#11
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
(كتاب الـجهاد)
أى هذا كتاب معقود فـى بيان أحكام الـجهاد أى القتال فـى سبيل اللـه لإقامة دين اللـه عز وجل قال رسول اللـه ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتـى يشهدوا أن لا إلــٰه إلا اللـه وأن مـحمدا رسول اللـه. والـجهاد إما أن يكون فرضا كفائيا على المسلميـن فـى كل سنة مرة على الأقل إذا كان الكفار فـى بلادهم وإما أن يكون فرضا عينيا على أهل البلد إذا دخله الكفار. وأفضل الـجهاد الآن الـجهاد بالبيان بتعليم عقيدة أهل السنة والتحذير من الكفر وأهل الضلال.
(وشرائط وجوب الـجهاد) إن لـم يطإ الكفار بلاد المسلميـن (سبع خصال الإسلام) فلا جهاد على كافر (والبلوغ) فلا جهاد على صبـى (والعقل) فلا جهاد على مـجنون (والـحريـة) فلا جهاد على رقيق (والذكوريـة) فلا جهاد على امرأة (والصحة) فلا جهاد على مريض يـمنعه مرضه عن القتال كحمى مطبقة (والطاقة) بالبدن والمال (على القتال). أما إذا وطء الكفار بلاد المسلميـن وجب القتال على كل مطيق يستوى فـى ذلك الرجل والمرأة والـحر والعبد والأعرج والمريض.
(ومن أسر) أى من أسره المسلمون (من الكفار فعلى ضربيـن) أى نوعيـن (ضرب يكون رقيقا بنفس السبـى) أى يصيـرون رقيقا بأخذهم قهرا (وهم الصبيان والنساء) أى صبيان الكفار ونساؤهم (وضرب) ثان من الأسرى (لا يرق بنفس السبـى وهم الرجال) من الكفار الأصلييـن (البالغون) العاقلون الأحرار (والإمام) أو أميـر الـجيش (مـخيـر) فيهم (بيـن أربعة أشياء القتل والاستـرقاق) أى اتـخاذهم رقيقا (والمن) عليهم بتخلية سبيلهم (والفدية) إما (بالمال أو بالرجال) الأسرى من أسرى المسلميـن (يفعل) الإمام (من ذلك) أى من الـخصال الأربع بالاجتهاد (ما فيه المصلحة) للمسلميـن.
(ومن أسلم) من الكفار (قبل) أن يقع فـى (الأسر) فـى أيدى المسلميـن (أحرز) أى عصم بإسلامه (ماله) من أن يغـنم (ودمه) من أن يسفك (وصغار أولاده) الأحرار من أن يسبوا وحكم بإسلامهم تبعا له فيعاملون معاملة المسلميـن بـخلاف أولاده البالغيـن فلا يعاملون معاملة المسلميـن تبعا لإسلامه. وإسلام الكافر بعد سبـى امرأته لا يـمنع استـرقاقها فإن استـرقت صارت أمة كافرة وانقطع نكاحهما فـى الـحال لأن المسلم لا يـجوز أن يتزوج أمة كافرة.
(ويـحكم للصبـى) أى والصبية (بالإسلام) أى يعامل معاملة المسلم (عند وجود ثلاثة أشياء) أى بثلاثة أسباب وهى (أن يسلم أحد أبويه) فيحكم بإسلامه تبعا له (أو يسبيه) أى يستـرقه (مسلم) فيحكم بإسلامه تبعا لمن أسره واستـرقه إن وجده (منفردا عن أبويه أو يوجد لقيطا) أى تـم التقاطه (فـى دار الإسلام) وهى الدار التـى دخلت تـحت ملك المسلميـن وحكمهم وإن منعهم الكفار منها بعد ذلك فيحكم بإسلامه حينئذ.
(فصل) فـى أحكام السلب وقسم الغنيمة.
والسلب هو أخذ ما يتعلق بقتيل كافر من نـحو ملبوس وسلاح ودابـة.
(ومن قتل) فـى سبيل اللـه (قتيلا) أى رجلا كافرا (أعطى) القاتل (سلبه) كالثـياب التـى عليه والـخاتـم والسوار الذى فـى يده والطوق الذى فـى رقبته والـخف الذى على قدمه والران الذى على ساقه والسيف والرمح والدابـة التـى قاتل عليها أو أمسكها بيده والسرج الذى يوضع على ظهر الدابـة واللجام الذى تـمسك به. وإنـما يستحق القاتل سلب الكافر إذا كان مسلما وخاطر بنفسه حال الـحرب فـى قتله قال رسول اللـه ﷺ من قتل قـتيلا فله سلبه.
وأما الغنيمة فهى ما أخذ من مال وغيره من كفار أصلييـن حربييـن بقتال كخيل وإبل وسفن وكلاب صيد أو حراسة ونـحوها.
(وتقسم الغنيمة) كأرض وبيوت وشجر ودواب وذهب وفضة (بعد ذلك) أى بعد إخراج السلب منها وبعد إخراج المؤن اللازمة للجيش كأجرة حـمال وطـباخ وغيرهـما (على خـمسة أخـماس) متساوية (فيعطى أربعة أخـماسها لمن شهد الوقعة) أى حضر المعركة بنيـة القتال أو حضر لا بنية القتال لكنه قاتل (ويعطى للفارس) وهو الذى حضر الوقعة بفرس مهيإ للقتال عليه وإن لـم يركبه (ثلاثة أسهم) سهم له وسهمان لأجل فرسه (وللراجل) وهو المقاتل على رجليه (سهم) واحد.
(ولا يسهم) أى لا يعطى سهم من الغنيمة (إلا لمن استكملت فيه خـمس شرائط الإسلام والبلوغ والعقل والـحريـة والذكوريـة) وشرط سادس وهو الصحة أى أن يكون قادرا على القتال (فإن اختل شرط من ذلك) بأن كان المقاتل صغيـرا أو مـجنونا أو رقيقا أو أنثى أو ذميا أو زمنا (رضخ له) أى أعطاه الإمام شيئا دون السهم بـحسب اجتهاده (ولـم يسهم له).
(ويقسم الـخمس) الباقـى (على خـمسة أسهم سهم لرسول اللـه) ﷺ وهو الذى كان له فـى حياته و(يصرف بعده) أى بعد موته عليه الصلاة والسلام (للمصالح) المتعلقة بالمسلميـن للقضاة وعلماء الـحديث والتفسيـر والفقه وللمؤذنيـن ومعلمى القرءان والدين فإنـهم يعطون من هذا القسم الذى كان لرسول اللـه ﷺ وهو خـمس الـخمس (وسهم لذوى القربـى) أى قربـى رسول اللـه ﷺ (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) أى من نسب إليهما من جهة الأب (وسهم لليتامى) المسلميـن أى غير البالغيـن الذين لا أب لـهم (وسهم للمساكيـن) أى وللفقراء (وسهم لابن السبيل) وهو الذى يريد السفر من بلد الغنيمة ولا يـجد مؤنـة السفر أو كان مارا ببلد الغنيمة وانقطع فإنه يعطى من المال ما يـحتاجه لإكمال سفره وعودته إلـى بلده إن كان سفره فـى غير معصية.
(فصل) فـى قسم الفىء على مستحقيه.
والفىء شرعا هو المال الذى يأخذه المسلمون من الكفار بغير قـتال كالمال الذى تركه الكفار فزعا من المسلميـن والمال الذى تركه المرتد بعد موته ومال الـجزيـة ومال الذمى الذى لا وارث له والمال الذى يدفعه الكفار إذا دخلوا دار الإسلام بتجارة فإنـهم يدفعون العشر.
(ويقسم مال الفىء على خـمس فرق) أى خـمسة أخـماس متساوية و(يصرف خـمسه) وجوبا (على من يصرف عليهم خـمس الغنيمة) أى على الأصناف الـخمسة الذين يصرف عليهم خـمس الغنيمة الذين ذكرهم اللـه فـى القرءان بقوله ﴿ما أفاء اللـه على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربـى والـيتامى والمساكيـن﴾ أى وللفقراء ﴿وابن السبيل﴾. وذوو القربـى هم بنو هاشم وبنو المطلب. (ويعطى أربعة أخـماسها للمقاتلة) الذين عـينهم الإمام للجهاد وأثبت أسـماءهم فـى ديوان المرتزقة فإنـهم يعطون من الفىء لا من الزكاة على قدر حاجاتـهم وحاجات من تـجب عليهم نفقتهم.
(و)إذا فضل عن حاجات المرتزقة شىء صرف (فـى مصالح المسلميـن) وهى كثيرة ومن المصالح العلماء والدعاة وحفاظ القرءان لأن بـهؤلاء يـحفظ المسلمون.
(فصل) فـى أحكام الـجزية.
وهى مال يدفعه الكافر فـى مقابل أن يأذن له الـخليفة بالإقامة بدار الإسلام وعقد الـجزية يـفيد الكافر الأمان قال اللـه تعالـى ﴿حتـى يعطوا الـجزيـة عن يد وهم صاغرون﴾. وأركان الـجزيـة خـمسة عاقد وهو الإمام أى الـخليفة أو نائبه الـخاص الذى أذن له فـى عقد الـجزية ومعقود له وهو دافع الـجزية ومكان وهو دار الإسلام ما عدا الـحجاز ومال وصيغة ويشتـرط فـى الصيغة عدم التعليق والتأقيت كأن يقول الإمام أذنت فـى إقامتكم بدار الإسلام غير الـحجاز على أن تدفعوا الـجزيـة وهى كذا وكذا وتنقادوا لـحكم الإسلام أى فـى الأمور التـى يعتقدون حرمتها كالزنـى والسرقة ويشتـرط لصحة عقد الـجزية قبولـهم لفظا أما المكان الذى تعقد لـهم فيه الـجزيـة فهو دار الإسلام ما عدا الـحجاز كمكة والمدينة وجدة والطائف فلا يؤذن لـهم بالإقامة فيه. وحكم الـجزيـة باق إلـى نزول سيدنا عيسى عليه السلام ولا جزيـة بعد نزوله فالكافر ليس له عندئذ إلا الإسلام أو القتل.
(وشرائط وجوب الـجزيـة خـمس خصال) أى لا بد من وجود خـمس خصال فـى المعقود له حتـى تؤخذ الـجزيـة منه فإذا وجدت هذه الشروط وعقد له الإمام الـجزيـة أمن على ماله وزوجته وأولاده الصغار فلا يؤخذ ماله ولا تسبـى زوجته ولا ولده وهذه الشروط هى (البلوغ والعقل) فلا جزيـة على صبـى ومـجنون (والـحريـة والذكوريـة) فلا جزية على رقيق وأنثى (وأن يكون) من عقد له الإمام الـجزية (من أهل الكتاب) أى من كان أجداده دخلوا فـى اليهوديـة قبل بعثة عيسى عليه السلام أو من كان أجداده دخلوا فـى الـنصرانيـة قبل بعثة مـحمد عليه الصلاة والسلام فلا يقر بالـجزيـة من تـهود بعد بعثة عيسى (أو) تنصر بعد بعثة مـحمد عليهما الصلاة والسلام. وتؤخذ الـجزيـة أيضا (مـمن له شبهة كتاب) كالمجوس فقد جاء عن سيدنـا علـى رضى اللـه عنه أنه قال إن المجوس كان لـهم كتاب وعلم يدرسونه رواه أبو داود من حديث ابن عمر، أى كانوا على الإسلام وكان لـهم كتاب سـماوى وعلم يدرسونه ثـم ملكهم شرب الـخمر فسكر فوقع على أخته ثـم لما صحا تسامع الناس بأمره فجمع رؤساء من رعيته فقال لـهم ءادم أيضا كان يزوج بـنيه من بناته فلا يـجوز لنا أن نقبح ما فعله ءادم فقالوا له ما فعله ءادم كان حلالا فـى شريعته أما ما فعلته أنت فهو حرام. فبعضهم خالفوه وأنكروا عليه فقتل من قتل منهم حتـى مشى رأيه وبعضهم وافقوه فرضى عنهم. قال سيدنا علـى فلما فعلوا ذلك أسرى بكتابـهم أى رفع من بينهم وفقدوه وأخذ من قلوبـهم ذلك العلم الذى كان فيهم وهو علم الإسلام فعبدوا النار والعياذ باللـه.
(وأقل الـجزيـة دينار) أى أقل ما تعقد عليه الـجزيـة فهو دينار من الذهب (فـى كل حول) أى سنة ويـجوز للإمام أن يطلب أكثر من دينار كأن (يؤخذ من المتوسط) الـحال (ديناران ومن الموسر أربعة دنانيـر استحبابـا).
(ويـجوز) أى يسن للإمام إذا صالـح الكفار على الـجزيـة فـى بلدهم أو فـى دار الإسلام (أن يشتـرط عليهم الضيافة) للمسلميـن إذا مروا بـهم ثلاثة أيـام فأقل (فضلا) أى زيادة (عن مقدار) أقل (الـجزيـة) إن رضوا بذلك.
(ويتضمن عقد الـجزيـة أربعة أشياء) معناه أربعة أشياء يلزم بـها الكفار بعقد الـجزيـة وهى (أن يؤدوا الـجزيـة وأن تـجرى عليهم أحكام الإسلام) فإن أتلفوا شيئا لمسلم يطالبون بضمانه وإن فعلوا ما يعتقدون تـحريـمه كالزنـى والسرقة أقيم عليهم الـحد بـخلاف ما لا يعتقدون حرمته كشرب الـخمر (وأن لا يذكروا دين الإسلام إلا بـخيـر) أى أن لا يطعنوا فـى دين الإسلام أو القرءان بـما لا يدينون به أما ما يدينون به فيمنعون من إظهاره وإلا عزروا (وأن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلميـن) أى أن لا يكونوا عيونا للكفار الـحربييـن وأن لا يـمكنوا جواسيسهم من الدخول إلـى بلاد المسلميـن فيكونون عينا فـى كشف مواضع ضعف المسلميـن.
(ويعرفون) أى أهل الذمة (بلبس الغيار) بأن يـجعل الذمى على كتفه شيئا يـخالف لونه لون ثوبه ليتميز عن المسلميـن (وشد الزنـار) وهو خيط غليظ يشد فوق الثـياب أما المرأة وإن كانت تشده تـحت الإزار إلا أنـها تظهر شيئا منه حتـى تعرف أنـها من أهل الذمة فأهل الذمة يؤمرون بلبس الغيار أو لبس الزنـار حتـى يعرفوا أنـهم من أهل الذمة فيعاملهم المسلمون معاملة خاصة بـهم.
(كتاب) أحكام (الصيد والذبائح)
والصيد بـمعنـى المصيد أى ما يصطاد والذبائح ما يذبح قال اللـه تعالـى ﴿وإذا حللتم﴾ أى من إحرامكم ﴿فاصطادوا﴾ وقال تعالـى ﴿إلا ما ذكيتم﴾ أى إلا إذا أدركها من يـحل ذبـحه وبـها حياة مستقرة فذبـحها حلت. وأركان الذبح أربعة ذابح وذبيح وذبح وءالة للذبح.
(وما قدر على ذكاته) أى ذبـحه من حيوان بـرى مأكول (فذكاته فـى حلقه) وهو أعلى العنق أو فـى (لـبته) وهى أسفل العنق بقطع حلقومه وهو مـجرى الـنفس ومريئه وهو مـجرى الطعام والشراب. ويسن فـى البقر الذبح مضجعة على جنبها الأيسر أما الإبل فيذبح قائما ويسن للذابح أن يـحد شفرته قال رسول اللـه ﷺ إن اللـه كتب الإحسان على كل شىء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبـحتم فأحسنوا الذبـحة ولـيحد أحدكم شفرته ولـيـرح ذبيحته رواه مسلم. ويسن أن يوجه الذبيحة إلـى القبلة وأن يسمى اللـه تعالـى عند الذبح. وأما الـحيوان المأكول الـبحرى وهو ما لا يعيش إلا فـى الماء فيحل أكله بلا ذبح وكذا الـجراد لقوله ﷺ أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والـجراد، والدمان هـما الكبد والطحال.
(وما لـم يقدر على ذكاته) أى ذبـحه إما لكونه وحشيا كالغزال والـحمار الوحشى أو إنسيا كثور أو بعيـر ند ولـم يقدر على الإمساك به لذبـحه (فذكاته عقره) أى رميه بنحو سهم أو رمح (حيث قدر عليه) أى فـى أى موضع من بدنه أصبته فمات حل أكله وكذا إن أدركته حيا بعد رميه فذبـحته.
(ويستحب فـى الذكاة) وفـى بعض الـنسخ وكمال الذكاة الـجمع بيـن (أربعة أشياء قطع الـحلقوم) أى قطع جـميعه (و)قطع (المريء) جـميعه وهـما واجبان وقطعهما يكون دفعة واحدة أما إذا كان قطعهما فـى دفعتين كأن قطع المريء أولا ثم قطع الحلقوم وكان بينهما فاصل طويل فيشترط وجود حياة مستقرة للحيوان عند ابتداء قطع الـحلقوم ويعرف ذلك بنحو تفجر الدم (و)يستحب مع قطعهما قطع (الودجيـن) وهـما عرقان فـى جانبـى العنق مـحيطان بالـحلقوم (والمجزئ منها) أى من هذه الأربعة (شيئان قطع الـحلقوم والمريء) فقط.
(ويـجوز الاصطياد) ويـحل أكل ما يصطاد (بكل جارحة معلمة من السباع) كالكلب والفهد (ومن جوارح الطـيـر) كالصقر والـباز لقوله تعالـى ﴿أحل لكم الطيـبات وما علمتم من الـجوارح﴾ أى وأكل صيد ما علمتم من الـجوارح. (وشرائط تعليمها) أى كون الـجوارح معلمة ويـحل الاصطياد بـها (أربعة أن تكون إذا أرسلت استـرسلت) أى إذا أرسلها صاحبها للصيد أطاعته (وإذا زجرت انزجرت) أى إذا زجرها صاحبها كأن أمرها بأن تـقف طاوعته وهو شرط فـى السبع دون الطيـر (وإذا قتلت صيدا) بعد إرسالـها بأنيابـها أو أظفارها أو بثقلها (لـم تأكل منه شيئا) لا عند الصيد ولا عقبه (وأن يتكرر ذلك منها) أى ما تقدم من الشروط بـحيث تصيـر عادة لـها (فإن عدمت إحدى الشرائط لـم يـحل ما أخذته) الـجارحة (إلا أن يدرك حيا فيذكى) تذكية المقدور عليه فيحل حينئذ (وتـجوز الذكاة بكل ما يـجرح) بـحده (إلا بالسن) لأنه عظم (والظـفر) فلا تصح التذكـية بـهما. أما ما يقتل بالرصاص فميتة إلا أن يدرك حيا بـحياة مستقرة فيذبح وعلامة استقرار الـحياة أن تشتد حركته بعد الذبح ويتدفق دمه ومن أراد الصيد ببندق الرصاص يشتـرط أن يكون قويـا فـى الرماية حتى لا يصيبه فـى مقتل وأن يتحمل الصيد ذلك بـحيث لا يـموت منه غالبا كالإوز.
(وتحل ذكاة كل مسلم) ذكرا كان أو أنثى ولو صبيا مـميزا (و)كل (كتابـى) يهودى أو نصرانـى إن كان يـحل لنا نكاح نساء ملته أما غيـر اليهود والنصارى الذين لا يـحل لنا نكاح نسائهم فلا تـحل ذبائحهم وأما الصابئة فإن وافقوا النصارى فـى أصول دينهم جاز نكاح نسائهم وأكل ذبائحم أما الذين يعبدون الكواكب أى النجوم فلا يـجوز نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم. ويكره ذبح المجنون والسكران ويكره ذبح الأعمى للمقدور عليه ولا يـحل صيده (ولا تـحل ذبيحة مـجوسى ولا وثنـى) ولا ذبيحة مرتد. ويـجوز الأكل من ذبيحة الفاسق أو الكتابـى الذى تـحل ذبيحته إن أخبـر أنه ذبـحها فوقع فـى القلب صدقه.
(و)تـحصل (ذكاة الـجنيـن بذكاة أمه) لقوله ﷺ ذكاة الـجنيـن ذكاة أمه أى يـحل أكله بذكاة أمه فلا يـحتاج لذبح (إلا أن يدرك حيا) بـحياة مستقرة (فيذكى) أى يذبح ليحل أكله.
(وما قطع من) حيوان (حى فهو ميت) أى حكمه حكم الميتة فهو نـجس إن لـم يكن من سـمك وجراد وءادمى (إلا الشعور) المنفصلة من حيوان مأكول (المنتفع بـها فـى المفارش وغيرها) كشعر الماعز والصوف كصوف الضأن والريش كريش البط والوبر كوبر الإبل فإنـها طاهرة.
(فصل) فـى أحكام الأطعمة.
(وكل حيوان استطابته العرب) الذين كانوا أيـام النبـى ﷺ أى عدوه طـيـبا وكانوا أهل رخاء أى لـم يكونوا فـى مـجاعة وكانت طباعهم سليمة (فهو حلال إلا ما ورد الشرع بتحريـمه) أى إلا ما جاء فـى الشرع تـحريـمه فلا يرجع فيه لاستطابتهم له (وكل حيوان استخبثته العرب) أى عدوه خبيثا (فهو حرام إلا ما ورد الشرع بإباحته) فلا يكون حراما قال اللـه تعالـى ﴿ويـحل لـهم الطـيـبات ويـحرم عليهم الـخبائث﴾.
(ويـحرم من السباع ما له ناب قوى يعدو به) أى يهاجم به غيره من الـحيوانات ويقتله كالأسد والببـر والنمر والفهد والذئب والدب والفيل والقرد والكلب والـخنزير وابن ءاوى (ويـحرم من الطيور ما له مـخلب) أى ظفر (قوى يـجرح به) كصقر وباز ونسر.
ومـما يـحرم أكله البغل والـحمار الأهلـى والزرافة والببغا والطاووس والـحشرات وهى صغار دواب الأرض كالـحية والعقرب والفأرة والـنمل والذباب والـنحل والبـرمائيات كالتمساح والضفدع والسرطان.
ومـما يـحل أكله الـخيل وحـمار الوحش والثعلب والضبع والنعامة والدجاج والبط والإوز والضب والأرنب والـيـربوع والسنجاب والقنفذ والـحمام والعصافيـر.
(ويـحل للمضطر) وهو الذى يغلب على ظـنه أنه يهلك إن لـم يأكل ولـم يـجد حلالا يأكله (فـى المخمصة) أى شدة الـجوع فله عندئذ (أن يأكل من الميتة ما يسد به رمقه) أى القدر الذى يـقيه الـهلاك.
(ولنا ميتتان حلالان السمك) وهو الذى لا يعيش إلا فـى الماء وإن كانت صورته صورة كلب أو خنزير (والـجراد و)لنا (دمان حلالان الكبد والطحال) أما الدم المسفوح أى السائل فلا يـحل.
(فصل) فـى أحكام الأضحية.
وهى ما يذبح من الإبل أو البقر أو الغنم يوم عيد الأضحى وأيـام الـتشريق تقربا إلـى اللـه قال اللـه تعالـى ﴿فصل لربك وانـحر﴾ أى انـحر الأضحية.
(والأضحية سنة مؤكدة) على الكفاية فـى حق المسلم البالغ العاقل الـحر أى إذا أتى بـها واحد من أهل البيت الذين هم فـى نفقة واحدة سقط الطـلب عن الباقيـن وإن تركوها كره لـهم قال رسول اللـه ﷺ أمرت بالـنحر وهو سنة لكم.
(ويـجزئ فيها) أى الأضحية (الـجذع من الضأن) وهو الذى استكمل سنة أو أسقط مقدم أسنانه (و)الثنـى من (المعز) وهو الذى استكمل سنتيـن (و)الثنـى من (الإبل) وهو الذى استكمل خـمس سنيـن (و)الثنـى من (البقر) وهو الذى استكمل سنتيـن (وتـجزئ البدنة) من الإبل (عن سبعة) يشتـركون فيها (والبقرة عن سبعة) كذلك (و)تـجزئ (الشاة عن) شخص (واحد).
(وأربع لا تـجزئ فـى الضحايـا) أى لا تصح أن تكون أضحية وهى (العوراء الـبـيـن عورها) أى عورها شديد والعور بياض يـمنع الضوء (والعرجاء الـبـيـن عرجها) أى بـها عرج ظاهر يـجعلها تتخلف عند مشيها إلـى المرعى (والمريضة الـبـيـن مرضها) أى مرضها شديد يـجعلها هزيلة والـجرباء (والعجفاء) وهى (التـى ذهب مـخها من الـهزال) أى ذهب دهن عظامها بسببه بـحيث لـم يعد يرغب بـها أهل الرخاء من طلبة اللحم ولا تـجزئ الـحامل وقريبة العهد بالولادة (ويـجزئ الـخصى) أى المقطوع الـخصيتيـن (والمكسورة القرن) إن لـم يؤثر ذلك فـى لـحمها (ولا تـجزئ المقطوعة الأذن و)لا المقطوعة (الذنب).
(ووقت الذبح من وقت صلاة العيد) أى يدخل وقته بعد دخول وقت صلاة عيد الأضحى بقدر ركعتيـن وخطبتيـن (إلـى غروب الشمس من ءاخر أيام الـتشريق) أى يـخرج وقته بغروب شـمس اليوم الثالث من أيـام التشريق التـى تلـى يوم العيد.
ويستحب للرجل أن يذبح بنفسه ويستحب للمرأة أن توكل رجلا يذبح عنها ويسن للذابح أن ينوى أنه يذبح عن نفسه أو عن غيره تقربا إلـى اللـه (ويستحب عند الذبح خـمسة أشياء التسمية) أى قول بسم اللـه (والصلاة على النبـى) ﷺ (واستقبال القبلة) بأن يستقبل القبلة ويوجه ذبيحته إليها (والتكبيـر والدعاء بالقبول) فيقول بسم اللـه واللـه أكـبـر وصلى اللـه وسلم على رسول اللـه اللهم هذه منك وإليك فتقبل منـى أو تقبل من فلان صاحبها إن كان يذبح عن غيره، ومعنى هذه منك وإليك نعمة منك على تقربت بـها إليك فتقبلها منـى.
(ولا يأكل المضحى) ولا من تلزمه نفقته (شيئا من الأضحية المنذورة) كأن قال نذرت هذه الشاة أضحية. (ويأكل من الأضحية المتطوع بـها) أى يسن له الأكل منها ولو لـقمة (ولا يبيع) شيئا (من الأضحية) ولا يعطى شيئا منها أجرة للجزار (ويطعم الفقراء والمساكيـن) من لـحمها وجوبـا ولو فقيـرا واحدا. ويستحب لمن أراد أن يضحى ودخل عليه العشر من ذى الـحجة أن يـمسك عن قص الظفر وإزالة الشعر إلـى أن يذبح.
(فصل) فـى أحكام العقيقة.
وهى ما يذبح عن المولود فـى اليوم السابع من ولادته.
(والعقيقة مستحبة) بل هى سنة مؤكدة فـى حق من تلزمه نفقة المولود لـحديث التـرمذى الغلام مرتـهن بعقيقته معناه لا يشفع فـى والديه يوم القيامة إن لـم يعق عنه قاله الإمام أحـمد وقال الـخطابـى إنه أجود ما قيل فيه. (وهى) أى العقيقة شرعا (الذبيحة عن المولود) ووقتها من حيـن ولادته إلـى بلوغه وتسن (يوم سابعه) أى يوم سابع ولادته بـحساب يوم الولادة من السبع.
(ويذبح) أى من تـجب عليه نفقة المولود (عن الغلام) أى الذكر (شاتـان) متساويتان فـى السن وهو الأكمل وتـجزئ شاة واحدة يـحصل بـها أصل السنة (وعن الـجارية) أى الأنثى (شاة) واحدة وتتعدد العقيقة بتعدد الأولاد (ويطعم) من العقيقة (الفقراء والمساكيـن) ويهدى منها المسلمين الفقراء والمساكيـن. ويـجزئ فـى العقيقة أن يذبح جذعا من الضأن أو ثنيا من المعز أو الإبل أو البقر كما فـى الأضحية. وحكم العقيقة كحكم الأضحية فـى الأكل منها والتصدق ببعضها وعدم بيعها.
ويسن أن يؤذن فـى أذن المولود اليمنـى ويقيم فـى أذنه اليسرى أول ولادته ويسن أن يـحنكه بتمر أو حلو غيره فيمضغه ويدلك به حنكه داخل فمه لينزل منه شىء إلـى الـجوف. ويسن أن يـحلق له شعره فـى اليوم السابع بعد الذبح ويتصدق بزنة شعره ذهبا أو فضة وأن يسميه فـى اليوم السابع باسم حسن كعبد اللـه وعبد الرحـمـٰن ولا بأس أن يسمى قبل اليوم السابع وتكره تسميته باسم قبيح ولا تفوت التسمية بالموت بل يسن تسميته ولو كان سقطا إذا نفخت فيه الروح.
(كتاب) أحكام (السبق والرمى)
والسبق شرعا المسابقة على الـخيل والإبل ونـحوها وأما الرمى فهو الرمى بالسهام والرماح ونـحوها.
(وتصح المسابقة على الدواب) التـى تنفع فـى القتال كالـخيل والإبل والبغال والـحميـر والفيلة (و)تصح (المناضلة) أى المراماة (بالسهام) والرماح والـحجر باليد والمقلاع والمنجنيق وبكل ما ينفع فـى الـحرب (إذا كانت المسافة) ما بيـن الراكبيـن والغاية التـى ينتهيان إليها والمسافة ما بيـن موقف الرامى والغرض الذى يرمى إليه (معلومة) بالأميال أو بالمشاهدة (و)كانت (صفة المناضلة معلومة) بأن يبيـن المتسابقان من يرمى أولا (ويـخرج العوض أحد المتسابقيـن حتـى إنه إذا سبق استـرده) أى استـرد المال الذى أخرجه (وإن سبق أخذه صاحبه) السابق (له وإذا أخرجاه معا) أى إذا أخرج المتسابقان العوض معا (لـم يـجز) لأنه قمار (إلا أن يدخلا بينهما) شخصا ثالثا يسمى (مـحللا) لا يـخرج عوضا وسـمى مـحللا لأنه بدخوله يـحل لـهما المسابقة ويـخرج العقد عن صورة القمار (فإن سبق) أى المحلل كلا من المتسابقيـن (أخذ العوض) الذى أخرجاه (وإن سبق لـم يغرم) لـهما شيئا ويأخذ العوض الذى أخرجاه السابق منهما. ومن شروط صحة المسابقة والمناضلة بالإضافة إلـى الشرطـيـن السابقيـن تعييـن المركوبيـن فـى العقد عينا أو صفة كأن يقولا تسابقنا على هذين الفرسيـن أو تسابقنا على فرسيـن صفتهما كذا وكذا وإمكان سبق كل منهما للآخر أما لو كان أحد الفرسيـن ضعيفا والآخر نشيطا فلا يصح العقد وإمكان قطع كل من الفرسيـن المسافة بلا انقطاع ولا تعب شديد وتعييـن الراكبيـن عينا ويشتـرط أن يركبا المركوبيـن فلا يصح إرسالـهما بدون راكبيـن ولا بد أن يكون العوض أى المال المشروط معلوما.
والمسابقة عقد لازم فـى حق ملتزم العوض فليس للملتزم الفسخ.
(كتاب الأيـمان والنذور)
أى هذا كتاب خاص بأحكام الأيـمان والنذور والـيميـن شرعا لفظ يدل على التزام فعل شىء أو تركه أو تأكيد للمحلوف عليه بذكر اسم اللـه أو صفة من صفات ذاته فقد روى الـبخارى أنه ﷺ كان يـحلف فيقول لا ومقلب القلوب أو والذى نفس مـحمد بيده.
وأركان اليميـن ثلاثة حالف ومـحلوف عليه أى شىء يـحلف عليه ومـحلوف به أى ما يـحلف به كقول الـحالف واللـه لا أفعل فالـحالف هو المتكلم والمحلوف به هو لفظ الـجلالة اللـه والمحلوف عليه عدم الـتكلم. ويشتـرط فـى الـحالف البلوغ والعقل والاختيار والنطق وقصد اللفظ أى أن يكون بالغا عاقلا فلا يثبث يـميـن الصبـى والمجنون وأن يكون مـختارا فلا يثبت يـميـن المكره ويشترط النطق به فلا يكفى إجراء اللفظ على القلب وأن يكون قاصدا اللفظ فلا يثبت يـميـن من سبق لسانه.
وأما الشرط فـى المحلوف به فقد بينه المؤلف رحـمه اللـه بقوله (لا ينعقد الـيميـن إلا باللـه تعالـى) أى بلفظ الـجلالة كقول الـحالف واللـه (أو باسم من أسـمائه) الـخاصة به كالرحـمـٰن والرزاق والرازق والـخالق أما الأسـماء التـى تطلق على اللـه وتطلق على غير اللـه فتنعقد بـها اليميـن إلا إذا نوى بـها غير اللـه (أو) حلف بلفظ يدل على (صفة من صفات ذاته) فإن يـمينه تنعقد. أما من حلف باللـه كذبا كأن قال واللـه لـم أفعل وهو يعلم أنه فعل وقع فـى معصية كبيـرة لأن الـحلف باللـه كذبـا تـهاون فـى تعظيم اللـه وتـجب عليه الكفارة. ولا تنعقد الـيميـن بـمخلوق كالنبـى ﷺ والكعبة بل يكره ذلك كراهة شديدة وهذا إن لـم يعظم المحلوف به كتعظيمه للـه فإن عظمه كتعظيمه للـه فقد أشرك وهذا معنـى حديث من حلف بغير اللـه فقد أشرك رواه الـتـرمذى وأبو داود. أما الـحلف بالقرءان فليس مكروها إذا قصد به الكلام الذاتـى كأن يقول والقرءان أو أقسم بالقرءان، أما الـحلف بـحياة القرءان فهو مـمنوع ولو كان الـحالف يفهم منه وكرامة القرءان لأن القرءان لا يقال له حى ولا ميت، فالذى يقول وحياة القرءان أو يقول واللـه بلا هاء ويكسر يـمينه فليس عليه كفارة لأن يـمينه لا تنعقد. أما قول أقسم عليك باللـه أو أسألك باللـه أو باللـه عليك لـتفعلن كذا فإن أراد الـيميـن كان يـمينا.
ويشتـرط فـى المحلوف عليه أن لا يكون شيئا يتحتم حصوله كقوله واللـه لأموتن فلا يعد يـمينا أما إن كان يـحتمل الـحصول كقوله واللـه لأدخلن الدار اليوم فإذا حنث أى خالف المحلوف عليه تلزمه الكفارة على الـتـراخى. أما إذا حلف على فعل معصية أو ترك واجب كقوله واللـه لأشربن الـخمر أو واللـه لأتركن الصلاة الواجبة فيحرم ويلزمه أن يكسر يـمينه وعليه كفارة فـى الـحال.
(ومن حلف بصدقة ماله) كقوله إن فعلت كذا فللـه على أن أتصدق بـمالــى أو إن لـم يكن الأمر كذلك فلله على كذا (فهو مـخيـر بيـن الصدقة) بـماله (أو) إخراج (كفارة الـيميـن).
(ولا شىء فـى لغو الـيميـن) لأنه جرى على لسانه ولـم يقصده أى سبق لسانه إلـى لفظ اليميـن كقوله عند الغضب أو العجلة فـى الكلام لا واللـه أو بلى واللـه.
(ومن حلف أن لا يفعل شيئا) كأن قال واللـه لا أزوج بنتـى أو واللـه لا أطلق امرأتـى (فأمر غيره بفعله) كأن وكل غيره به ففعله الوكيل (لـم يـحنث) ذلك الـحالف بفعل غيره أما إن أراد الـحالف أنه لا يفعل لا هو ولا غيره فيحنث.
(ومن حلف على) عدم (فعل أمرين) كأن قال واللـه لا أزور هذين الرجليـن (ففعل أحدهـما) بأن زار أحد الرجليـن (لـم يـحنث) أما إذا قال واللـه لا أزور هذا ولا هذا حنث بزيارة أحدهـما وعليه كفارة أما إذا زار الاثنيـن فعليه كفارتـان.
(و)تـجب (كفارة اليميـن) على الـحالف إذا حنث و(هو مـخيـر فيها بيـن ثلاثة أشياء) إن كان حرا رشيدا أى غير مـحجور عليه وهى (عتق رقبة مؤمنة) عبد أو أمة سليمة عما يـخل بالعمل كالعمى والفالج (أو إطعام عشرة مساكيـن) أى تـمليك (كل مسكيـن) منهم (مدا) أى حفنة بكفى رجل معتدل من غالب قوت البلد كقمح (أو كسوتـهم ثوبا ثوبا) أى شيئا مـما يعتاد لـبسه كقميص (فإن لـم يـجد فصيام ثلاثة أيـام) بنية الكفارة.
(فصل) فـى أحكام الـنذور.
والنذر هو الالتزام بفعل طاعة غير واجبة كأن يقول للـه على أن أتصدق بشاة على الفقراء قال رسول اللـه ﷺ من نذر أن يطيع اللـه فليطعه ومن نذر أن يعصى اللـه فلا يعصه رواه البخارى. والأمر هنا يـحمل على الوجوب.
وأركان الـنذر ثلاثة ناذر ومنذور وصيغة. ويشتـرط فـى الناذر اختيار ونفوذ تصرف فلا يصح النذر من صبـى ومـجنون ومكره ومن مـحجور عليه بسفه فـى القرب المالـية كالذى حجر عليه القاضى لأنه يصرف ماله فـى المعاصى أو من مـحجور عليه بفلس فـى القرب المالـية العينية لأن ما عنده من المال مـحجور عليه لأجل الدائنيـن فلا يصح أن يتصرف فيه. ويشتـرط فـى الناذر إسلام فـى نذر التبـرر وهو الذى يفعله الإنسان تقربا إلـى اللـه تعالـى أما نذر اللجاج وهو النذر الذى ينذره الإنسان لـيمنع نفسه من فعل شىء كقوله إن كلمت فلانـا فللـه على أن أتصدق بكذا أو لـيحمل نفسه على فعل شىء كقوله إن لـم أدخل دار فلان فللـه على أن أتصدق بكذا أو لـتأكيد خبـر كقوله إن لـم يكن الأمر كما قلت فللـه على أن أتصدق بكذا فلا يقصد به القربة إلـى اللـه وهو مـخيـر بيـن أن يدفع كفارة يـميـن أو يفعل ما التزمه بالـنذر. ويشتـرط فـى المنذور أن يكون قربة غير واجبة أى ما يتقرب به إلـى اللـه كصيام أو صدقة أو قراءة قرءان أو ذكر فلا يصح نذر القربة الواجبة وجوبا عينيا كالصلوات الـخمس أو صيام رمضان ولا نذر ترك المعصية كشرب الـخمر. ويشتـرط فـى الصيغة لفظ يشعر بالالتزام كنذرا على كذا أو للـه على كذا أو على كذا فلا يصح إجراء النذر على القلب من غير التلفظ به باللسان.
ونذر التبـرر نوعان نذر غير معلق بـحصول شىء وفيه ثواب كالذى يقول نذرا على أن أصوم يوم غد أو أن أتصدق بكذا ونذر معلق بـحصول نعمة أو زوال نقمة أى بلية وهو مكروه كأن يقول إن شفى اللـه مريضى فعلى صيام ثلاثة أيـام (و)هذا (النذر) أى نذر الـتبـرر بنوعيه (يلزم) الوفاء به سواء كان فـى غير مـجازاة كما لو شفى من مرضه فقال للـه على كذا أم كان (فـى المجازاة) بتعليقه (على) زوال نقمة أو حصول نعمة من (مباح وطاعة كقوله إن شفى اللـه مريضى) أو إن يسر اللـه لــى الـحج (فللـه على أن) أصلـى أو (أصوم أو أتصدق ويلزمه) عند حصول المعلق (من ذلك) أى ما نذره من صلاة أو صوم أو صدقة (ما يقع عليه الاسم) أى اسم ما ذكره من الصلاة وأقلها ركعتان أو الصوم وأقله يوم أو الصدقة وهى أقل ما يعد مالا.
ومن نذر أن يذبح شاة ليتصدق بـها يذبح شاة عمرها سنة أو أسقطت مقدم أسنانـها وليس للناذر أن يأكل من نذره الذى نذره ولا أن يطعم أولاده الصغار منه إنـما يطعم الفقراء الذين ليس لهم عليه نفقة وليسوا منسوبين للرسول ﷺ.
(ولا) ينعقد (نذر فـى معصية) كقوله للـه على قتل فلان وكذا النذر المعلق على فعل معصية (كقوله إن قتلت فلانا) أى إن تيسر لـــى قتله بغير حق (فلله على كذا) أما إن قصد أن يـمنع نفسه من قتله فهو نذر لـجاج. ونذر المكروه كنذر المعصية لا ينعقد كأن نذر أن يصوم الدهر وهو يـخشى به الضرر.
(ولا يلزم النذر) ولا ينعقد (على) فعل شىء مباح كقوله للـه على أن ءاكل كذا أو للـه على أن أشرب كذا أو على (ترك) شىء (مباح كقوله لا ءاكل لـحما ولا أشرب لـبنا وما أشبه ذلك).
والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين
لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=81yWG05JSOc
للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab11
الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com