بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
قصص من الماضى
للصف الابتدائى الرابع
زكريا ويحيى عليهما السلام
قبيل ميلاد عيسى عليه السلام بعث الله زكريا عليه السلام رسولا إلى بنى إسرائيل فقام يدعوهم إلى عبادة الله ويخوفهم من عذابه فى وقت اشتد فيه الفسق والفجور فلقى منهم التكذيب والمشقة. وكان سيدنا زكريا قد تقدمت به السن وكان متزوجا من امرأة كبيرة فى السن لا تلد فطلب من الله أن يرزقه غلاما تقيا يرثه فى النبوة فبشره الله بولد يولد له قال تعالى ﴿يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا﴾ ثم إن اليهود عزموا على قتل سيدنا زكريا فأمسكوا به ثم نشروه بالمنشار فقتل عليه السلام بأيدى اليهود المجرمين. قام سيدنا يحيى بن زكريا عليهما السلام بعد والده بالدعوة إلى الله ونشر دين الإسلام بعد أن ءاتاه الله النبوة وأمره بالعمل بالتوراة والتمسك بها وأمره بالصيام والصلاة. ثم إن ملك بنى إسرائيل أراد أن يتزوج من امرأة لا تحل له فنهاه سيدنا يحيى فبعث الملك من قتل يحيى وأتى برأسه على طبق. وبعد قتل سيدنا يحيى سلط الله عليهم أحد ملوك بابل وهو بخت نصر فقتل منهم عددا كبيرا وخرب بيت المقدس.
مريم عليها السلام
كانت أم مريم لا تلد فرأت ذات يوم طيرا يزق فرخه أى يطعمه فطلبت من الله تعالى أن يرزقها ولدا ونذرت أن تجعله خادما فى بيت المقدس لأنها كانت تظن أنه ذكر فإذا هى أنثى فأسمتها مريم وتكفلها نبى الله زكريا زوج خالة عيسى وكان يعلمها الدين الإسلامى فنشأت صالحة طاهرة وصارت ولية. وذات يوم ذهبت مريم إلى مكان لتقضى أمرا فأرسل الله إليها جبريل متشكلا بشكل شاب أبيض الوجه فقالت له ﴿إنى أعوذ بالرحمٰن منك إن كنت تقيا﴾ أى إذا كنت تقيا فلا تتعرض لى بالأذى فقال لها ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ أى أن الله أرسله إليها ليهبها ولدا صالحا طاهرا من الذنوب فقالت مريم أنى يكون لى غلام ولم يقربنى زوج ولم أكن فاجرة زانية فقال جبريل هكذا قال ربك، إن خلق ولد من غير أب هين عليه وليجعله علامة للناس ودلالة على قدرته سبحانه وتعالى وليجعله رحمة ونعمة لمن تبعه وصدقه وءامن به وكان خلقه أمرا شاءه الله وقدره فلا يرد ولا يبدل.
ولادة عيسى عليه السلام
ونفخ جبريل فى جيب درع مريم فدخل الروح من فمها فحملت بعيسى عليه السلام ثم تنحت بحملها بعيدا خوف أن يعيرها الناس بولادتها من غير زوج. ثم ألجأها وجع الولادة إلى ساق نخلة يابسة وتمنت الموت استحياء من الناس فناداها جبريل يطمئنها ويخبرها أن الله جعل تحتها نهرا صغيرا وطلب منها أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجنى وأن تأكل وتشرب مما رزقها الله وأن تقر عينها وأن تقول لمن رءاها وسألها عن حملها إنى نذرت للرحمٰن أن لا أكلم أحدا من البشر. وبعد أن ولدت مريم عليها السلام ابنها عيسى عليه السلام حملته إلى قومها وحين كلموها فى شأنه أشارت إليه أى كلموه هو فأنطق الله عيسى عليه السلام وكان عمره أربعين يوما فقال ﴿إنى عبد الله ءاتانى الكتاب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا أين ما كنت وأوصانى بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. أنطقه الله بهذه الكلمات المعدودة والحكمة فى ذلك أن يخفف الأذى الذى كان لحق مريم وزكريا وأهله لأن مريم كانت تحت رعايتة. فلما حملت اتهموها وأساءوا الظن بزكريا أيضا. وهناك حكم أخرى من جملتها أن هذا يكون تأسيسا لمستقبل أمر عيسى لأن الله يعلم أن عيسى فى المستقبل أى بعد أن يقضى سن الطفولة يوحى إليه فيدعو الناس إلى الإيـمان بالله الواحد الأحد الذى لا شريك له وإلى الإيـمان بأنه عبد الله ورسوله.
دعوة عيسى عليه السلام
الله تعالى جعل إنطاق عيسى فى المهد مقدمة لما يستقبله المسيح عليه السلام من أن يكون داعيا إلى الله تعالى كما كان الأنبياء الأولون الذين سبقوه فكان كلامه نطقا كالكلام العادى لكنه بعد تلك الكلمات عاد لحالته التى كان عليها فلم يتكلم حتى صار فى السن الذى يتكلم فيه الأطفال. فالله تعالى قادر على كل شىء ولا يعجزه شىء. وكان أتباع عيسى عليه السلام على الإسلام يؤمنون بالله وحده ويؤمنون بعيسى أنه عبد الله ورسوله ويصلون ويصومون لله تعالى يصلون بسجود وركوع ويتوضئون، أولئك أمته عاشوا بعد أن رفع عيسى إلى السماء على هديه وتعاليمه وطريقته مائتى سنة ثم بعد ذلك دخلهم الانحراف صار عدد المؤمنين منهم ينقص شيئا فشيئا ويكثر الآخرون الذين يعبدون عيسى. ثم جاء رجل اسمه قسطنطين كان وثنيا فى الأصل دخل فى هذا الدين المحرف فزادهم ضلالا ووسعه لهم حتى صاروا يظهرون فى أكثر بلادهم وأماكنهم عبادة غير الله. وأما أتباع عيسى الصادقون الذين بقوا على الإسلام فصاروا فى ضعف شديد ولجئوا إلى الجبال. كان الواحد منهم يبنى فى الجبال كوخا أو يسكن مغارة ويأكل أوراق الشجر ونباتات الأرض هربا من أهل المدن الذين كفروا وبغوا وظلموا. ثم هؤلاء أيضا فقدوا ولم يبق منهم أحد بعد ذلك لا فى الجبال ولا فى المدن وهذا قبل بعثة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
نزول الوحى على عيسى عليه السلام
ذهبت مريم مع ابنها عيسى إلى مصر فعاش هناك اثنتى عشرة سنة تعلم الخط ودخل مدرسة ابتدائية ثم عادا إلى أرض فلسطين. بعد ذلك نزل عليه الوحى فصار يقول للناس أيها الناس اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا وءامنوا بأنى رسول الله إليكم فآمن به اثنا عشر شخصا يسمون الحواريين، ثم وزعهم على النواحى وأمرهم بالدعوة إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به. عاش سيدنا المسيح فى الأرض نحو ثلاثين عاما وكان يقضى أيامه فى التجوال لدعوة الناس إلى الإسلام. وكان عليه السلام يلبس الشعر من غير أن ينسج ويأكل من الشجر أى من بقول الأرض وكان يبيت حيث يدركه المساء إما فى المسجد بيت الله أو يبيت فى البرية. وقد دعا الله ذات يوم أن يحيى ملكا من الملوك كان ميتا محمولا على النعش فأحياه الله ومسح بيده الشريفة على وجه إنسان ولد أعمى فصار بصيرا وشفى إنسانا أصابه البرص. واليهود رأوا كل هذا وتحققوا وتأكدوا أنه نبى ولكنهم عاندوا وتكبروا ومنهم من كان مؤمنا من قبل ولكنهم كفروا بتكذيبهم لعيسى عليه السلام.
قصة رفع المسيح إلى السماء
تآمر اليهود على سيدنا عيسى عليه السلام وأرادوا قتله لكن قبل أن يصلوا إليه أوحى الله تعالى إليه بأنه سيرفعه إلى السماء فيخلصه بذلك من أذى الذين كفروا، وقبل أن يدخل اليهود عليه كان معه اثنا عشر شخصا من تلاميذه المسلمين فقد أخرج ابن أبى حاتم والنسائى عن ابن عباس قال كان عيسى مع اثنى عشر من أصحابه فى بيت فقال «إن منكم من يكفر بى بعد أن ءامن» ثم قال «أيكم يلقى عليه شبهى ويقتل مكانى فيكون رفيقى فى الجنة» فقام شاب أحدثهم سنا فقال أنا قال «اجلس» ثم عاد فعاد فقال «اجلس» ثم عاد فعاد الثالثة فقال «أنت هو». فألقى عليه شبهه فأخذ الشاب فصلب بعد أن رفع عيسى من روزنة فى البيت وجاء الطلب من اليهود وأخذوا الشاب فقتلوه وصلبوه. قتلوا هذا الشاب المسلم المؤمن وأذاعوا أنهم قتلوا المسيح وصلبوه فصدقهم بعض الناس. قال الله تعالى ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾. وفى الحقيقة سيدنا عيسى لم يقتل ولم يصلب ولا يزال حيا فى السماء، وقبل يوم القيامة ينزل إلى الأرض ويعيش أربعين سنة ويعم الإسلام الأرض بعد نزوله ويحكم عليه السلام بشريعة القرءان شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقد فسر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى ﴿وإنه لعلم للساعة﴾ بأنه نزول عيسى بن مريم قبل يوم القيامة.
وجوب اتباع عيسى عليه السلام فى زمانه
بعد ثلاثمائة سنة من رفع عيسى إلى السماء كثر الذين حرفوا دين المسيح وقل الآخرون الذين كانوا على الإسلام قلة ظاهرة ثم بعد خمسمائة سنة وشىء لم يبق أحد من أولئك المسلمين المؤمنين. وقوم موسى ما ثبتوا على الإسلام كما ثبتت أمة محمد، أمة محمد ثبتت على الإسلام أكثر من ألف وأربعمائة سنة إلى الآن، قسم كبير من قوم موسى كفروا بعد مئات من السنين وحرفوا دينه ولما جاء المسيح كذبوه وأنكروا نبوته. العباد عليهم أن يصدقوا بالنبى الذى يأتى بعد النبى السابق، لا يجوز لهم أن يقولوا له نحن كنا تابعين للنبى السابق فنحن لا نعترف بك، فكان يجب عليهم لما ظهر المسيح وأظهر المعجزات أن يتبعوه. والأنبياء عليهم السلام لا يكذب بعضهم بعضا، كل واحد منهم كان يأمر بتصديق سائر الأنبياء وعلى الناس أن يتبعوا شريعة النبى الذى فى زمنهم. أما الدين الذى أنزله الله فواحد والعقيدة واحدة وهى الإيـمان بالله وبالرسول الذى أرسله الله والملائكة واليوم الآخر والكتب السماوية التى أنزلها الله على بعض أنبيائه والقدر خيره وشره أى أن كل ما يحصل فى هذا العالم من خير وشر فهو بتقدير الله فالخير من أعمال العباد بمحبته ورضاه والشر من أعمال العباد لا بمحبته ولا برضاه وأن الله هو خالق كل شىء وأنه لا يشبه المخلوقات. فكل هذه الأمور يجب على كل مكلف التصديق بها. والمكلف هو البالغ العاقل الذى بلغته دعوة الإسلام.
من وصايا سيدنا المسيح
كان من جملة وصايا المسيح لأتباعه أنه قال لهم إنه يأتى بعدى نبى اسمه أحمد فآمنوا به واتبعوه إذا ظهر وكان ممن سمع وصية المسيح واحد من الجن المؤمنين وهو أخبر بذلك جماعة من البشر من اليمن كانوا خرجوا من بلادهم ونزلوا بأرض قبل أن يظهر اسم رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام فى الدنيا ظهورا تاما. ثم أدركهم المبيت بالبرية وفى ءاخر الليل سمع أحدهم وهو الجعد بن قيس صوت هاتف أى صوت الجنى من غير أن يرى شخصه يقول
ألا أيها الركب المعرس [أى النازل بالليل] بلغوا إذا ما وقفتم بالحطيم [مكان فى مكة] وزمزما
محمدا المبعوث منا تحية تشيعه من حيث سار ويمما
وقولوا له إنا لدينك شيعة [أى أنصار] بذلك أوصانا المسيح ابن مريما
وهذا الجنى كان مؤمنا أدرك المسيح قبل أن يصعد إلى السماء وسمع كلامه فآمن وأسلم. ثم عرف سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم وشاهده وءامن به قبل أن يعرفه هؤلاء الناس الذين كانوا متوجهين من اليمن إلى مكة لأمور دنيوية. وأما هذا الذى سمع الهاتف لما دخل إلى مكة سأل عن النبى حتى دل عليه فاجتمع به وءامن به وأسلم.
قصة أصحاب الفيل
ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العام الذى غزا فيه أبرهة الحبشى الكعبة فأهلكه الله وجيشه قبل أن يدخل مكة. وكان أبرهة قد بنى فى اليمن كنيسة سماها القليس فلما وجد أن قلوب العرب ما زالت متعلقة بالكعبة سار بجنوده إليها ليهدمها وكان معه فيل كبير فلما دنا من مكة أمر أصحابه بالغارة على المواشى فأصابوا إبلا لعبد المطلب وبعث أحد جنوده إلى مكة فلقى عبد المطلب بن هاشم فقال إن الملك أرسلنى إليك لأخبرك بأنه لم يأت لقتال إلا أن تقاتلوه وإنما جاء لهدم هذا البيت ثم ينصرف عنكم فقال عبد المطلب «ما له عندنا قتال وما لنا به يد إنا سنخلى بينه وبين ما جاء له». رجع مبعوث أبرهة ومعه عبد المطلب إلى أبرهة فلما دخل عبد المطلب على أبرهة عظمه وكرمه ثم قال لترجمانه قل له ما حاجتك إلى الملك فسأله الترجمان فقال «حاجتى أن يرد على مائتى بعير أصابها». فقال أبرهة لترجمانه قل له لقد كنت أعجبتنى حين رأيتك ولقد زهدت الآن فيك جئت إلى بيت هو دينك لأهدمه فلم تكلمنى فيه وتكلمنى في إبل أصبتها. فقال عبد المطلب «أنا صاحب هذه الإبل ولهذا البيت رب سيمنعه» فأمر بإبله فردت عليه فخرج فأخبر قريشا وأمرهم أن يتفرقوا فى الشعاب ورءوس الجبال خوفا من أذى الجيش إذا دخل ففعلوا. أصبح أبرهة بعد أن كلمه عبد المطلب متهيئا لدخول مكة فبرك الفيل فحركوه للنهوض فأبى فضربوه فأبى فوجهوه إلى اليمن راجعا فقام يهرول ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك وإلى المشرق ففعل مثل ذلك فوجهوه إلى الحرم فأبى وأرسل الله طيرا من البحر جماعات جماعات. وكان مع كل طير ثلاثة أحجار حجران فى رجليه وحجر فى منقاره وكان كل حجر فوق حبة العدس ودون حبة الحمص مكتوب على كل حجر اسم رجل من جيش أبرهة ينزل على رأسه ويخرج من دبره فهلكوا ولم يدخلوا الحرم. ومرض أبرهة فتقطع أنملة أنملة وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. وقيل كان العسكر ستين ألفا لم يرجع منهم إلا أميرهم فى مجموعة قليلة.
ذكر رضاعته صلى الله عليه وسلم
ولدت ءامنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عام الفيل وأرضعته أول الأمر. وكان من عادة العرب أن يجلبوا المرضعات لأولادهم وكان بنو سعد فى ضيق من العيش فقدموا إلى قبيلة قريش ليأخذوا الأولاد للإرضاع بالأجرة فعرض النبى صلى الله عليه وسلم على المرضعات فلم ترض واحدة منهن بأخذه لأنه كان يتيما وكانت كل مرضعة تأمل أن تحظى بولد من أولاد الأغنياء فأخذت كل مرضعة ولدا ولم يبق سوى النبى صلى الله عليه وسلم فأخذته حليمة. وقد ذكرت حليمة أمر رضاعه منها عليه الصلاة والسلام فقالت خرجت فى نسوة من بنى سعد ابن بكر نلتمس الرضعاء بمكة على أتان لى [أى أنثى الحمار] فى سنة قحط لم تبق لنا شيئا ومعى زوجي ومعنا ناقة والله لا نحلب منها قطرة لبن واحدة ومعى صبى لى لا ننام ليلتنا من بكائه وما فى ثديى ما يشبعه. فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه لأننا كنا نرجو كرامة الرضاعة من الوالد وكان صلى الله عليه وسلم يتيما وكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه به حتى لم يبق من صواحبى امرأة إلا أخذت صبيا غيرى فكرهت أن أرجع ولم ءاخذ شيئا وقد أخذت صواحبى فقلت لزوجى والله لأرجعن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه.
قالت حليمة فأتيته فأخذته ورجعت إلى رحلى فقال زوجى قد أخذته فقلت نعم والله وذلك أنى لم أجد غيره فقال أصبت فلعل الله أن يجعل فيه خيرا. قالت حليمة السعدية فوالله ما هو إلا أن جعلته فى حجرى حتى أقبل على ثديى بما شاء الله من اللبن فشرب حتى روى وشرب أخوه (تعنى ابنها) حتى روى وقام زوجى إلى ناقتنا من الليل فإذا بها حافل [أى ضرعها ملآن باللبن]، فحلبنا من اللبن ما شئنا وشربنا حتى روينا وبتنا ليلتنا تلك شباعا وقد نام صبيانا. فقال لى زوجى والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبت نسمة مباركة وقد نام صبيانا ورويا. قالت ثم خرجنا فسبقت حمارتى الركب كله حتى إنهم ليقولون ويحك تمهلى أليست هذه حمارتك التى خرجت عليها فأقول بلى والله وهى لا تزال قدامنا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر فقدمنا على أجدب أرض [والجدب ضد الخصب] فوالذى نفس حليمة بيده إنهم كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعى غنمى فترجع غنمى سمينة ضروعها مليئة باللبن وترجع أغنامهم جياعا ما بها من اللبن فنشرب ما شئنا من اللبن وما فى الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها.
شق صدره عليه الصلاة والسلام
قالت حليمة السعدية كان صلى الله عليه وسلم يشب فى اليوم شباب الصبى فى الشهر ويشب فى الشهر شباب الصبى فى سنة فبلغ سنة وهو غلام قوى على الأكل، قالت فبينما هو وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان بها لنا إذ جاء أخوه مسرعا فقال لى ولأبيه أدركا أخى القرشى فقد جاءه رجلان فأضجعاه وشقا بطنه فخرجنا فوصلنا إليه وهو قائم منتقع لونه فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا ماذا حصل قال أتانى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى ثم شقا بطنى فوالله ما أدرى ما صنعا. قالت حليمة فخفنا أن يكون قد أصيب فى عقله فأخذناه ورجعنا به إلى أمه فقالت أمه ما الذى ردكما به فقلت إنا تخوفنا الأحداث عليه فقلنا يكون فى أهله، قالت أمه والله ما ذاك بكما فأخبرانى خبركما وخبره فما زالت بنا حتى أخبرناها خبره قالت فتخوفتما عليه، كلا والله إن لابنى هذا شأنا إنى حملت به فكان حمله خفيفا عظيم البركة ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج منى حين وضعته فلما وقع كما تقع الصبيان وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء اتركاه واذهبا.
ذكر ما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
توفيت ءامنة ورسول الله ابن ست سنوات فأخذه جده عبد المطلب وضمه إليه ثم أوصى عمه أبا طالب بحفظه فجعله أبو طالب فى بيته وكان يحبه ويقدمه على أولاده. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة سنة ارتحل به أبو طالب تاجرا نحو الشام فرءاه شخص يقال له بحيرا الراهب فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ثم جعل ينظر بين عينيه ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه.
ثم قال لأبى طالب إن لابن أخيك هذا شأنا عظيما ارجع به إلى بلده واحذر عليه اليهود. فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا ورجع به فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه. ثم بعد زمن عرض عليه عمه أن يعمل بالتجارة مع خديجة بنت خويلد فقبل وخرج مع غلامها ميسرة فى قافلة بضائع إلى أوائل بلاد الشام من ناحية الحجاز. وكان ميسرة إذا اشتد الحر يرى ملكين يظلان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشمس فلما رجع إلى السيدة خديجة حكى لها ما رأى. ثم بعد ذلك تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة رضى الله عنها وهو ابن خمس وعشرين سنة.
ثم لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة كان بنيان الكعبة قد صار ضعيفا، فجددت قريش بناءها فلما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا من يضع الحجر فاتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخل يدخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هذا الأمين قد رضينا حكمه فبسط ثوبه ووضع الحجر فيه وقال «ليأخذ رئيس كل قبيلة بناحية من نواحيه وارفعوه جميعا» ثم أخذ الحجر بيده صلى الله عليه وسلم فوضعه فى مكانه.
ذكر بدء الوحى
قالت عائشة رضى الله عنها أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى الرؤيا الصالحة كان يرى الرؤيا فتحصل كما رءاها تماما. ثم كان يأتى غار حراء ليتعبد فيه بين المدة والمدة. ثم فى يوم جاءه سيدنا جبريل وهو فى الغار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الأربعين من عمره فقال له اقرأ فقال الرسول «ما أنا بقارئ» فقال جبريل اقرأ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما أنا بقارئ» فقال جبريل عليه السلام فى الثالثة اقرأ فقال صلى الله عليه وسلم «ما أنا بقارئ». فقال جبريل عليه السلام ﴿اقرأ باسم ربك الذى خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذى علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾. فرجع الرسول إلى خديجة فقال «زملونى زملونى» فزملوه ثم أخبرها الخبر. ثم بعد ذلك صار الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وينهى عن عبادة الأصنام ولم يكن هو قد عبد صنما فى حياته قط بل نشأ على الإيـمان بالله تعالى منذ صغره مثل كل الأنبياء لكنه لم يكن يعرف التفاصيل كلها قبل نزول الوحى عليه. وكان أول من ءامن به من النساء زوجته خديجة ومن الصبيان على بن أبى طالب ومن الرجال أبو بكر الصديق.
ذكر بعض ما لاقى صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين
علم مشركوا مكة بدعوة النبى صلى الله عليه وسلم فصاروا يؤذونه ويؤذون أصحابه وكان ممن عاداه وءاذاه أبو جهل عمرو بن هشام وعمه أبو لهب واسمه عبد العزى بن عبد المطلب وامرأته أم جميل بنت حرب وكانت تحتطب الشوك فتلقيه فى طريق رسول الله ليلا. وقد روى فى الحديث أنه لما نزل قوله تعالى ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ صعد الرسول صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال «يا صباحاه» فاجتمعت إليه قريش فقالوا ما لك. فقال «أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم أما كنتم تصدقونى» قالوا بلى. فقال «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد» قال أبو لهب «تبا لك ألهذا دعوتنا» فأنزل الله قوله تعالى ﴿تبت يدا أبى لهب﴾ فلما سمعت أم جميل هذه السورة أتت أبا بكر وهو مع رسول الله فى المسجد وبيدها حجر ملء الكف فقالت بلغنى أن صاحبك هجانى ولأفعلن به وأفعلن، وأعمى الله بصرها عن رسوله فقال لها أبو بكر هل ترين معى أحدا فقالت أتهزأ بى لا أرى غيرك وصارت تذم رسول الله. فسكت أبو بكر ومضت هى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لقد حجبتنى عنها ملائكة فما رأتنى وكفانى الله شرها». وفى بعض الأيام كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء الكعبة فأقبل عقبة بن أبى معيط وكان من رءوس الكفار فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه فى عنقه فخنقه به خنقا شديدا فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله.
الهجرة إلى الحبشة
اشتد أذى الكفار على النبى وأصحابه فأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج إلى أرض الحبشة فهاجر قسم منهم. وكان جملة من خرج إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانون رجلا وإحدى عشرة امرأة قرشية وسبع غرائب فكان ممن هاجر عثمان بن عفان وزوجته رقية والزبير بن العوام وعبد الرحمٰن بن عوف وعبد الله بن مسعود وجعفر بن أبى طالب وكانت هجرتهم إلى الحبشة على دفعتين وقد رحب بهم ملك الحبشة وأكرمهم. عند ذلك أرسل مشركو قريش إلى الحبشة رجلين قدما الهدايا إلى أصحمة النجاشى ملك الحبشة وطلبا منه أن يسلمهم المسلمين فلم يرض حتى يكلمهم فأرسل فى طلبهم فحضروا وكلمه جعفر بن أبى طالب عن الإسلام وبين له ما أمرهم به النبى صلى الله عليه وسلم وأخبره أن سيدنا عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله وقرأ عليه شيئا من القرءان فبكى فحماهم ولم يمكن الكفار منهم وأسلم لله تعالى وحسن إسلامه وصار من أولياء الله الصالحين. ثم مات على الإسلام بعد مدة فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب وقال لأصحابه «مات اليوم أخوكم النجاشى وهو رجل صالح». وأما فى مكة المكرمة فقد قاسى المسلمون تضييقا شديدا من الكفار حتى إنهم حصروهم فى بعض الشعاب ومنعوا أن يبيعهم أحد شيئا أو يبتاع منهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابرون طلبا لرضا الله سبحانه وتعالى.
اجتماعه صلى الله عليه وسلم ببعض أهل المدينة
كان الرسول صلى الله عليه وسلم وقت موسم الحج يجتمع إلى القبائل ويدعوهم إلى الإسلام فاجتمع ذات يوم بجماعة من أهل المدينة ودعاهم إلى الإسلام فأسلموا وقالوا له إنا سنرجع إلى المدينة وندعو قومنا إلى الإسلام وواعدوه إلى الموسم من العام القابل فلما رجعوا إلى المدينة صاروا يدعون الناس إلى الإسلام فأسلم قسم من أهل المدينة وهؤلاء كانوا يسمون الأنصار. ثم لما كان العام المقبل أتى الموسم اثنا عشر رجلا من الأنصار وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يشركوا بالله ولا يسرقوا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان ولا يعصوه فى معروف وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مصعب بن عمير ليعلمهم أمور الدين فأسلم الكثير منهم حتى لم يبق دار من دور المدينة إلا دخلها الإسلام. ثم خرج من الأنصار إلى الموسم فى مكة نحو سبعين شخصا فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا. ثم لما جاء الأمر بالهجرة علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بويع وأمر أصحابه أن يلحقوا بالمدينة فتشاوروا فيما بينهم واجتمعوا على قتله صلى الله عليه وسلم. وأتى جبريل إلى رسول الله وأعلمه بذلك وأخبره بأن لا يبيت فى مكانه الذى يبيت فيه. فأمر عليا أن ينام فى فراشه ويتغطى بردائه وأن يؤدى عنه الأمانات إلى أصحابها وخرج صلى الله عليه وسلم والقوم على بابه ومعه حفنة من تراب فجعل ينشرها على رءوسهم وهو يقرأ ﴿يس والقرءان الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم فهم غافلون لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون إنا جعلنا فى أعناقهم أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ فأخذ الله أبصارهم فلم يروه.
الهجرة إلى المدينة المنورة
بعد أن خرج نبى الله من بيته للهجرة ذهب إلى بيت أبى بكر رضى الله عنه وأخبره أنه قد أذن له بالهجرة فطلب من النبى صلى الله عليه وسلم أن يصحبه معه فوافق فبكى أبو بكر من شدة الفرح بذلك ثم ركبا على ناقتين كان قد أعدهما أبو بكر وانطلقا حتى وصلا إلى غار ثور فدخلاه. وأمر الله شجرة فنبتت عند مدخل الغار فسترته وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغار وكان الكفار يتبعونهما فلما اقتربوا منهما أرسلوا رجلا لينظر إلى الغار فلما رأى الحمامتين والشجرة رجع إلى أصحابه وأخبرهم أنه لا يوجد أحد فى الغار. وبعد أن ذهب الكفار بمدة أكمل الرسول وصاحبه طريقهما إلى المدينة فلحقهما سراقة بن مالك بعد أن علم أن كفار قريش قد وضعوا جائزة لمن يأتيهم بهما فلما اقترب منهما دعا النبى عليه فساخت فرسه فى الأرض فطلب سراقة من النبى أن يدعو له ووعد النبى أنه لن يخبر أحدا عنهما فدعا له النبى فرجعت فرسه إلى حالها ورجع هو إلى أصحابه. وفى طريقه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان معه أبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبى بكر وابن أريقط يدلهم على الطريق ومروا بأم معبد الخزاعية وهى لا تعرفهم فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم «يا أم معبد هل عندك من لبن» فقالت لا والله، فرأى شاة فى البيت فسألها عنها فقالت شاة خلفها الجهد وهى لا تحلب فمسح ظهرها وضرعها ثم دعا بإناء فحلب فيه فملأه فسقى أصحابه ثم حلب فى الإناء وتركه عندها وارتحل. وكان المسلمون فى المدينة قد سمعوا بخروج النبى صلى الله عليه وسلم فأخذوا ينتظرون قدومه كل يوم حتى كان اليوم الذى جاء فيه النبى صلى الله عليه وسلم فانتظروا حتى قويت عليهم حرارة الشمس فرجعوا إلى بيوتهم. وبعد رجوعهم قدم النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فرءاهما رجل فنادى بأعلى صوته يخبر الأنصار بمجىء النبي صلى الله عليه وسلم فخرجوا لاستقباله. ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وهو راكب على ناقته فتركها حتى بركت على البقعة التى بنى عليها مسجده الشريف وأقام عند أبى أيوب الأنصارى وهو خالد بن زيد حتى انتهى من بناء مسجده ومساكن أزواجه.
مما حصل بعد الهجرة
هاجر النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة وكانت تسمى يثرب وصحبه أبو بكر الصديق رضى الله عنه فى هجرته واستقرا هناك ولحق به سائر أصحابه بعد ذلك واستقبلهم من ءامن من أهل المدينة بالترحاب ونصروا دعوته فسموا الأنصار وسمى الذين هاجروا المهاجرين. وقويت الدعوة فى المدينة وءاخى النبى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فصاروا إخوانا متحابين متعاونين. وأذن الله بعد الهجرة للمؤمنين بالقتال فقاتل صلى الله عليه وسلم المشركين فى غزوات كثيرة وجاهد بمن معه فى سبيل الله. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأقواهم ولم تكن هجرته هربا ولا جبنا ولكن طاعة لأمر الله لإقامة دولة الإسلام فى المدينة. ومن غزواته المشهورة غزوة بدر وغزوة أحد وغزوة الخندق وفتح مكة وغزوة حنين. وفى السنة الحادية عشرة للهجرة توفى صلى الله عليه وسلم بالمدينة ودفن بها فى بيت عائشة رضى الله عنها وقبره الشريف معروف هناك يزار إلى زماننا هذا. وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة بالإجماع أى إجماع أئمة الاجتهاد الأربعة وغيرهم للمقيم بالمدينة ولمن يسكن بعيدا عنها. قال صلى الله عليه وسلم «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» رواه الدارقطنى وصححه الحافظ السبكى.
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين
لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=-smB2wFRpm4
للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/qasas-4
الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com/