#11 سيدنا محمد رسول الله ﷺ
وليعلم يا أحبابنا أنه لما أقام صلى الله عليه وسلم في بني سعد أربع سنين جاء جبريل وميكائيل وعليهما ثياب بيض فأخذاه وأضجعاه وشق جبريل صدره الشريف واستخرج قلبه فشقه وأخرج منه علقة سوداء فطرحها ثم غسله بثلج والتأم كما كان ثم رده إلى مكانه. قال السبكي: وتلك العلقة خلقت في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فبإزالتها من قلبه صلى الله عليه وسلم لم يبق فيه محل قابل لإلقاء الشيطان. وعن قصة شق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم قالت حليمة: فبينا هو وأخوه يوما خلف البيوت يرعيان بهما لنا إذ جاء أخوه يشتد فقال لى ولأبيه أدركا أخى القرشى فقد جاءه رجلان فأضجعاه وشقا بطنه فخرجنا نشتد فانتهينا إليه وهو قائم منتقع اللون فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا أى بنى قال أتانى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى ثم شقا بطنى فوالله ما أدري ما صنعا. قالت فاحتملناه ورجعنا به يقول أبوه يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب فانطلقى فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه قالت فرجعنا به قالت أمه فما يردكما به وقد كنتما حريصين عليه قالت فقلت لا والله إلا أنا قد كفلناه وأدينا الحق الذى يجب علينا فيه ثم تخوفنا الأحداث عليه فقلنا يكون فى أهله قالت أمه والله ما ذاك بكما فأخبرانى خبركما وخبره قالت فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره قالت فتخوفتما عليه كلا والله إن لابنى هذا شأنا ألا أخبركما عنه إنى حملت به فلم أحمل حملا قط كان أخف على ولا أعظم بركة منه ثم رأيت نورا كأنه شهاب خرج منى، حين وضعته أضاءت له أعناق الإبل ببصرى ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان وقع واضعا يديه بالأرض رافعا رأسه إلى السماء دعاه والحقا شأنكما» اهـ. ثم بعد ذلك توفيت ءامنة ورسول الله ابن ست سنوات، فأخذه جده عبد المطلب وضمه إليه، ثم أوصى عمه أبا طالب بحفظه فجعله أبو طالب في بيته، وكان يحبه ويقدمه على أولاده، حتى إنه كان إذا أراد أن يعشي أولاده يقول: مكانكم حتى يأتي ابني محمدا، وكان أبو طالب فقيرا فأثرى وكثر ماله ببركة كفالته للمصطفى. وكانت نشأته عليه السلام طاهرة مطهرة من دنس الجاهلية وجميع العيوب والأخلاق الردية والنقائص الحسية والمعنوية، وكان المصطفى عليه السلام يدعى في قومه بالأمين لما شاهدوا من أمانته وصدق حديثه. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة سنة ارتحل به أبو طالب تاجرا نحو الشام حتى وصل إلى بصرى وكان بها راهب يسمى بحيرا اطلع في الكتب القديمة وعرف الكثير من صفات نبي آخر الزمان فتأمله فرأى من ءاياته ما دل على أنه النبي العاقب الهادي نبي هذه الأمة وذلك لأنه رأى غمامة تظله من بين القوم وهو راكب، فلما نزل تحت شجرة تهدلت أغصانها عليه حتى أظلته، فصنع بحيرا للقوم طعاما وأضافهم فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه. ثم قال لأبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود أن يروا بعض صفاته فيعرفوا أنه النبي المبعوث من العرب فربما تحيلوا على اغتياله فإنه كائن له شأن عظيم. فلما فرغوا من تجارتهم خرج به سريعا ورجع به فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه. ثم لما بلغ عليه الصلاة والسلام من العمر خمسا وعشرين سنة مضى مرة ثانية إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد في متجر، والمال الذي يتجر فيه من مال خديجة وذلك أن عمه قال له: أنا لا مال لي، وخديجة ترسل من يتجر لها فيصيبون منافع فلو جئتها لأسرعت إليك فبلغها فأرسلت إليه فقالت: أعطيك ضعف ما أعطي غيرك لأمانتك فأجاب، وخرج مع غلامها ميسرة وذلك من قبل تزويجه بها، حتى بلغا بصرى لأربع عشرة ليلة مضت من ذي الحجة سنة خمس وعشرين من الفيل فنزل في ظل شجرة بقرب صومعة راهب يسمى نسطورا فاطلع فقال لميسرة: من هذا؟ قال: رجل من قريش، فقال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، فوعاها ميسرة، ثم حضرا سوق بصرى فباع النبي المتاع وتقاضى أي طالب بثمنه وقبضه. ثم لما باع عليه السلام واشترى رجع وقد رأى ميسرة منه العجائب الكثيرة، منها: أنه اختلف مع رجل في بيع سلعة فقال له الرجل: أتحلف باللات والعزى، قال: ما حلفت بهما قط ولا أفعل، فعاد الرجل وصدقه، ورأى ميسرة أيضا ما خص به من الآيات وذلك كله مواهب من الله لا بطريق الكسب ولا من جهة الاستعداد، ومن ذلك أن الغمامة كانت تظله، فحدث ميسرة السيدة الجليلة خديجة الكبرى، ثم رأت ربح التجارة ضعف ما كان يربحه غيره فرغبت في زواجه فخطبته فيا لها من خطبة ما أسعدها وأبركها، أرسلت إليه من يقول له: ما رأيك لو تتزوج بخديجة؟ بعد هذا تقدم لخطبتها وتم الأمر وزوجه إياها والدها وكان سنها أربعين وكان النبي في الخامسة والعشرين، وكانت خديجة قد تزوجت قبله مرتين وكان لها ولدان . وقد ولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أولاد اثنان من الذكور وهما القاسم وعبد الله، وأربع من الإناث وهن: أم كلثوم وزينب ورقية وفاطمة. وولد له بعد وفاة خديجة إبراهيم من أمته مارية القبطية. فكل أولاد النبي من زوجته خديجة إلا إبراهيم فإنه كان من مارية وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة رضي الله عنها وأرضاها. في مرض النبي عليه الصلاة والسلام قبل وفاته دخلت فاطمة إليه، فطلب منها أن تقترب منه فاقتربت فسارها بشىء فبكت ثم بعد ذلك بقليل سارها بشىء آخر فضحكت. السيدة عائشة استغربت وأحبت أن تعرف ماذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم سألتها، فقالت فاطمة: ما كنت لأفشي سر النبي صلى الله عليه وسلم. ثم بعد وفاة النبي أخبرت فاطمة ماذا قال لها، أول مرة قال لها: ” إني أموت في مرضي هذا” فبكت، ثم قال لها: “أنت أول أهلي لحاقا بي” فضحكت. وهكذا كان، توفيت بعد ستة أشهر من وفاة أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة كان بنيان الكعبة قد صار ضعيفا، فجددت قريش بناءها فلما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود اختلف أشرافهم فيمن يضع الحجر موضعه فكل قبيلة تريد رفعه دون الأخرى وتنازعوا تنازعا كثيرا حتى وقف أمرهم أي في ذلك الشأن، واستمروا على ذلك نحو خمس ليال وأعدوا للقتال وتعاهدوا على الموت فقال أسنهم أبو أمية بن المغيرة: حكموا فيما بينكم أول داخل إلى المسجد ففعلوا فكان أول داخل رسول الله عليه السلام، فقالوا: هذا الأمين رضينا به، فحكم بينهم فقال: هلم ثوبا، فأتوه به فحط أي وضع الحجر الاسود فيه ثم قال: ليأخذ رئيس كل قبيلة بناحية من نواحيه وارفعوه جميعا فرفعوه جميعا ثم لما بلغوا به محله أخذه بيده فوضعه مكانه وبنى عليه، فرضوا كلهم بما جرى من حكمه بذلك، وكان ذلك يوم الاثنين عام خمس وثلاثين من مولده الشريف. والآن نكلمكم إن شاء الله عن كيفية بدء الوحي. أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة، كان يرى الرؤيا فتحصل كما رءاها تماما. ثم حبب إليه أن يختلي بنفسه قكان يذهب إلى غار حراء يمكث نحو الشهر يتحنث فيه أي يتعبد فيه، ثم يرجع إلى أهله ، وغار حراء كائن في أعلى جبل يسمى الآن جبل النور وهو على ثلاثة أميال شمالا من مكة. ثم في يوم الاثنين جاءه سيدنا جبريل وهو في الغار وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بلغ الأربعين من عمره، فقال له: اقرأ، فقال الرسول: «ما أنا بقارئ» أي ما أحسن القراءة، فضمه جبريل إليه وهذا قوى النبي صلى الله عليه وسلم لتلقي الوحي، ثم قال جبريل: اقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ» فضمه جبريل إليه ثم قال في الثالثة: اقرأ، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ» فضمه جبريل إليه ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾. فثبتت هذه الآيات في قلب النبي محمد عليه الصلاة والسلام. وعلمه جبريل الوضوء والصلاة ثم رجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى زوجته خديجة بنت خويلد فقال: «زملوني زملوني» فزملوه أي غطوه ثم أخبرها الخبر فصدقته فورا وقالت له: اثبت يا ابن عم وأبشر إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على النوائب. وإنها كانت موفقة بتوفيق الله تعالى وهي أول من ءامن بالله ورسوله من النساء حالة كونها مصدقة له فيما جاء به. ثم أخذته إلى قريب لها يقال له ورقة بن نوفل كان قد قرأ الكتب القديمة وكان يعرف العبرانية. فوصفت له ما جرى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال له: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ثم قال يا ليتني أكون قويا حين يخرجك قومك، معناه أنا كبير في السن ضعيف يا ليتني أحيا إلى حين يخرجك قومك فأنصرك. فقال له النبي: “أومخرجي هم ؟” فقال له: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي. ثم بعد ذلك صار الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وينهى عن عبادة الأصنام، ولم يكن هو قد عبد صنما في حياته قط، بل نشأ على الإيـمان بالله تعالى منذ صغره مثل كل الأنبياء. لكنه لم يكن يعرف التفاصيل كلها قبل نزول الوحي عليه، وهذا تفسير قول الله تعالى: ووجدك ضالا فهدى، أي ما كنت تعلم تفاصيل الإسلام فهداك الله إليها. وكان أول من ءامن به من النساء زوجته خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن الرجال أبو بكر الصديق. وأما أول من أسلم من الموالي فزيد بن حارثة، سبي في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام ووهبه لعمته خديجة ثم وهبته خديجة لرسول الله عليه الصلاة والسلام فلما بلغ أباه وعمه مكانه أتيا رسول الله عليه السلام فقالا: يا ابن عبد المطلب ويا سيد قومه جئناك في ولدنا فامنن علينا فإنا ندفع لك الفداء، يعني كم تريد من المال نعطيك حتى تعطينا الولد قال: وما ذاك، قالوا: زيد بن حارثة، قال: ادعوه فخيروه فإن اختاركم فلكم أي يذهب معكم من غير مال وإلا فما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء، يعني إذا اختار البقاء معي لا أسلمكم إياه قالوا: أنصفت وزيادة ، فدعاه فقال: أتعرفهما، قال: أبي وعمي، قال –أي الرسول عليه السلام: أنا من علمت وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو هما فقال: ما أختار عليك أحدا أنت مني مكان الأب والعم، فلما رأى ذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: اشهدوا أنه ابني أرثه ويرثني معناه حصل التبني فصار يدعى بابن محمد وذلك قبل التحريم فلما نزلت الآيات التي تفيد تحريم التبني صار يدعى بزيد بن حارثة. قال الله تعالى {ادعوهم لآبائهم}، وقال الله تعالى: ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين. ومما يؤكد تحريم التبني في الإسلام أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة لزيد بن حارثة. فلو كان التبني حلالا لما تزوجها الرسول لأنه من المعروف بالدين أنه لا يجوز للوالد أن يتزوج زوجة ابنه من بعده. وزينب هذه تكون ابنت عمة الرسول صلى الله عليه وسلم، أمها أميمة بنت عبد المطلب. قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجنٰكها﴾ الله تعالى أنزل هذا النص في القرءان الكريم على سيدنا محمد. زوجناكها أي صارت زوجة للنبي بالوحي الذي أنزله الله عليه من غير ولي وشاهدين. هي كانت مسرورة فرحة بهذه المزية التي خصها الله بها وشاءها وهي خصوصية مكتوبة في اللوح المحفوظ الموجود فوق السماء السابعة، فكانت تقول لنساء الرسول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. معناه أن تزوج النبي بها مسجل في اللوح المحفوظ وهذه كتابة خاصة بزينب وليس معنى الحديث كما زعم الوهابية أن الله ساكن فوق سبع سماوات. حاشا لله، تنزه الله عما يفتريه المشبهة المجسمة. هؤلاء الوهابية يعتقدون أن الله يسكن السماء وهذا كفر، وبعضهم يعتقد أن الله يجلس على العرش وهذا أيضا كفر والعياذ بالله. والحقيقة هي أن الله تعالى لا يشبه أحدا من خلقه، ليس جسما طويلا ولا قصيرا ولا سمينا ولا نحيلا، وليس له شكل ولا لون ولا وزن سبحانه، وأنه تعالى موجود قبل خلق المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان سبحانه يغير ولا يتغير، فالله تعالى لا يسكن في السماء ولا يجلس على العرش ولا يحل في مكان واحد ولا في كل مكان ومن قال بالحلول فدينه معلول، والله سبحانه الأعلى من كل شيء قدرا لا مكانا وهو سبحانه الأكبر من كل شيء قدرا لا حجما. هذه العقيدة لا ينكرها مسلم في الأرض ولا في السماء، هذه عقيدة الملائكة وكل الأنبياء، وهي عقيدة أهل السلف والخلف من المسلمين، وهي العقيدة المنجية يوم القيامة من الخلود الأبدي في النار. وبيان ذلك أن الله هو الخالق، وكل ما سوى الله مخلوق. والخالق تعالى لا يشبه المخلوقات ولا يحتاج إليها، قال تعالى: {ليس كمثله شيء} وقال سبحانه: {فإن الله غني عن العالمين} ، ومن جملة العالمين السماء والعرش والجهات الست وكل الأمكنة، فالله سبحانه غني عنها وعن غيرها كما أخبر، فالله تعالى لا يسكن السماء ولا أي مكان آخر، وهو تعالى لا يجلس على العرش، إذ الساكن في شيء أو الجالس على شيء لا يكون غنيا عنه بل يكون بحاجة إليه، والمحتاج ضعيف لا يستحق الألوهية. فمن زعم أو اعتقد أن الله تعالى ساكن في السماء أو متحيز فوقها، أو جالس على العرش أو حال في كل مكان أو في مكان واحد، لا يكون من المسلمين لأنه كذب قول الله تعالى {فإن الله غني عن العالمين}. وأما من قال بقول أهل السنة إن الله تعالى استوى على العرش استواء يليق به سبحانه لا كما يخطر للبشر، فاعتقاده سليم لأنه لم يعتقد أن الله تعالى جسم جالس أو مستقر على العرش. واعلم أن من قال الله في السماء بمعنى أنه سبحانه عالي القدر جدا فاعتقاده سليم لأنه لم يعتقد أن الله ساكن فيها. واعلم رحمك الله أن الله تعالى ليس جسما، قال الله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} ، وقال الله تعالى: {ليس كمثله شيء}، معناه أن الله لا مثيل له ولا شبيه له ولا نظير له بأي وجه من الوجوه، لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه. فالله تعالى ليس جسما كبيرا ولا صغيرا ولا طويلا ولا قصيرا ولا سمينا ولا نحيلا، الله سبحانه ليس له طول ولا عرض ولا لون ولا وزن ولا سمك ولا تركيب ولا يوصف بصفات الأجسام سبحانه لأنه ليس حجما. ثم لو كان الله الخالق يشبه المخلوق لجاز عليه ما يجوز على المخلوق من عجز وموت ومرض وألم وهذا محال على الله، ولكان له سبحانه أمثال لا تعد ولا تحصى وهذا أيضا محال. واعلم كذلك أن أهل السنة والجماعة لا يصفون الله بالكيف وهو كل ما كان من صفات المخلوقات، إنما يقولون: الكيف عنه مرفوع أي أن الكيفيات كلها مستحيلة على الله كما ثبت عن الإمام مالك، وهو رضي الله عنه لم يقل (الكيف مجهول) بل قال والكيف عنه مرفوع أي غير معقول، معناه لا يجوز على الله تعالى. واعلم رحمك الله أن من اعتقد أن الله جسم أو يشبه الأجسام أو اعتقد أن الله ساكن في السماء أو في مكان آخر أو منتشر في كل مكان، فليس بمسلم ولا هو مؤمن لأن في قلبه خللا في أصل العقيدة، وهذا كمن يعتقد أن لله تعالى زوجة أو ولدا، لا ينفعه أن يقول بلسانه أنا مسلم، ولا يقبل منه وضوء ولا صلاة ولاصيام ولا حج ولا زكاة، ويجب على كل منهما تصحيح عقيدته والنطق بالشهادتين ليصير من المسلمين. والشهادتان هما: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، أو ما يعطي هذا المعنى كأن يقول: لا رب إلا الله محمد نبي الله. هذه عقيدة التنزيه وهي عقيدة أهل السنة والجماعة نصرهم الله، وتنزيه الله معناه نفي النقص عن الله. أهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه من الصفات من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف، وليس هذا منهم تعطيلا ولا نفيا لصفات الله تعالى. فإذن قول أم المؤمنين زينب بنت جحش لنساء الرسول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. معناه أن تزوج النبي بها بهذه الخصوصية اي بلا ولي وشاهدين مسجل في اللوح المحفوظ وهذه كتابة خاصة بها رضي الله عنها. وليعلم أن زيد بن حارثة هو الصحابي الوحيد المذكور باسمه في القرءان الكريم قال تعالى: ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجنٰكها﴾ وهو أول من أسلم من الموالي.