فيه أى إلا بتقصير منه كأن سلم المبيع قبل قبض ثـمنه أو سلم الثمن قبل قبض المبيع أو وضع المال فـى مكان ثـم نسيه.

     (ولا يـجوز) للوكيل وكالة مطلقة وهى التـى لـم تقيد بثمن أو حلول أو أجل أو نقد (أن يبيع ويشتـرى إلا بثلاثة شرائط) والمعروف أن يقال بثلاث شرائط وهى أن لا يبيع (بثمن) أقل من ثـمن (المثل) ولا يبيع بثمن وثـم راغب بأزيد (وأن يكون) ثـمن المثل (نقدا) أى ذهبا أو فضة ولا بد أن يكون (بنقد البلد) الذى يتعامل به أهلها والراجح أن له أن يبيع بغير النقد الذى يتعامل به أهل البلد كالعملة الورقـية. (ولا يـجوز أن يبيع من نفسه) أى لا يـجوز له أن يبيع لنفسه ولو بسعر المثل (ولا يقر) الوكيل (على موكله إلا بإذنه) والراجح أنه لا يصح أن يقر الوكيل عن موكله مطلقا وإن أذن له فيه فلو وكل شخصا فـى خصومة لا يقر عليه ولا يبـرأ من دين له ولا يصالح عنه لأن الإذن فـى الـخصومة لا يقتضى شيئا من ذلك.

     وتـجوز الوكالة فـى عقد الرهن والـحوالة والضمان والشركة والعارية والوكالة أى يصح أن يوكل إنسانا أن يوكل غيـره. وتصح الوكالة فـى القراض والإجارة والـهبة والوقف والصلح.

     (فصل) فـى أحكام الإقرار وهو شرعا إخبار الشخص بثبوت حق عليه كأن يقول فلان له على عشرة دراهم. وأركانه أربعة مقر ومقر له ومقر به أى ما يقر به وصيغة.

     (والمقر به ضربان حق اللـه تعالـى) كحد السرقة والزنـى وشرب الـخمر (وحق الآدمى) وهو قسمان مال كعيـن مغصوبة وعقوبة كحد القذف لشخص (فحق اللـه تعالـى يصح الرجوع فيه عن الإقرار به) فيجوز لمن أقر بالزنـى أن يرجع عن هذا الإقرار ويدل على ذلك ما رواه البخارى من أن رجلا يسمى ماعزا جاء إلـى النبـى وقال يا رسول اللـه أقم على الـحد فقد زنيت فقال له الرسول لعلك قبلت لعلك لمست (وحق الآدمى لا يصح الرجوع فيه عن الإقرار به) أى لا يقبل الرجوع فيما أقر به من حق الآدمى.

     (وتفتقر صحة الإقرار إلـى ثلاثة شروط) وهى (البلوغ) فلا يصح إقرار الصبـى ولو بإذن وليه (والعقل) فلا يصح إقرار المجنون والمغمى عليه (والاختيار) فلا يصح إقرار من أكره عليه بغير حق. (وإن كان) الإقرار (بـمال اعتبـر فيه شرط رابع وهو الرشد) أى أن لا يكون المقر مـحجورا عليه ويـجمع الأربعة قولك أن يكون المقر مطلق التصرف.

     (وإذا أقر) الشخص (بـمجهول) كقوله فلان له على مال كثيـر (رجع إليه فـى بيانه) أى يثبت هذا الإقرار ويطالب بتفسيـره وأى شىء يعد مالا أو لا يعد مالا لكن يـحل اقتناؤه ككلب صيد يفسره به يقبل منه.

     (ويصح الاستثناء فـى الإقرار) كأن يقول زيد له على عشرة إلا ثلاثة (إذا وصله به) أى إذا وصل المستثنـى بالمستثنـى منه بأن لا يفصل بينهما بفاصل طويل وأن يكون المستثنـى أقل من المستثنـى منه (وهو) أى الإقرار (فـى حال الصحة والمرض) ولو مـخوفا (سواء) أى يقبل الإقرار فـى الـحاليـن.

 

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=bsyD42EYcv0

 

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab5

 

 

الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com