الخميس يناير 29, 2026

#12

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

(كتاب الأقضية والشهادات)

 

     أى هذا كتاب خاص بأحكام الأقضية والشهادات. والقضاء شرعا الفصل بيـن خصميـن بـحكم اللـه عز وجل قال اللـه تعالـى ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن اللـه يـحب المقسطيـن أما الشهادة فهى حضور الشاهد إلـى مـجلس الـحكم لـيشهد عند القاضى أن الـحق لفلان.

     وتولـى القضاء فرض كفاية فـى حق من يصلح للقضاء فيجب أن يكون فـى المسلميـن قاض فـى كل مسافة عدوى وهى مسيـرة نصف يوم ومفت فـى كل مسافة قصر وهى مسيـرة يوميـن.

     وبيـن المصنف رحـمه اللـه شرط القاضى بقوله (ولا يـجوز أن يلـى القضاء إلا من استكملت فيه خـمس عشرة خصلة) أى صفة (الإسلام والبلوغ والعقل والـحريـة والذكوريـة) أى لا بد أن يكون مسلما ذكرا حرا بالغا عاقلا فلا تصح تولـية الكافر القضاء وكذا الصبـى والمجنون والأنثى ومن فيه رق (و)تشتـرط (العدالة) فـى حقه أى لا بد أن يكون عدلا والعدل هو الذى اجتنب كبائر الذنوب ولـم تغلب صغائره طاعاته واجتنب ما يقدح فـى مروءته (ومعرفة أحكام الكتاب والسنة) أى لا بد أن يكون عارفا بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام أى الآيـات والأحاديث التـى تتعلق بالأحكام الشرعية الواجب والمندوب والمباح والـحرام والمكروه وبعض العلماء اشتـرط أن يكون حافظا لـها حتـى يستطيع استنباط الأحكام منها أو القياس عليها (و)معرفة (الإجـماع) أى لا بد أن يعرف ما أجـمع عليه المجتهدون حتـى لا يـحكم بـحكم يـخالف الإجـماع والإجـماع هو اتـفاق مـجتهدى أمة مـحمد ﷺ فـى عصر من العصور على أمر دينـى (و)معرفة (الاختلاف) بينهم أى لا بد أن يعرف ما اختلف العلماء فيه لـئلا يأتـى بقول لـم يقل به أحد مـمن سبقه من العلماء (و)معرفة (طرق الاجتهاد) والاستدلال من أدلة الأحكام ككون الأمر للوجوب والـنهى للتحريـم (و)معرفة (طرف من لسان العرب) لفهم كتاب اللـه وسنة نبيه ﷺ أى لا بد أن يتقن لغة العرب وأن يعرف النحو والصرف إن لـم يكن سليقيا أما السليقى كالصحابة فهو غنـى عن تعلم الـنحو والصرف لأنه مطبوع على النطق بالصواب فـى اللغة (و)معرفة (تفسيـر كتاب اللـه تعالـى) أى أن يكون عارفا بتفسيـر القرءان لـيتوصل به إلـى معرفة الأحكام المأخوذة منه (و)يشتـرط (أن يكون سـميعا وأن يكون بصيـرا) وذكر المصنف شرطا (و)هو (أن يكون) القاضى (كاتبا) والراجح أنه لا يشتـرط (و)لا بد (أن يكون متيقظا) أى غير مغفل بل يشترط فيه قوة الفهم والإدراك.

     (و)من ءاداب القضاء أنه (يستحب) للقاضى (أن يـجلس فـى وسط البلد) أى أن يكون موضع إقامته فـى وسط الـبلد إن كان البلد واسعا كبيـروت ودمشق وعمان (فـى موضع بارز) أى ظاهر (للناس) ليسهل على من أراد أن يقصده من أهل البلد أو غيرهم الوصول إليه (ولا حجاب) ويصح ولا حجاب (له) أى لا ينبغى له أن يتخذ بوابا يـمنع الناس من الدخول عليه (ولا يقعد للقضاء فـى المسجد) أى لا ينبغى له أن يتخذ المسجد مكانا للقضاء صيانة له عن رفع الأصوات والسب والشتم والكلام الذى لا خير فيه.    

     (و)من ءاداب القاضى أنه يـجب عليه أن (يسوى بيـن الـخصميـن فـى ثلاثة أشياء فـى المجلس) أى مـجلس الـحكم فيجلس الـخصميـن أمامه إن كان الاثنان مسلميـن أو يـجلس أحدهـما عن يـمينه والآخر عن يساره ولا يقرب أحدهـما ويبعد الآخر عنه (و)أن يسوى بينهما فـى (اللفظ واللحظ) أى النظر فيستمع لكلاميهما وينظر لـهما ويرد السلام عليهما ولا يـخص أحدهـما بشىء من وجوه الإكرام فلا يدخل عليه أحدهـما دون الآخر ولا يقوم لأحدهـما دون الآخر. 

     (ولا يـجوز) للقاضى (أن يقبل الـهديـة من أهل) مـحل (عمله) فإن كان قاضيا فـى بيـروت مثلا فلا يـجوز له أن يقبل الـهديـة من أهل بيـروت ولا يدخل ما أخذه فـى ملكه ويـجب عليه أن يرده لأن الرسول ﷺ قال هدايـا العمال غلول، وكذا إن لـم يكن الشخص من أهل بيـروت وكان عنده خصومة عند القاضى أى كان له قضية عند القاضى يـحكم له فيها فلا يـجوز للقاضى أن يقبل الـهديـة منه.

     (ويـجتنب القضاء فـى عشرة مواضع) أى يكره للقاضى أن يقضى فـى هذه الأحوال العشرة وينفذ حكمه وهى (عند الغضب) غير الشديد لـتشويش فكره أما عند الغضب الشديد الذى يـخرجه عن حالة الاستقامة فحرام (و)يكره القضاء عند شدة (الـجوع والعطش وشدة الشهوة) للجماع (و)عند (الـحزن) المفرط (والفرح المفرط وعند المرض) المؤلـم (ومدافعة الأخبثيـن) البول والغائط أو أحدهـما (وعند) غلبة (الـنعاس وشدة الـحر والـبـرد).

     (ولا) يـجوز للقاضى أن (يسأل المدعى عليه إلا بعد كمال الدعوى) أى إلا بعد أن يذكر المدعى دعواه المستكملة للشروط وهى أن تكون الدعوى معلومة أى واضحة ومفصلة كأن يقول المدعى فلان قتل أبـى عمدا أو خطأ أو شبه عمد ويذكر إن كان قتله منفردا أو بالاشتـراك مع غيره وأن تكون الدعوى ملزمة كأن يقول وهبنـى فلان كذا وقبضته منه لأن الـهبة لا تصيـر لازمة ولا تـملك إلا بالقبض بإذن الواهب وتعييـن المدعى عليه كأن يقول أدعـى على فلان كذا وأن يكون المدعى مكلفا فلا تسمع الدعوى من صبـى ومـجنون وكذا من كافر حربـى وأن يكون المدعى عليه مكلفا فلا يدعى على صبـى أو مـجنون وأن لا يسبقها ما يناقضها ويكذبـها فإن ادعى زيد على عمر أنه قتل أباه منفردا ثـم ادعى على ءاخر أنه كان شريكا لعمر فـى قتل أبيه لـم تسمع دعواه الثانية فإذا اكتملت شروط دعوى المدعـى طلب القاضى من المدعى عليه أن يرد إما بإقرار أو بإنكار فإن أنكر يـجوز للقاضى أن يقول للمدعـى ألك شاهدان أو شاهد مع يـمينك أى إن كان الأمر مالـيا (ولا يـحلفه) أى لا يـحلف القاضى المدعى عليه (إلا بعد سؤال المدعـى) أى إلا إذا طلب المدعـى من القاضى تـحليفه أما إذا أقر لفظا بـما ادعى عليه به كأن قال أقررت بـما يدعى على أو أقر حكما بأن طلب من المدعى عليه اليميـن فأبـى أن يـحلف فردها القاضى على المدعـى فحلف اليميـن ثبت الأمر على المدعى عليه كأنه أقر. وقد يطلب المدعى تـحليف المدعى عليه وإن كان له شهود.

     (ولا يلقن) القاضى (خصما حجة) أى لا يـجوز له أن يعلمه شيئا يرد به على الـخصم الآخر فلا يقول له قل كذا وكذا ولا يقول للشاهد كذلك قل كذا وكذا (ولا يفهمه كلاما) أى لا يعلمه كيف يدعـى أو كيف يـجيب فـى إقرار أو إنكار لأن فـى ذلك إعانة له على خصمه وهو حرام. (ولا يتعنت) أى القاضى (بالشهداء) أى لا يـجعل أمر الشهادة صعـبا عليهم ولا يـجوز له أن يصرخ عليهم أو يزجرهم.

     (ولا يقبل) القاضى (الشهادة إلا مـمن ثبتت عدالـته) الباطـنة عنده أو عند غيره من القضاة ولا تكفى العدالة الظاهرة وهى أن يكون الشاهد بـحسب الظاهر لا يعرف عنه إتيان الكبائر. فإن علمه القاضى عدلا قبل شهادته وإن علمه فاسقا ردها أما إن جهل حاله بأن لـم يعرف عدالـته ولا فسقه أخذ بتزكـية اثنيـن عدليـن له فيقول المزكـى أشهد أنه عدل.

     (ولا يقبل) القاضى (شهادة عدو على عدوه) أى عداوته له عداوة دنيويـة ظاهرة كأن كان بينه وبيـن المدعى عليه خصومة شديدة بشىء دنيوى وخرج بالدنيويـة العداوة الدينية فتقبل شهادة السنـى على البدعـى أى من كانت بدعته اعتقاديـة لأنه يكرهه لأجل بدعته. (ولا) يقبل القاضى (شهادة والد) وإن علا كالـجد (لولده) وإن سفل كولد الولد (ولا) شهادة (ولد لوالده) وإن علا. أما شهادة والد على ولده أى ضده أو ولد على والده فتقبل إن لـم يكن بينهما عداوة أما إن كان بينهما عدواة فلا تقبل. وتقبل شهادة الأخ لأخيه وعليه وشهادة أحد الزوجيـن للآخر وعليه إلا شهادة الزوج على زوجته بالزنـا فلا تقبل.

     (ولا يقبل كتاب قاض إلـى قاض ءاخر فـى الأحكام) ولا يعمل به (إلا بعد شهادة شاهدين يشهدان بـما فيه) أى إلا بعد أن يشهد شاهدان عدلان أن القاضى الأول حكم بـما هو مذكور فـى الكتاب.

     (فصل) فـى أحكام القسمة أى قسمة المال المشتـرك بيـن الشركاء لـيتمكن كل واحد منهم من الـتصرف فـى نصيبه استقلالا.

     والقسمة نوعان قسمة بالتـراضى وقسمة بالإجبار أى يـجبـر عليها الممتنع. وأركان القسمة ثلاثة قاسم أى شخص عالـم بالقسمة ومقسوم وهو المال المشتـرك ومقسوم له وهم الشركاء. (ويفتقر القاسم) المعيـن من قـبل القاضى أو الموكل من قـبل المحكم الذى حكمه الشريكان فـى قسمة المال المشتـرك بينهما (إلـى سبعة شرائط) وهى (الإسلام والـبلوغ والعقل والـحريـة والذكوريـة والعدالة) فلا يصح أن يكون القاسم كافرا أو صبيا أو مـجنونـا أو رقيقا أو أنثى أو فاسقا (و)الشرط السابع هو (الـحساب) أى أن يكون عالما بالـحساب والمساحة. ويشتـرط أن يكون سـميعا بصيرا نـاطقا عالما بقسمة المال بيـن الشركاء عفيفا لا يرتشى ولا يـخون. وأجرة القاسم على الشركاء إن لـم يعط من بيت مال المسلميـن. (فإن تراضى الشريكان بـمن يقسم بينهما) المال المشتـرك ولـم يكن معينا من قـبل القاضى ولا مـحكما فوكلوه فـى القسمة (لـم يفتقر إلـى ذلك) أى لـم يشتـرط فيه غير التكليف إلا إذا كان فـى الشركاء من هو مـحجور عليه وأراد ولـيه القسمة له فيشتـرط فـى القاسم أن يكون عدلا.

     والقسمة ثلاثة أنواع أحدها القسمة بالأجزاء أى قسمة الإفراز وتسمى قسمة المتشابـهات إذا كانت الأجزاء فيها متشابـهة قيمة وصورة كقسمة الأرض المتشابـهة الأجزاء والدار المتفقة الأبنية وهى بيوت متشابـهة مـحاطة بسور والدنانيـر والـحبوب فتجزأ إلـى أجزاء متساوية ثـم يقرع بيـن الشركاء ليأخذ كل واحد نصيبه فإن كان الشركاء ثلاثة فتؤخذ ثلاث رقاع أى أوراق متساوية ويكتب فـى كل رقعة منها اسم شريك من الشركاء ثـم توضع فـى علب متشابـهة فيخرج من لـم يـحضر الكتابة وإدخال الرقاع فيها رقعة على الـجزء الأول من الأجزاء الثلاثة فيعطى من خرج اسـمه فـى تلك الرقعة ثـم يـخرج رقعة أخرى على الـجزء الثانـى فيعطى من خرج اسـمه فـى الرقعة الثانية ويعطى الـجزء الثالث للشريك الثالث.

     والنوع الثانـى القسمة بالتعديل أى بالنظر إلـى القيمة فيقسم المال المشتـرك إلـى حصص متساوية القيمة كقسمة أرض تـختلف قيمة أجزائها بيـن شريكـيـن إلـى حصتيـن متعادلتيـن فـى القيمة وإن اختلفتا فـى المساحة ثـم يقرع بينهما.

     والـنوع الثالث القسمة بالرد كقسمة أرض فـى أحد أجزائها بئر أو شجر لا يـمكن قسمته فتقسم الأرض بيـن الشركـيـن بالقرعة ثـم يدفع من كان نصيبه الـجزء الذى فيه البئر أو الشجر مالا للآخر بقدر قيمة حصته فـى البئر أو الشجر. وهذا النوع لا إجبار فيه أى لا يـجبـر الممتنع من القسمة عليها.

     (وإن كان فـى القسمة تقويـم) كما فـى قسمتـى التعديل والرد (لـم يقتصر فيه) أى فـى تقويـم المال المقسوم (على أقل من اثنيـن) أى لا يكفى قاسم واحد معيـن من قبل القاضى لأن التقويـم تـخميـن والتخميـن يـجوز عليه الـخطأ أما إذا تراضى الشركاء على قاسم واحد فيكفى.

     (وإذا دعا أحد الشريكـيـن شريكه إلـى قسمة) إفراز أو تعديل (ما لا ضرر فيه) على طالب القسمة أى يبقى نفعه المقصود منه بعد القسمة (لزم) الشريك (الآخر إجابته) إلـى القسمة أى يـجبـره الـحاكم عليها. أما إذا كان فى قسمته ضرر عظيم بأن يبطل نفعه المقصود منه بالقسمة كحمام لا يـمكن جعله حـماميـن أو طاحون صغيـر لا يـمكن جعله طاحونيـن فلا يـجبـر الممتنع من القسمة عليها.

     (فصل) فـى الـحكم بالبينة أى اعتمادا على شهادة الشهود وسـموا بالبينة لأن الـحق يبيـن ويظهر بـهم.

     (وإذا كان مع المدعى بـيـنة) أى رجلان أو فـى بعض الأحوال رجل وامرأتـان أو رجل ويـميـن (سـمعها الـحاكم وحكم له بـها) إن عرف عدالـتها وإلا طلب التزكـية أى تزكـية الشهود كما تقدم.

     (وإن لـم تكن له بـيـنة) أى للمدعى (فالقول قول المدعى عليه بيمينه) أى يـحلف المدعى عليه إن طلب المدعى تـحليفه (فإن نكل) أى امتنع (عن الـيميـن ردت على المدعـى) أى يقول له القاضى تـحلف أنت أنك صادق فيما تدعيه (فيحلف) حينئذ (ويستحق) بـحلفه ما يدعيه.

     (وإذا تداعيا) أى الـخصمان (شيئا) كـبيت وكان (فـى يد أحدهـما) كأن كان ساكنا فيه كل واحد منهما يدعى أن الـبيت له ولا بـينة لأحد منهما (فالقول قول صاحب الـيد بيمينه) أى يؤخذ بقوله مع اليميـن (وإذا كان) الـبيت (فـى أيديهما) أو لـم يكن فـى يد أى منهما (تـحالفا وجعل بينهما) أى حلف كل منهما أن البيت ليس للآخر وجعل بينهما مناصفة.

     أما كـيف يـحلف المدعى فقد بيـن المصنف رحـمه اللـه ذلك بقوله (ومن حلف على فعل نفسه) إثباتا أو نفيا (حلف على الـبت و)هو (القطع) لأنه يعلم حال نفسه كقوله واللـه فعلت أو واللـه ما فعلت وكذا لو حلف على فعل مـملوكه كعبده أو بـهيمته فإنه يـحلف على البت والقطع كقوله واللـه عبدى ما فعل ذلك أو واللـه بـهيمتـى ما أكلت زرعك. 

     (و)أما (من حلف على فعل غيره) ولـم يكن مـملوكا له أى لـم يكن عبده ولا بـهيمته (فإن كان إثباتا) كأن ادعى شخص على ءاخر أن أباه كان له عليه مالا فأنكر وامتنع عن الـحلف (حلف) المدعى حينئذ (على الـبت والقطع) كواللـه كان لأبـى عليك كذا لأنه مثلا رأى كتابـا بـخط أبيه فصار عنده ظن مؤكد. (و)أما (إن كان نفيا) مطلقا أى غير مقيد بـمكان وزمان كأن ادعى شخص أن أباه أقرضه مالا فقال المدعى عليه سامـحنـى فيه فإذا حلف المدعـى (حلف على نفى العلم) كواللـه لا أعلم أن أبـى سامـحك. فإذا كان النفى مقيدا بـمكان أو زمان فإنه يـحلف على البت كواللـه لـم يسامـحك فـى ذلك اليوم.

     (فصل) فـى شروط الشهود.

     اعلم أن الشهادة هى إخبار بـحق لفلان على فلان بلفظ مـخصوص والمراد باللفظ المخصوص لفظ أشهد كأن يقول أشهد أن لفلان على فلان دينا ولا يكفى أن يقول أعلم. قال تعالـى ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ وهذا أمر من اللـه أن الشاهد إذا استدعاه القاضى لـيشهد عنده فعليه أن يؤدى تلك الشهادة وليس له كـتمها.

     وأركان الشهادة خـمسة شاهد ومشهود له ومشهود به ومشهود عليه وصيغة فإذا قال الشاهد أشهد أن لزيد على عمرو خـمسمائة دولار فزيد مشهود له وعمرو مشهود عليه وخـمسمائة دولار مشهود به.

     (ولا تقبل الشهادة) فـى إثبات الـحق عند القاضى (إلا مـمن اجتمعت فيه خـمس خصال الإسلام والبلوغ والعقل والـحرية والعدالة) فلا تقبل شهادة كافر وصبـى ومـجنون ورقيق ومن ليس عدلا كما لا تقبل شهادة الأخرس والمحجور عليه بسفه والذى بينه وبيـن المشهود عليه عداوة دنيويـة.

     (وللعدالة خـمس شرائط) وهى (أن يكون) الشاهد (مـجتنبا للكبائر) فلا تقبل شهادة صاحب كبيـرة كشارب خـمر أو تارك للصلاة وأن يكون (غير مصر على القليل من الصغائر) أى أن لا يداوم على فعل الصغائر ولو كانت قليلة من حيث الـنوع كالـنظر المحرم وكشف العورة لغير حاجة وهجر المسلم فوق ثلاث لغير عذر واللعب بالـنرد والاستماع إلـى ءالات اللهو المحرمة كالمزمار والعود بـحيث تصيـر عدد صغائره أكثر من عدد طاعاته وأن يكون (سليم السريرة) أى العقيدة فلا تقبل شهادة مبتدع بدعة كفريـة كمن يعتقد أن اللـه جسم أو أنه متحيز فـى مكان أو جهة أو يعتقد أن العبد يـخلق أفعاله ولا تقبل شهادة من جرته بدعته الاعتقاديـة إلـى فسق عملـى كساب أبـى بكر وعمر رضى اللـه عنهما (وأن يكون مأمونا عند الغضب) أى أن لا يـجره غضبه إلـى الكذب وقول الزور ونـحوهـما وأن يكون (مـحافظا على مروءة مثله) أى أن يتخلق بأخلاق أمثاله من أهل الفضل فـى زمانه ومكانه فإن كان عالما أو قاضيا فإنه ينظر إلـى أمثاله من أهل الفضل كـيف هى أخلاقهم وصفاتـهم فيتخلق بـها فلا تقبل شهادة من لا مروءة له كمن يـمشى فـى السوق مكشوف البدن غير العورة فـى بلد لـم يعتد أهله ذلك وكمن يقبل زوجته أمام الناس بشهوة وكمن يـمد رجله عند الناس الذين يـحتشمهم ويستحى منهم بغير عذر.

     (فصل) فـى الـحقوق باعتبار ما يقبل فيها من الشهود.

     (والـحقوق ضربان) أى نوعان (حق اللـه تعالـى وحق الآدمى فأما حقوق الآدمييـن فثلاثة أضرب) أى أنواع (ضرب لا يقبل فيه) عند القاضى (إلا شاهدان) عدلان (ذكران) فلا يكفى رجل وامرأتان أو رجل ويـميـن (وهو ما لا يقصد منه المال) أى ليس مالا ولا يؤول إلـى المال (ويطلع عليه الرجال) غالـبا كطلاق إلا إذا ادعاه الزوج بعوض كأن قال طلقت زوجتـى مقابل أن تعطـينـى كذا فإنه يؤول إلـى المال وكنكاح إلا إذا ادعته المرأة لإثبات المهر ومن هذا الضرب ما يوجب عقوبة لآدمى حدا كحد شرب الـخمر وقطع الطريق أو تعزيرا (وضرب) من الـحقوق (يقبل فيه شاهدان) أى رجلان (أو رجل وامرأتان أو شاهد) أى رجل (ويـميـن المدعى وهو ما كان القصد منه المال) أى إذا كان المقصود منه المال كأن ادعى أن له على فلان كذا من المال فيكفى لإثبات حق المدعى أن يشهد رجل وامرأتان أو رجل ثبتت عدالته عند القاضى ويـحلف المدعى على صدق الشاهد الذى شهد له وعلى استحقاقه للمال كأن يقول واللـه إن شاهدى صادق فيما شهد لــى به وإنـى لأستحقه. وللمدعى أن لا يـحلف ويطلب من القاضى تـحليف المدعى عليه فإن أبـى حلف المدعى واستحق ما يدعيه (وضرب) ءاخر من الـحقوق (يقبل فيه) للشهادة (رجلان أو رجل وامرأتان أو أربع نسوة وهو ما لا يطلع عليه الرجال) أى يتعلق بالأمور التـى فـى الغالب الرجال لا يطلعون عليها أو تـختص بـمعرفتها الـنساء كحيض وولادة ورضاع وعـيب امرأة كرتق وهو انسداد مـحل الـجماع بلحم أو قرن وهو انسداد مـحل الـجماع بعظم. (وأما حقوق اللـه تعالـى فلا تقبل فيها) شهادة (النساء) كإقامة الـحد على شارب الـخمر (وهى على ثلاثة أضرب ضرب لا يقبل فيه أقل من أربعة) رجال (وهو الزنـى) وكذلك اللواط وإتيان البهائم ويشتـرط لقبول شهادتـهم أن يقولوا رأيناه أدخل حشفته أى رأس ذكره فـى فرجها ونظرهم للزنا يكون لأجل الشهادة أو يقع نظرهم له من غير قصد (وضرب يقبل فيه اثنان) أى رجلان عدلان (وهو ما سوى الزنـى من) موجبات (الـحدود) كشرب الـخمر والقذف (وضرب) ءاخر من حقوق اللـه تعالـى (يقبل فيه) رجل (واحد وهو هلال) شهر (رمضان) فقد روى أبو داود عن عبد اللـه بن عمر رضى اللـه عنهما أنه قال أخبـرت النبـى ﷺ أنـى رأيت الـهلال فصام وأمر الناس بالصوم.

     (ولا تقبل شهادة الأعمى إلا فـى خـمسة مواضع) تصح فيها شهادته لأنـها تثبت بالاستفاضة أى انتشار الـخبـر ولا تفتقر إلـى مشاهدة وهى (الموت) ومثله النكاح والعتق والوقف والإرث والرضاع (والنسب والملك المطلق) أى يصح أن يشهد أن فلانا مات أو أن فلانا زوج فلانة أو أن فلانا أعتقه فلان أو أن هذه الأرض وقف أو أن فلانا مات فورثه فلان أو أن فلانا أرضعته فلانة أو أن فلانا هو ابن فلان أو أن هذه الأرض لفلان. (و)تقبل منه (الـتـرجـمة) للقاضى أو للخصميـن إن اتـخذه القاضى متـرجـما (و)يقبل منه (ما شهد به قبل العمى) أى قبل إصابته بالعمى (و)ما شهد به (على المضبوط) أى ما يقبض عليه كأن أقر شخص فـى أذن الأعمى أنه طلق امرأته وكان الأعمى يعرفه ويده على رأسه عند إقراره فجره مقبوضا عليه إلـى القاضى فتقبل شهادته حينئذ.

     (ولا تقبل شهادة) شخص (جار لنفسه نفعا ولا دافع عنها ضررا) أى لا تقبل شهادته إذا كانت تـجر إليه نفعا أو يدفع بـها عن نفسه ضررا.

 

(كتاب العتق)

     وهو إزالة الرق عن ءادمى من غير أن يكون انتقالا من مالك إلـى مالك والعتق إما أن يكون منجزا أى فـى الـحال كأن يقول لعبده أنت حر أو معلقا كأن يقول إن شفانـى اللـه من مرضى فعبدى فلان حر وأركان العتق ثلاثة معتق وهو من يعتق وعتيق وهو من يقع عليه العتق وصيغة.

     (ويصح العتق) منجزا ومعلقا كما تقدم وبعوض كأعتقتك بألف دينار (من كل مالك جائز الأمر) أى نافذ التصرف (فـى ملكه) فلا يصح عتق غير المالك والصبـى والمجنون والسفيه المحجور عليه والمكره.

     (ويقع) العتق أى يـحصل (بصريح العتق) أى بلفظ صريح فـى العتق كأنت حر أو مـحرر أو عتيق أو أعتقتك أو حررتك (و)كذا يقع بلفظ (الكناية) وهو ما يـحتمل العتق وغيـره كقول السيد لعبده لا ملك لـى عليك أو لا خدمة لـى عليك فإن كانت (مع النـية) أى نية العتق وقع العتق بـها.

     (وإذا أعتق) إنسان جائز التصرف (بعض عبد) أى جزءا من عبد يـملكه كله كأن قال له نصفك حر (عتق عليه جـميعه) أى صار كله حرا (و)كذلك (إذا أعتق شركا) أى نصيبا (له فـى عبد) كأن أعتق نصفه الذى يـملكه (وهو موسر) بقيمة باقيه أى عنده من المال قيمة الـنصف الباقـى (سرى العتق إلـى باقيه) وصار كله حرا (وكان عليه) دفع (قيمة نصيب شريكه) يوم إعتاقه.

     (ومن ملك) أى إذا ملك الـحر الكامل (واحدا من والديه) كأبيه أو أمه أو جده أو جدته (أو) واحدا من (مولوديه) كابنه أو ابن ابنه بأن اشتـراه أو ورثه (عتق عليه) أى يصيـر حرا بعد ملكه له.

     (فصل) فـى أحكام الولاء وهو شرعا ربطة سببها زوال الملك عن رقيق معتق أى هى ربطة بيـن المعتق وعتيقه تشبه القرابة يقال لـها الولاء فيقال زيد مولـى عمرو إذا أعتقه.

     (والولاء من حقوق العتق) أى من ثـمراته اللازمة له فيكون نفعه للمعتق قال رسول اللـه ﷺ إنـما الولاء لمن أعتق رواه البخارى (وحكمه حكم الـتعصيب عند عدمه) أى حكم التعصيب بالولاء فـى نـحو الإرث والنكاح كحكم التعصيب بالـنسب عند عدمه أى إذا عدمت العصبات من الـنسب والميت معتق أى أعتقه سيده فالمولـى المعتق يرثه فإن لـم يكن المعتق فعصبته يرثون. وإذا كان للعتيق بنت فالمعتق يزوجها إن لـم يكن لـها عصبة بالدم يزوجها.

     (وينتقل الولاء) أى فوائده (عن المعتق) بعد موته (إلـى عصبته) وهم ابن المعتق ثـم أبوه ثـم أخوه على ما تقدم فـى كتاب الفرائض (وترتيب العصبات فـى الولاء) أى فـى ثـمرته وفوائده (كتـرتيبهم فـى الإرث) مع وجود فارق لأن الأخ فـى الإرث لا يقدم على الـجد بل يشاركه أما فـى الولاء فإن الأخ وابن الأخ مقدمان على الـجد. وترث المرأة بالولاء من أعتقته أو ولده أو عتيق عتيقها.

     (ولا يـجوز) أى لا يصح (بيع الولاء ولا هبته) فلا ينتقل الولاء عن مستحقه ما دام حيا.

     (فصل) فـى أحكام التدبيـر وهو شرعا أن يقول السيد لعبده إذا مت فأنت حر. وأركانه ثلاثة سيد مدبـر وهو المالك وقن مدبر وهو الرقيق وصيغة يفهم منها التدبيـر بينها المؤلف بقوله (ومن قال لعبده) لفظا صريـحا فـى التدبيـر نـحو (إذا مت فأنت حر) أو لفظا يـحتمل التدبيـر وغيـره كخليت سبيلك بعد موتـى (فهو) أى العبد (مدبر يعتق بعد وفاته) أى بعد وفاة السيد (من ثلث ماله) الذى تركه بعد موته أى إذا مات السيد وكان العبد قيمته أقل من ثلث المال فإنه يعتق ولا يتوقف ذلك على إجازة الورثة أما إذا كانت قيمته أكثر من ثلث الـتـركة كأن كانت قيمته خـمسيـن ألف درهم وكانت الـتـركة مائة ألف درهم يعتق منه بقدر قيمة ثلث الـتـركة وما زاد عن الثلث موقوف على إجازة الورثة إن أجازوه عتق وإن لـم يـجيزوه بقى عبدا. وأما أم الولد وهى الأمة التـى ولدت من سيدها فلا يصح تدبيـرها بل تعتق بعد موت سيدها.

     (ويـجوز له أن يبيعه) أى يـجوز للسيد الـجائز الـتصرف (فـى حال حياته) أن يبيع العبد المدبر (و)إذا باعه أو وهبه (بطل تدبيـره).

     (وحكم المدبر فـى حال حياة السيد حكم العبد القن) فيجوز للسيد أن يطأ أمته المدبرة.

     (فصل) فـى أحكام الكتابة بيـن السيد وعبده وهى شرعا عقد عتق معلق على مال يؤديه العبد المكاتب لسيده منجما أى مقسطا بوقتيـن معلوميـن فأكثر. وأركان الكتابة أربعة سيد ومكاتب وعوض وصيغة. ويشتـرط فـى المكاتب أن يكون عبدا بالغا عاقلا ويشتـرط فـى العوض أن يكون دينا مؤجلا بنجميـن أى قسطـيـن فأكثر.

     (والكتابة مستحبة إذا سألـها العبد) أو الأمة (وكان مأمونا) فـى ما يكسبه من المال بـحيث لا يضيعه فـى معصية و(مكتسبا) أى قادرا على الكسب (ولا تصح) الكتابة (إلا بـمال معلوم) فـى الذمة ككاتبتك على ألف درهم أو منفعة معلومة فـى الذمة كأن كاتبه على بناء دارين موصوفتيـن فـى الذمة فـى وقتيـن معلوميـن. ولا بد أن يكون المال المعلوم مؤجلا (إلـى أجل معلوم) ولو قصيـرا (أقله نـجمان) كأن يقول كاتبتك على دينارين تأتـى بـها فـى شهرين دينار عند رأس كل شهر فإذا أديت ذلك فأنت حر ويشتـرط القبول من المكاتب.

     (وهى) أى الكتابة الصحيحة لا تنفسخ بالـجنون ولا بالإغماء وهى (من جهة السيد لازمة) ليس له فسخها بعد تـمام العقد إلا إذا عجز المكاتب عن أداء المال فللسيد حينئذ فسخ العقد (و)أما (من جهة المكاتب) فهى (جائزة فله) بعد تـمام العقد بالقبول (فسخها متـى شاء) ولا يشتـرط فـى الفسخ إشهاد.

     (وللمكاتب التصرف فيما فـى يده من المال) الذى من كسبه بنحو بيع وشراء وإيـجار (ويـملك المكاتب التصرف فيما فيه تنمية المال) لكن لا يـجوز له أن يهب ما يكسبه من المال بدون إذن سيده (ويـجب على السيد أن يضع) أى يـحط (عنه) شيئا (من مال الكتابة) ولو قليلا (ما يستعيـن به على أداء نـجوم الكتابة ولا يعتق) المكاتب (إلا بأداء جـميع المال) أى مال الكتابة لـحديث المكاتب عبد ما بقى عليه درهم معناه لو بقى عليه درهم من مال الكتابة لا يعتق حتـى يدفعه لسيده.

     (فصل) فـى أحكام أم الولد وهى الأمة التـى ولدت من سيدها ما فيه خلقة ءادمى قال رسول اللـه ﷺ أيـما أمة ولدت من سيدها فهى حرة عن دبر منه يعنـى بعده أى بعد موته رواه الـحاكم وصححه وقال ﷺ عن أمته مارية أم إبراهيم لما ولدت أعتقها ولدها معناه صارت حرة بعد موته ﷺ بسبب ولدها.

     (وإذا أصاب) أى وطئ (السيد) البالغ (أمته فوضعت) حيا أو ميتا وهو (ما تبيـن فيه شىء من أصل ءادمى) ثبت كونـها أم ولد له و(حرم عليه) عندئذ (بيعها) لغيره (و)كذا (رهنها وهبتها وجاز له الـتصرف فيها بالاستخدام) أى طلب الـخدمة (والوطء والإجارة) والإعارة (وإذا مات السيد عتقت من رأس ماله قبل) دفع (الديون) التـى عليه (والوصايا) التـى أوصى بـها (وولدها من غيره بـمنزلتها) أى حكمه كحكمها يعتق بـموته.

     (ومن أصاب) أى وطئ (أمة غيره بنكاح) أو زنـى فوضعت (فالولد منها مـملوك لسيدها وإن أصابـها) أى أصاب أمة غيره (بشبهة) كأن ظـنها زوجة له أو أمته التـى تـحل له (فولده منها حر وعليه) دفع (قيمته) وقت ولادته (للسيد).

     (وإن ملك الأمة الموطوءة بعد ذلك) أى وطـئها بالنكاح ثـم ملكها (لـم تصر أم ولد له بالوطء فـى النكاح) السابق (و)إذا وطـئها بالشبهة ثـم ملكها بعد ذلك (صارت أم ولد له بالوطء بالشبهة على أحد القولـيـن) والراجح أنـها لا تصيـر أم ولد (واللـه) سبحانه وتعالـى (أعلم) وأحكم.

 

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=aWQDWy0U9Ac

 

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab12

 

 

الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com