الإمام الشهيد الحسين عليه السلام
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين قائد الغر المحجلين إمام الأتقياء العارفين سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا وقرة أعيننا محمد النبي العربي الأمي الأمين، ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين. أما بعد يقول الله عز وجل: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. لقد أكرم الله ءال بيت النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بمنـزلة عظيمة وقرابة زكية فاخرة، وجعل منهم الأئمة الكرام والعلماء الأعلام فكانوا للناس مصابيح هداية يضيئون وسط ظلام الفتن وطغيان الفساد ويدافعون عن حياض الشريعة الغراء باللسان والسنان، قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخافون في سبيل الله لومة لائم، ليوثا في مواطن الحق والجهاد وبحورا في العلم والدراية، ورثوا من علوم جدهم المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يسعدهم في الدنيا والآخرة وساروا على هديه ودربه فجزاهم الله عن أمة نبيه خيرا عظيما. وها نحن نتحدث عن أهل البيت الطاهرين الكرام ونتناول البحث في مآثر شخصية كبيرة فذة من كبار رجالات ءال البيت الصالحين، الإمام الشهيد الحسين بن علي رضي الله عنهما. هناك على أرض يثرب التي طابت وتنورت بقدوم الرسول الأكرم، ولد سبطا رسول الله عليه الصلاة والسلام الحسنان الشهيدان وجاءت ولادة الحسين في السنة الرابعة من الهجرة المباركة بعد أخيه الحسن بسنة وعشرة أشهر على الأشهر، ولد ذاك الإمام العظيم، السند الشريف والسيد العفيف الكرار بن الكرار أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، من فاطمة الزهراء الأم التقية الولية الطاهرة الزكية الطيبة العفيفة النقية المباركة، بنت سيد المرسلين وحبيب رب العالمين صلى الله عليه وسلم، ففرح لولادته القلب وقرت به العين كما قرت بأخيه من قبل، وحظي بحب كبير من جده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما ناله من البركة والخير حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم عق عنه وعن الحسن كبشا كبشا ووزنت له أمه شعره وشعر الحسن وأم كلثوم فتصدقت بزنته فضة، وأختار له الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الاسم اللامع كما اختار اسم أخيه الحسن من قبل. كان الإمام الحسين رضي الله عنه سيدا وسيما جميلا فصيحا عالما عاقلا رزينا محتشما جوادا كريما كثير الخير دينا ورعا كبير الشأن عظيم القدر يشبه بخلقته جده رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقد كان سيدنا الحسين رضوان الله عليه إماما عظيما وسيدا سندا جليلا، سيفا من سيوف الحق وجبلا يمشي على قدمين كريم الأصل شريف النسب ذا مرتبة عالية ورفعة بالغة، تعلم وسمع من جده الرسول صلى الله عليه وسلم فحدث عنه وعن أبويه وصهره الفاروق عمر رضي الله عنه وطائفة أخرى، وحدث عنه والداه علي وفاطمة وابن أخيه زيد بن الحسن وبنته سكينة والشعبي والفرزدق الشاعر وغيرهم، وكان عالما مبجلا وسيدا معظما محترما يجله الناس وكبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كأبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم من طليعة القوم، ويعرفون ما للحسين من قدر ومقام؛ فقد وردت في شأنه الفضائل وتعددت فيه المكارم فكان صفوة من الرجال وخيرة من القوم عابدا زاهدا خاشعا كثير العبادة، فاضلا يكثر من الصلاة والصيام والحج حتى قيل إنه حج خمسا وعشرين حجة ماشيا، وكان كريما كثير الصدقات يرحم المسكين ويعين الضعيف، شملته دعوة جده الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لما جلله هو والحسن وفاطمة بكساء ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. إن رجلا أحبه الرسول عليه الصلاة والسلام جدير أن يكون بهذه الصفات وبهذه المكارم العالية، كيف لا وهو الحب أخو الحب كما دلت على ذلك الأخبار وشهدت بذلك النقول الصريحة والآثار؛ ففي جامع الإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للحسن والحسين فقال: «اللهم إني أحبهما فأحبهما. وفي حديث صحيح رواه الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “حسين مني وأنا من حسين”، معناه محبتي له كاملة ومحبته لي كاملة، مودتي له كاملة ومودته لي كاملة. و في يوم الجمعة العاشر من المحرم سنة إحدى وستين للهجرة كانت الفاجعة التي ألمت بالمسلمين بمقتل أبي عبد الله الحسين حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أيدي فئة ظالمة فمات الحسين شهيدا وهو ابن ست وخمسين سنة في كربلاء. لما رأى الحسين من لا يصلح لإدارة شؤون المسلمين قد أراد أن يتسنم الخلافة ويتسلط على الرقاب من غير رضى من أهل الفضل ولا بيعة من أهل الحل والعقد، جهر برفض ذلك وامتنع من المسايرة على حساب المصلحة الدينية وتمسك بالحق ثابتا عليه ءامرا بالمعروف ناهيا عن المنكر حتى قتل شهيدا مظلوما بيد جنود الفاسق المتهتك، وفاز بذلك عند الله الفوز العظيم.
واعلم أن ملخص ما جاء في استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه أن أهل الكوفة لما بلغهم موت معاوية وخلافة يزيد كتبوا كتابا إلى الحسين عليه السلام يدعونه إليهم ليبايعوه فكتب لهم جوابا مع رسولهم وسير معه ابن عمه مسلم بن عقيل فلما وصل إليهم اجتمع بعض أنصاره عليه وأخذ عليهم العهد والميثاق بالبيعة للحسين وأن ينصروه ويحموه، ولما أراد الحسين المسير إلى العراق بلغ الخبر يزيدا فولى العراق عبيد الله بن زياد وأمره بمقابلة وقتال الإمام الحسين، فدخل ابن زياد الكوفة قبل الحسين وقتل مسلم بن عقيل، وأرسل جيشا لملاقاة الحسين وأمر عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص وكان الحسين وصل مع أصحابه إلى كربلاء وحط أثقاله في ذلك المكان فلم يجد أحدا من أهل العراق ممن كاتبه فلما التقى بعمر بن سعد قال: اختاروا مني واحدة من ثلاث إما أن تدعوني فألحق بالثغور وإما أن أذهب إلى يزيد أو أنصرف حيث جئت، فقبل ذلك عمر بن سعد ولم يقبل ابن زياد وقال: حتى يضع يده في يدي أي حتى يبايع يزيدا فقال الحسين: لا يكون ذلك أبدا. فلما أصبح الصباح في يوم العاشر من المحرم تهيأ الحسين ومعه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا وتهيأ عمر بن سعد بأربعة ءالاف مقاتل ودارت رحى الحرب والحسين رضي الله عنه يدافع عن يمينه وعن شماله حتى ضربه زرعة بن شريك التميمي على يده اليسرى وضربه ءاخر على عاتقه، وطعنه سنان بن أنس بالرمح فوقع على الأرض فتقدم أحدهم ليقطع رأسه فشلت يمينه ثم نزل إليه شمر بن ذي الجوشن ففصل رأسه عن جسده والعياذ بالله ، وقيل ثم جاء عشرة من الخيالة داسوا عليه ذهابا وإيابا . قتل الحسين الذي كان رسول الله من حبه يقبل شفتيه، ويحمله كثيرا على عاتقيه، فلو رآه ملقا على أحد جانبيه، والسيوف تأخذه والأعداء حواليه، والخيل قد وطئت صدره ومشت على يديه، ودماؤه تجري بعد دموع عينيه، لغضب الرسول من ذلك ولعز عليه. وكان قد وجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربعة وثلاثون ضربة. وكان عمره يوم قتل ستا وخمسين سنة وخمسة أشهر رضي الله عنه. وكل من شارك في قتله مات ميتة سوء وأكثرهم أصابهم الجنون وأصيبوا بمرض وعاهات في الدنيا ، وهذا ابن زياد ما مكث بعد ذلك يسيرا إلا وقطعت رأسه.
وفي الختام أذكركم بحديث رواه الحاكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أحبني فليحب حسينا. نعم لبيك يا رسول الله فنحن معاشر أهل السنة والجماعة نحب الحسين ونجله ونوقره ونسأل الله تعالى أن يتوفانا على حبه وأن يحشرنا معه ومع أمهات المؤمنين وآل البيت الطاهرين والخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ومع الأئمة العارفين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر الصالحين. والله تعالى أعلم وأحكم والحمد لله رب العالمين.