الجمعة فبراير 13, 2026

#45 المعاصي المتعلقة بالبطن

الحمد لله العلي العظيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم أما بعد هذا الدرس متعلق بمعاصى البطن. وهو أحد الجوارح السبعة التى سنتكلم إن شاء الله تعالى عن المعاصى المتعلقة بها، يعنى العين والأذن واليد والرجل واللسان والفرج والبطن. فمن معاصى البطن أن يأكل الإنسان أى شىء حرم الله تعالى أكله. والأكل هنا لا يراد به مجرد الإدخال من الفم إلى البطن إنما يشمل الانتفاع بما حرمه الله تعالى. مثال ذلك: أكل مال الربا أي الانتفاع بمال الربا والسرقة والغصب (أى المال الذى يؤخذ من المسلم بالقوة بغير وجه حق) والمكس وما شابه ذلك. وقد جاء فى الحديث أن أول ما ينتن من الإنسان بطنه فى القبر. فإذا كان هذا مثال البطن، فلا ينبغى للإنسان أن يترك بطنه يسوقه إلى ما حرم الله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: “كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به”، رواه البيهقى، والسحت يعني الحرام. فأخذ المال بالحرام وصرفه فيما حرم الله من كبائر الذنوب. نسأل الله أن يحفظنا من ذلك.

ومن معاصي البطن شرب الخمر والذى يشرب الخمر ما قل منها أو ما كثر سكر أو لم يسكر فحده أن يجلد أربعين جلدة إن كان حرا، يعني يجلده الخليفة أو من يقوم مقامه أربعين جلدة. وأما العبد فحده على النصف من حد الحر. الله خفف عنه. وللخليفة أن يزيد على الأربعين من باب التعزير، فله أن يزيد إلى الثمانين إذا رأى مصلحة فى ذلك. ومثل هذا حصل فى زمن سيدنا عمر رضي الله عنه. زاد شرب الخمر بالنسبة إلى العصور السابقة زيادة كثيرة لكثرة الفتوحات ولكثرة ما دخل فى الإسلام من الناس، فزاد عمر عند ذلك الجلد فى شرب الخمر إلى الثمانين لزجر الناس عن ذلك.

والخمر لها تعريف ذكره سيدنا عمر رضى الله عنه فيما رواه عنه البخارى فى الصحيح قال: الخمر ما خامر العقل إهـ.، يعنى الشراب الذى يغير العقل ويعطى نشوة وطربا. فكل شراب يعطى ذلك كثيره أو قليله فهو خمر محرمة. لو كان القدر الذى يسكر منه ستة عشر رطلا فالقليل ملء الكف منه حرام، ولو كان المقدار القليل لا يسكر عادة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام”، رواه أبو داود. والفرق وعاء كبير يسع ستة عشر رطلا.

وليعلم أن أكل النجاسات من معاصى البطن، كالدم أى الدم السائل المسفوح وهو الدم الذي يخرج بقوة من البهيمة عند الذبح، ولحم الخنزير والميتة. وكذلك كل ما هو مستقذر. فما استقذره العرب فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم واستخبثوه فلا يحل أكله وذلك كالمخاط مثلا. وأما البصاق فيكون مستقذرا إذا تجمع على شىء مثلا بحيث تنفر منه الطباع السليمة أي بعد خروجه من الفم أما ما دام في الفم فليس له حكم المستقذر، وأما البلل الخفيف الذي يعلق بالخيط مثلا أو ملعقة الطعام والسواك ونحو ذلك فليس له حكم المستقذر فليتنبه لذلك. والمستقذر هو الشىء الذي تعافه النفس أي تنفر منه طبيعة الإنسان. و كذا يحرم أكل ما يضر البدن كالسم.

ومن معاصي البطن أكل مال اليتيم بغير حق والمراد باليتيم هنا من مات أبوه وهو دون البلوغ. ومن معاصى البطن أكل مال الوقف على خلاف ما شرط الواقف. والوقف هو شىء يخرجه الإنسان من ملكه ويرصده لوجه معـين فيه نفع جائز مع بقاء عينه أى ينتفع به مع بقاء عينه مثل بناء مسجد. فإذا وقف بقعة أرض لتكون مسجدا، معناه أخرج هذه الأرض من ملكه وجعلها مخصصة للصلاة فينتفع بها فى هذا الأمر من غير أن تذهب هذه الأرض بالانتفاع بها. فلا يصح أن يقف الإنسان طعاما مثلا يعني لا يصح أن يقول وقفت هذا الطعام للفقراء، لأن انتفاعهم به يكون بأكله فلا تبقى عينه، فمثل هذا لا يسمى وقفا. أما لو وقفت أرض لدفن موتى المسلمين، فإن هذه المنفعة تتحصل مع بقاء الأرض فيكون ذلك وقفا صحيحا. فإذا شرط الواقف مثلا أن يكون البناء الذى وقفه مسجدا فلا يجوز بعد ذلك لإنسان أن يلغى الانتفاع به كمسجد ليحوله دارا لسكنى الفقراء مثلا. وإذا وقف إنسان دارا لتكون مدرسة للحنفية لا يجوز لإنسان أن يحولها مدرسة للشافعية. ولو وقف شخص بستانا ليعود ريعه على ذريته لا يجوز لهؤلاء الذرية أن يتفقوا فيبيعوه ويتقاسموا المال فيما بينهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “المسلمون عند شروطهم”. يعنى أن الشروط المعتبرة شرعا لا بد من مراعاتها. والحديث رواه البيهقى.

وليعلم أنه لو أحرج إنسان إنسانا ءاخرا فى موقف معـين حتى أعطاه مالا بغير طيب نفس منه، إنما حياء، وهو يعرف أنه أعطاه المال حياء فإنه لا يحل للآخذ أن يأكل هذا المال بل ما زال هذا المال فى ملك الأول، لأن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: “لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه” رواه الدارقطنى والبيهقى. وفي الختام نسأل الله تعالى شفاعة النبي (العدنانتحذف) عليه الصلاة والسلام والله تبارك وتعالى أعلم وأحكم.