2 الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدعة حسنة
أما بعد نكمل ما كنا قد بدأنا به في بيان جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وأن فيه أجرا وثوابا. ولفهم هذا الموضوع كما ينبغي لا بد للإنسان أن يعلم أن ما أحدث في الإسلام بعد وفاة الرسول من الأمور التي لم ينص عليها القرءان ولا الحديث تسمى بدعة. والبدعة منها قبيح ومنها حسن فالقبيح منها ماخالف الشريعة والحسن منها ما لم يخالف الشريعة. فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف من البدع الحسنة لأنه لا يخالف الشريعة إنما هو عبارة عن إظهار الفرحة بولادة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على وجه جائز في شرع الله من نحو قراءة القرآن ومدح الرسول وقراءة شيء من سيرته العطرة وإطعام الطعام وتوزيع الهدايا وإنفاق المال على المحتاجين حبا برسول الله. وليس في أي من ذلك ما لا يرضاه الله والرسول . ولكن بزغت منذ نحو مائتين وخمسين سنة فرقة ضالة اتخذت من التجسيم والتشبيه دينا ومن الطعن بالنبي والصالحين سبيلا ومن تكفير المسلمين بنسبتهم إلى الشرك مذهبا فأعرضت عن طاعة الله ورسوله واتبعت غير سبيل المؤمنين. ثم صاروا يهاجمون ويطعنون ويسخرون من الذين يحتفلون بالمولد النبوي الشريف ويفترون عليهم لتنفير الناس منهم، وتتجلى خطورة الأمر بكون هذه الحرب على المولد ومن يحتفل به في الحقيقة ليست حربا على أشخاص هؤلاء ، لكنها حرب على ما يحملونه من علم ودين، أي أنها في خاتمة المطاف حرب على دين الله وبالخصوص على أهل السنة والجماعة لأن هؤلاء الذين خاضوا هذه الحرب الخاسرة يأتون الناس باسم اهل السنة والجماعة او باسم انهم سلفية أو سلف وهم في الحقيقة والواقع بعيدون عنهم بعد الجنة من النار. هؤلاء الذين يحرمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يأتون بشبهات حول الاحتفال بالمولد وينشرونها ليوهموا الناس أن هذا الاحتفال مما يبغض الرحمان ويسر الشيطان وهم في ذلك كاذبون وعليهم من الله ما يستحقون. ولذلك كان لا بد أن نبين للعامة والخاصة من المسلمين مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف حتى لا يقعوا في فخوخهم. نقول متوكلين على الله المولد سنة حسنة ولا يقال الرسول لم يأت به فلا نعمله احتجاجا بقوله تعالى وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا : لأنه ليس كل أمر لم يأمرنا به الرسول ولا نهانا عنه فهو حرام، لا سيما أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. فالله تعالى ما قال وما تركه الرسول فانتهوا عنه! والله تعالى ما قال وما لم يفعله الرسول فانتهوا عنه! والله تعالى ما قال وما لم يأمر به الرسول فانتهوا عنه! وقد ثبت عن الخلفاء الراشدين المرضيين المبشرين بالجنة أشياء لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أمر بها ولا نهى عنها مما يوافق الكتاب والسنة فكانوا قدوة لنا فيها، فهذا أبو بكر الصديق يجمع القرءان ويسميه بالمصحف، وهذا عمر بن الخطاب يجمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد ويقول عنها : نعمت البدعة هذه، وهذا عثمان بن عفان يأمر بالأذان الأول لصلاة الجمعة، وهذا الإمام علي ينقط المصحف ويشكل في زمانه على يد يحيى بن يعمر، وهذا عمر بن عبد العزيز يعمل المحاريب والمآذن للمساجد. كل هذه لم تكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل هذه لم يفعلها الرسول ولا أمر بها ولا نهى عنها، فهل سيمنعها المانعون للمولد في أيامنا هذه أو أنهم سيتحكمون فيستبيحون أشياء ويحرمون أشياء؟! وقد فعلوا ذلك فإنهم حرموا المولد وأباحوا نقط المصحف وتشكيله وأباحوا أشياء كثيرة مما لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم كالرزنامات -مواقيت الصلوات- التي لم تظهر إلا قبل نحو ثلاثمائة عام وهم يشتغلون بها وينشرونها بين الناس. كذلك عمل المولد الرسول لم يأمرنا به ولا نهانا عنه فليس حراما علينا عمله لأنه موافق لدينه صلى الله عليه وسلم. الحاصل ليست كل أمور الدين جاءت نصا صريحا في القرءان أو في الحديث، فلو لم يوجد فيهما فلعلماء الأمة المجتهدين أهل المعرفة بالحديث أن يستنبطوا أشياء توافق دينه صلى الله عليه وسلم، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها…“، فيستفاد من هذا الحديث أن الله تبارك وتعالى أذن للمسلمين أن يحدثوا في دينه ما لا يخالف القرءان والحديث فيقال لذلك سنة حسنة. وليعلم أن المولد سنة حسنة وليس داخلا تحت نهي منه صلى الله عليه وسلم بقوله “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد“ : لأنه صلى الله عليه وسلم أفهم بقوله “ما ليس منه” أن المحدث إنما يكون ردا أي مردودا إذا كان على خلاف الشريعة، وأن المحدث الموافق للشريعة ليس مردودا. فالرسول لم يقل من أحدث في أمرنا هذا فهو رد بل قيدها بقوله “ما ليس منه” ليبين لنا أن المحدث إن كان منه (أي موافقا للشرع) فهو مشروع وإن لم يكن منه (أي لم يكن موافقا للشرع) فهو ممنوع. ولما كان عمل المولد أمرا موافقا للشرع ثبت أنه ليس بمردود. فاحتفلوا بمولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام وامدحوه وافرحوا بذلك. نقف هنا ونكمل في حلقة مقبلة إن شاء الله ما بدأنا به في بيان جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف وأن فيه أجرا وثوابا. كل عام وانتم بخير وإلى اللقاء.