الجمعة فبراير 13, 2026

#15 سيدنا محمد رسول الله ﷺ

ليعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على قبائل العرب في موقف عرفة قبيلة بعد قبيلة عدة سنين ويقول: ألا رجل يعرض علي قومه فإن قريشا منعوني أن أبلغ رسالة ربي ليحصل له إيواء أي ينضم إلى قبيلة تأويه وتحميه وكل منهم ينزغ إليهم الشيطان حتى يعرضوا عن قوله لهم من القرءان والمواعظ فيولوا عنه وهم يهزؤون به ويرفضون أي يرمون بمقالته ويترفعون عن مجالسته، وأبو لهب وراءه يكذبه وينهاهم عن اتباعه، ولم يزل الشأن على ما ذكر حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه فقيض الله له الأنصار وهم الأوس والخزرج لما قدره الله لهم من السعادة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون فقعد إليهم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرءان فاستبقوا للخير واستجابوا لله ولرسوله وءاووا ونصروا، فلذلك سموا الأنصار وهو لقب إسلامي وكانوا قبل ذلك يعرفون ببني قيلة وبالأوس والخزرج ، وكان يسلم الواحد منهم ويذهب إلى قومه فيعرض عليهم الإسلام فيسلم جميع قومه فرحموا بإجابتهم وبإسلامهم، وكانوا ستا: أسعد بن زرارة وعوف بن الحارث ورافع بن مالك وقطبة بن عامر وعقبة بن عامر وجابر بن عبد الله ومنهم من جعل عبادة بن الصامت مكان جابر، وقيل كانوا ثمانيا بزيادة أبي الهيثم ابن التيهان ومعاذ بن عفراء، فلما عرفوه بصفاته التي كانوا يسمعونها من اليهود أهل الكتاب ودعاهم إلى الهدى أجابوه فآمنوا بالله ثم انصرفوا من عنده ورجعوا إلى بلادهم حتى أتوا قومهم فأعلموهم بما كان ودعوهم إلى الإسلام فسمعوا وأطاعوا حتى فشا الإسلام فيهم فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله عليه السلام.  ثم قدم منهم مكة في العام القابل ممن أسلم أولا خمسة أسعد بن زرارة وعوف ورافع وقطبة وعقبة ومن غيرهم من الأنصار سبعة ذكوان بن عبد قيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة والعباس بن عبادة ومعاذ بن عفراء وأبو الهيثم مالك بن التيهان وعويم بن ساعدة، فكانوا ضعف الستة أي اثني عشر لبيعة الإسلام وبايعوا فأوصاهم صلى الله عليه وسلم أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يزنوا ولا يقتلوا أولادهم ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ولا يعصون في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأصبتم بحد في الدنيا فهو كفارة له في الدنيا وإن سترتم عليه فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. ثم انصرفوا إلى المدينة وكتبوا إلى المصطفى عليه السلام: ابعث إلينا من يقرئنا القرءان ويفقهنا فبعث إليهم مصعب بن عمير فنزل على أسعد بن زرارة فكان يدعى المقرئ والقارئ وهو أول من سمي بذلك، وأسلم على يده أسيد بن حضير وسعد بن معاذ وذلك أن ابن معاذ بلغه اجتماع مصعب مع رجال ممن أسلم بحائط من الحوائط فبعث أسيد بن حضير ليزجرهم حياء من خاله أسعد بن زرارة فلما جاء وأخذ في كلام يزجر به قال له مصعب: أو تجلس فتسمع فإن رضيت أمرا قبلته، ثم ركز حربته وجلس فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ القرءان فقال: ما أحسن هذا، كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الدين؟ قال: تتشهد شهادة الحق أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقام ففعل ثم قال: أرى رجلا إن اتبعكم لم يتخلف أحد وسأرسله الآن وهو سعد بن معاذ ثم انصرف، فلما رءاه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به فقال له سعد: ما فعلت فذكر القصة وحاصلها أن سعد بن معاذ أسلم ثم عاد إلى قومه فقال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا، قال: كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.  ثم أتى من العام القابل في أيام التشريق من الأنصار سبعون رجلا ونيف أي ورجل أو رجلان وامرأتان وهي البيعة الثانية فسلموا على المصطفى عليه السلام بمكة فواعدهم ليلة النفر الأول إذا هدأت الرجل أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى في أسفل العقبة حيث المسجد الآن، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا فخرج القوم يتسللون وسبقهم النبي لذلك الموضع ومعه العباس فقط فأول من تكلم العباس قال: يا معشر الخزرج إنكم دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه ومحمد أعز الناس في عشيرته يمنعه من كان على قوله ومن لم يكن على قوله يمنعه الشرف والحسب وقد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم ترون أنكم تفون له وأنكم أهل جلد وقوة وبصر بالحرب واستقلاق بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فروا رأيكم وائتمروا ولا تفرقوا إلا عن اجتماع فإن أحسن الحديث أصدقه، فقال البراء بن معرور: سمعنا ما قلت ولو كان في أنفسنا غير ما ننطق به قلناه ولكنا نريد الوفاء وبذل المهج دونه، وهو أول من بايع وقيل أسعد بن زرارة وقيل أبو الهيثم بن التيهان فبايعوا كلهم وهم يحلفون على بيعتهم. وكانت بيعتهم ليلا ونعم البيعة جزاء من بايع فيها الجنة أي دخولها لأن المصطفى عليه السلام اشترط عليهم شروطا وجعل لهم على الوفاء بها الجنة، فلما بايع القوم صاح الشيطان على العقبة: يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصباة معه أجمعوا على حربكم، فقال المصطفى عليه السلام: أفضوا إلى رحالكم فقال العباس بن عبادة: والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منى بأسيافنا. وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، قال: لم أؤمر بذلك وذلك قبل أن تفرض الحرب، فتفرقوا إلى رحالهم فلما أصبحوا غدت جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا ووعدتموه أن تبايعوه على حربنا وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلينا من أن ينشب الحرب بيننا وبينه منكم، فانبعث من كان من الخزرج من المشركين يحلفون ما كان هذا وما علمنا ثم رحلوا.  وهكذا مستمعينا الكرام طابت نفس المصطفى عليه السلام إذ جعل الله له منعة وقوما أهل حرب ونجدة. ثم حين فشا الإسلام أي ظهر وانتشر بالمدينة شكا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وجدوه من أذى المشركين واستأذنوه في الهجرة إلى المدينة فأذن لهم بعد أن نزل الوحي عليه بالإذن بالهجرة، فخرجوا أرسالا قيل: أولهم أبو سلمة أخو النبي من الرضاعة وحبست عنه زوجته بمكة نحو سنة ثم أذن لها بنو المغيرة فهاجرت، فآواهم الأنصار وواسوهم ولم يبق بمكة إلا المصطفى عليه السلام والصديق والمرتضى علي  أو محبوس أو مريض، وعزم الصديق على المهاجرة فقال له النبي: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا  فلم يزل يرده عن المسير حتى هاجرا معا، وسبب هجرته أن قريشا لما رأت خروج من أسلم إلى المدينة بالذراري والأطفال خافت خروج المصطفى وعلمت أنه قد صار للمسلمين منعة وقوة فاجتمعوا للتشاور في أمره وحضرهم إبليس في صورة شيخ نجدي فأشار كل برأي وإبليس يرده إلى أن قال أبو جهل: نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما بسيف فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يمكن بنو عبد مناف حرب الكل فيرضون بذلك، فقال النجدي: هذا هو الرأي. فتفرقوا عليه، وأخبر جبريل النبي عليه السلام بذلك فلم ينم في مضجعه تلك الليلة، واجتمعوا ببابه يرصدونه لينام فيثبون عليه فقال عليه السلام لعلي: نم على فراشي وتسج ببردي فلن يخلص إليك شيء تكرهه، وأمره أن يؤدي عنه الأمانات إلى أصحابها، ثم أخذ صلى الله عليه وسلم حفنة تراب وخرج عليهم فلم يروه فوضع التراب على رءوسهم وهو يتلو سورة يس من أولها إلى قوله تعالى: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون} ثم انصرف فأتاهم ءات فقال: خرج محمد وما منكم إلا من وضع على رأسه ترابا فوضع كل منهم يده على رأسه فوجد التراب ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله عليه السلام فيقولون: هو نائم على فراشه فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا فقام علي من الفراش فعلموا يقينا أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد خرج من منزله ولم يروه. وجاء المصطفى إلى بيت الصديق ظهرا فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله أذن لي في الهجرة فقال الصديق: الصحبة، عندي ناقتان أعطيك إحداهما فقال عليه السلام: بالثمن فتجهزا. قالت عائشة: وضعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به فمه فسميت ذات النطاقين، فخرجا من خوخة لأبي بكر ليلا فترافقا إلى الغار وهو بثور جبل بقرب مكة إلى جنوبها فدخلاه، وخيم العنكبوت على بابه وفرخت حمامة. هبت قريش وجلة مذعورة بعد أن سرى في انديتها أن محمدا قد غادر مكة مهاجرا تحت جنح الظلام فلم يصدق زعماء قريش النبأ واندفعوا يبحثون عنه في كل دار من دور بني هاشم ويطلبونه في كل بيت من بيوت أصحابه حتى أتوا منزل أبي بكر الصديق رضي الله عنه فخرجت اليهم ابنته أسماء فقال لها أبو  جهل لعنه الله أين أبوك يا بنت فقالت لا أدري أين هو الآن فرفع يده ولطم خدها لطمة أهوت بقرطها على الأرض وعاد يجر أذيال  الخيبة وراءه لعنه الله. هاج زعماء قريش حين أيقنوا أن محمدا غادر مكة وجندوا كل من لديهم من متتبعي الأثر لتحديد الطريق الذي سلكه ومضوا معهم يبحثون عنه فلما بلغوا غار ثور قال لهم قفات الأثر والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار وبالفعل فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه داخل الغار حتى إن الصديق رأى اقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه فنظر إليه الرسول نظرة حب ورفق فهمس الصديق قائلا والله والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروها يا رسول الله فقال له الرسول الكريم مطمئنا لا تحزن إن الله معنا اي ناصرنا. قال الله تعالى: إلا  تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا. فأنزل الله السكينة على قلب الصديق وراح ينظر إلى أقدام القوم ثم قال يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ  قدميه لرآنا فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما أي يحفظهما وينصرهما وهنا سمعا فتى من قريش يقول للقوم هلموا إلى الغار ننظر فيه فقال له أمية بن خلف ساخرا ألم تر إلى هذا العنكبوت الذي عشش على بابه والله إنه اقدم من ميلاد محمد. غير أن أبا جهل قال واللات والعزى إني لأحسبه قريبا منا يسمع ما نقول ويرى ما نصنع ولكن سحره غطى على أبصارنا على زعمه. بيد أن قريشا لم تنفض يدها من أمر العثور على سيدنا محمد ولم تتراجع عن ملاحقته فأعلنت في القبائل المنتشرة على طول الطريق بين مكة والمدينة أن من يأتها بمحمد حيا أو ميتا فله مائة من أغلى الإبل وكان سراقة بن مالك جالسا مع قومه في ناحية تسمى قديدا قريبة من مكة فإذا بمبعوث من مبعوثي قريش يدخل عليهم ويذيع فيهم نبأ الجائزة الكبرى التي بذلتها قريش لمن يأتيها بمحمد حيا أو ميتا فما كاد سراقة يسمع بالنوق المائة حتى تتطلعت إليها أطماعه واشتد عليها حرصه ولكنه ضبط نفسه فلم يفه بكلمة واحدة حتى لا تتحرك أطماع الاخرين وقبل ان ينهض سراقة من مجلسه دخل رجل وقال والله لقد مر بي الآن ثلاثة رجال وإني لأظنهم محمدا وأبا بكر ودليلهما فقال سراقة بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقة لهم أضلوها فقال الرجل لعلهم كذلك وسكت. ثم مكث سراقة قليلا حتى  انشغل القوم بحديث آخر فانسل وانسحب برفق وخفة من بينهم حتى لا يثير قيامه أحدا ممن في الجلسة ومضى مسرعا إلى بيته وأمر جاريته سرا بأن تخرج له فرسه في غفلة من أعين الناس وتربطه له في بطن الوادي وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد ويجعله في مكان قريب من الفرس. لبس سراقة درعه وتقلد سلاحه وامتطى صهوة فرسه وصار يسرع في مشيه ليدرك مطلوبه محمدا النبي قبل أن يأخذه سواه ويظفر بجائزة قريش. وكان سراقة بن مالك فارسا من فرسان قومه المعدودين طويل القامة بصيرا باقتفاء الاثر صبورا على أهوال الطرق فمضى يطوي الأرض طيا لكنه ما لبث أن عثرت به فرسه وسقط عن صهوتها فاستغرب كثيرا لأن فرسه من الخيول الأصيلة فتشاءم من ذلك وقال ما هذا؟  ثم علا ظهرها غير أنه لم يمض بعيدا حتى تعثرت به مرة أخرى فازداد تشاؤما وهم بالرجوع فما رده إلا طمعه بالنوق المائة. لم يبتعد سراقة كثيرا عن مكان تعثر فرسه حتى أبصر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه. فمد يده إلى قوسه لكن يده جمدت في مكانها ذلك لأنه راى قوائم فرسه تغوص في الأرض ورأى الدخان يتصاعد من بين يديها ويغطي عينيه وعينيها فدفع الفرس فإذا هي قد ثبتت في الأرض كأنما سمرت فيها بمسامير من حديد فالتفت إلى رسول الله وقال بصوت ضارع ادع لي ربك أن يطلق فرسي ولك علي أن أكف عنك أنت ورفيقيك، فدعا له رسول الله فانطلقت الفرس بإذن الله لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد فدفع فرسه نحو النبي صلى الله عليه وسلم فعادت وساخت قوائم فرسه فاستغاث سراقة وتضرع وقال إليكم زادي ومتاعي وسلاحي فخذوه ولكم علي عهد أن أرد عنكم من ورائي الناس فقال له رسول الله لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن رد عنا الناس ثم دعا له الرسول فانطلقت فرسه، فلما هم بالعودة ناداهم قائلا تريثوا  أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه فقيل له ما تبتغي منا؟ فقال والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك ويعلو أمرك فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني واكتب لي بذلك فأمر الرسول الصديق فكتب له على لوح من عظم ودفعه إليه ولما هم بالانصراف قال له النبي صلى الله عليه وسلم وكيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى فقال سراقة في دهشة كسرى بن هرمز فقال نعم كسرى بن هرمز فانطلق النبي وأبو بكر وعاد سراقة أدراجه وقد وضع في كنانته قطعة العظم التي كتب الصديق عليها عهد رسول الله بأن يكرمه في يوم من الأيام وعاد فرأى الناس قد لحقوا  به يطلبون الرسول فقال لهم ارجعوا فقد نفضت الأرض بحثا عنه  وأنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر فرجعوا ثم كتم خبره مع النبي ومن معه حتى ايقن انهما بلغا المدينة وأصبحا في مأمن من عدوان قريش فأذاعه عند ذلك فلما سمع أبو  جهل بخبر سراقة مع النبي وموقفه منه لامه على ذلك  فقال سراقة يجيبه على ملامته أبا حكم والله لو كنت شاهدا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه علمت ولم تشكك بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه، عليك بكف القوم عنه فإنني  أرى  أمره يوما ستبدو معالمه، بأمر يود الناس فيه بأسرهم بأن جميع الناس طرا تسالمه. ودارت الأيام حتى تم فتح مكة المكرمة ويعود النبي الأعظم فاتحا تحف به الألوف المؤلفة من بيض السيوف وسمر الرماح وإذ بزعماء قريش الذين ملؤوا الأرض عنهجية وغطرسة يقبلون عليه خائفين واجفين يسألونه الرأفة ويقولون ماذا عساك تصنع بنا؟ فيقول لهم في سماحة الأنبياء اذهبوا فأنتم الطلقاء. عند ذلك أعد  سراقة راحلته ومضى إلى رسول الله ليعلن إسلامه بين يديه ومعه العهد الذي كتبه له أبو بكر بأمر من النبي، فما زال يشق طريقه بين الأنصار الذي كانوا ينظرون اليه نظرة استغراب ويتبعونه كي لا يؤذي احدا حتى غدا قريبا من رسول الله وهو على ناقته فرفع يده بالكتاب وقال يا رسول الله أنا سراقة بن مالك وهذا كتابك لي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ادن مني يا سراقة ادن ، هذا يوم وفاء وبر، فأقبل عليه وأعلن إسلامه بين يديه ونال من خير النبي وبره. بعد ذلك توفي النبي المصطفى فحزن عليه سراقة أشد حزن وجعل يتذكر ذلك اليوم الذي هم فيه  بقتله من أجل مائة ناقة وكيف أن نوق الدنيا كلها لا تساوي عنده قلامة من ظفر النبي صلى الله عليه وسلم ثم  دارت الأيام وآل أمر المسلمين إلى الفاروق عمر وهبت جيوش المسلمين في عهده المبارك على مملكة الفرس كما يهب الإعصار فطفقت  تدك الحصون وتهزم الجيوش وتهز العروش وتحرز الغنائم حتى زالت دولة الأكاسرة. وفي ذات يوم من أواخر أيام خلافة عمر قدم على المدينة مبعوثو سعد بن أبي  وقاس يبشرون خليفة المسلمين بالفتح وهنا دعا الفاروق رضوان الله عليه سراقة بن مالك فألبسه  سواري كسرى وتحققت نبوءة النبي الأعظم ولبس سراقة سواري كسرى ثم التفت عمر إلى سراقة وقال بخ بخ، وهي كلمة تقال عند التعجب من الشيء، أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى وفي يديه سواراه. وبقي سراقة حيا إلى أن وافته المنية في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه سنة أربع وعشرين للهجرة وقيل بل مات بعد عثمان.