#17 4-7 سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام
لقد أقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام الحجة على قومه بعد أن حطم أصنامهم، فاغتاظوا منه وأحضروه أمام ملكهم النمرود وأشراف قومه، فأخذ النمرود ينكر على إبراهيم عليه السلام دعوته إلى دين الإسلام وأن الله تعالى هو رب العالمين لا رب سواه، وأخذ يدعي عنادا وتكبرا أنه هو الإله وقال لإبراهيم: أخبرني الذي تعبده وتدعو إلى عبادته ما هو، فقال له إبراهيم عليه السلام: {ربي الذي يحيي ويميت} فقال النمرود الجبار المستكبر: أنا أحيي وأميت أي أنا أحيي من أشاء بالعفو عنه بعد أن يكون صدر الحكم عليه بالقتل فينعم بالحياة، وأنا أميت من أشاء بأمري وأقضي عليه بحكمي، وقال: ءاخذ رجلين قد استوجبا القتل فأقتل أحدهما فأكون قد أمته وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته. ظن نمرود بمقالته هذه البعيدة عن الحقيقة أنه على صواب وأراد المراوغة والاستكبار والعناد، فأراد إبراهيم عليه السلام أن يفحمه بالحجة القوية ويضيق عليه الخناق ويظهر له جهله وسخف عقله أمام قومه، فأعطاه دليلا قويا على أن الله تعالى هو الخالق المدبر لهذا العالم، وأن ما ادعاه عنادا واستكبارا باطل فقال له: {فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} أي أن هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها الله الذي هو خالقها وخالق كل شيء، فإن كنت كما زعمت باطلا أنك تحيي وتميت فأت بهذه الشمس من المغرب، فإن الذي يحيي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب، وأمام هذه الحجة الساطعة وقف نمرود مبهوتا مبغوتا أمام قومه. وأراد قوم إبراهيم عليه السلام أن ينتقموا من إبراهيم عليه السلام لما كسر أصنامهم وحطمها وأهانها، فلما غلبهم بحجته القوية الساطعة أرادوا مع ملكهم هذا أن ينتقموا منه فيحرقوه في نار عظيمة فيتخلصوا منه قال تعالى مخبرا عن قولهم: {قالوا حرقوه وانصروا ءالهتكم إن كنتم فاعلين} فشرعوا يجمعون الحطب من جميع ما يمكنهم من الأماكن ليلقوه بها، وهذا يدل على عظم الحقد المتأجج في صدورهم ضد إبراهيم عليه السلام. ثم عمدوا إلى حفرة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأضرموا النار فيها فتأججت والتهبت وعلا لها شرر عظيم لم ير مثله، وكانوا لا يستطيعون لقوة لهيبها أن يتقدموا منها، ثم لما كانوا لا يستطيعون أن يمسكوا إبراهيم عليه السلام بأيديهم ويرموه في هذه النار العظيمة لشدة وهجها، صنعوا المنجنيق ليرموه من مكان بعيد، فأخذوا يقيدون إبراهيم عليه السلام وهو عليه الصلاة والسلام متوكل على الله تعالى حق توكله، فلما وضعوه عليه السلام في كفة هذا المنجنيق مقيدا مكتوفا وألقوه منه إلى وسط النار قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل” كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس. فلما ألقي إبراهيم لم تحرقه النار ولم تصبه بأذى ولا ثيابه، لأن النار لا تحرق بذاتها وطبعها وإنما الله يخلق الإحراق فيها، قال الله تعالى: {قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم}. فكانت هذه النار الهائلة العظيمة بردا وسلاما على إبراهيم فلم تحرقه ولم تحرق ثيابه، وقيل: لم تحرق سوى وثاقه الذي وثقوا وربطوا به إبراهيم عليه السلام. ولما خبا سعير هذه النار العظيمة وانقشع دخانها وجدوا إبراهيم سليما معافى لم يصبه أي أذى فتعجبوا لأمره ونجاته، ومع أنهم رأوا هذه المعجزة الباهرة ظلوا على كفرهم وعنادهم ولم يؤمنوا بنبي الله إبراهيم عليه السلام، ولقد أرادوا أن ينتصروا لكفرهم فخذلوا، يقول الله تعالى في القرءان الكريم: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}. وأصر قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الكفر والضلال ولم يؤمن به إلا نفر قليل منهم، ولما لم يجد إبراهيم عليه السلام منهم إقبالا إلى الهدى والايمان أراد أن يهاجر إلى بلد يتمكن فيه من عبادة الله ودعوة الناس فيه إلى الايمان والإسلام العظيم، عله يجد هناك ءاذانا صاغية وقلوبأ واعية تقبل الحق والإيمان وتقر بوحدانية الله الملك الديان مالك السموات والأرض. قال الله تعالى حكاية عن نبيه إبراهيم عليه السلام: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين} وذلك حين أراد هجرة قومه بعد هذا الإصرار والعناد منهم على كفرهم وضلالهم، أي إني ذاهب إلى حيث أمرني ربي عز وجل وهو الشام، أو المعنى إلى حيث أتمكن فيه من عبادة ربي عز وجل. وهاجر سيدنا إبراهيم عليه السلام مع زوجته سارة وابن أخيه لوط إلى أرض الشام، وبعث الله تعالى سيدنا لوطا رسولا إلى أهل سدوم في أطراف الأردن، وكان في هجرة إبراهيم عليه السلام إلى بر الشام بأمر الله خير وبركة، فلقد وهبه الله تبارك وتعالى بهجرته هذه في سبيل الله الأولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب. والحمد لله على نعمه أولا وءاخرا. في الحلقة القادمة سنتكلم بإذن الله عن رحلة إبراهيم عليه السلام إلى مصر ومولد إسماعيل عليه السلام وقصة ماء زمزم.