الأحد مارس 15, 2026

(11) بيان شذوذ الألباني عن أهل السنة والجماعة

   لقد سلك المدعو الألباني طريقا شائكا لنصرة معتقده وللفت الأنظار إليه والتمويه على العوام فتهجم على أهل السنة والجماعة ورماهم بالكفر، فقد ذكر – في شريط بصوته يوزع في مدينة فاس وغيرها – أن الأشاعرة اليوم كلهم كفار وأغلب الماتُريدية إن لم يكونوا كلهم ومن راجع فتاويه وجد الطعن في أكثر من موضع بالأشاعرة والماتُريدية.

   فنسأل الألباني: هل تعرف الفرق بين الأشاعرة والماتريدية من جهة وبين المعتزلة من جهة أخرى؟

   ألم تسمع أن الحافظ ابن عساكر أخرج في كمتاب تبيين كذب المفتري والحاكم في المستدك أنه لما نزل قول الله تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يُحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعوة على الكافرين يُجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء والله واسع عليم}، أشار النبي إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فقال: {هم قوم هذا}.

   قال القشيري: فأتباع أبي الحسن الأشعري من قومه لأن كل موضع أضيف فيه قوم إلى نبي أريد به الاتباع، قاله القرطبي – الجامع لأحكام القرءان (6/220) – وقال الحافظ البيهقي: وذلك لما وجد فيه من الفضيلة الجليلة والمرتبة الشريفة للإمام أبي الحسن الأشعري رضي الله عنه فهو من قوم أبي موسى وأولاده الذين أوتوا العلم ورزقوا الفهم مخصوصا من بينهم لتقوية السنة وقمع البدعة بإظهار الحجة وردّ الشبه، ذكره ابن عساكر. وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن أبي موسى الأشعري وقومه:{ هم مني وأنا منهم}، ونحن نحمد الله تعالى على هذه العقيدة السنية التي نحن عليها والتي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ةأصحابه ومن تبعهم بإحسان والتي مدح الرسول صلى الله عليه وسلم معتنقها، فقد روى الإمام أحمد والحاكم بسند صحيح:{ لتفتحن القسطنطينية فلَنِعمَ الأمير أميرها، ولَنِعمَ الجيش ذلك الجيش}، ولقد فتحت القسطنطينية بعد ثمانمائة عام، فتحها السلطان محمد الفاتح رحمه الله، وكان سنيا ماتريديا أشعريا يعتقد أن الله موجود بلا مكان ويُحب الصوفية الصادقين ويتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالأولياء وبالأولياء وكان له شيخ صوفي من المحققين بالتصوف يتوجه بإشارته، وجيشه شمله تزكية الرسول لهم وكانوا كذلك أشاعرة وماتريدية، وعلى هذا الاعتقاد مئات الملايين من المسلمين سلفا وخلفا في الشرق والغرب تدريسا وتعليما ويشهد بذلك الواقع المشاهد، ويكفي لبيان حقيّة هذا كون الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان على هذه العقيدة، فممن تبعهم بإحسان هؤلاء الحفاظ الذين هم رؤوس أهل الحديث: الحافظ أبو بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج على البخاري، ثم الحافظ العلم المشهور أبو يكر البيهقي، ثم الحافظ الذي وصف بأنه أفضل المحدثين في زمانه ابن عساكر، كان كل واحد من هؤلاء عَلَمَا في الحديث في زمانه، ثم جاء من هو على منهجهم الحافظ الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث أحمد بن حجر العسقلاني، فمن حقق عرف أن الأشاعرة فرسان ميادين العلم والحديث وفرسان ميادين الجهاد. ويكفي أن منهم مجدد القرن الرابع الهجري الإمام أبا الطيب سهل بن محمد، وأبا الحسن الباهلي، وأبا بكر بن فورك وهو أحد شيوخ البيهقي في الحديث، وأبا بكر الباقلاني، وأبا إسحاق الإسفاراييني، والحافظ أبا نعيم الأصبهاني، والقاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبا محمد الجويني، وابنه أبا المعالي إمام الحرمين، والحافظ الدارقطني، والحافظ الخطيب البغدادي، والأستاذ العالم المحدث أبا القاسم القشيري، وابنه أبا ناصر، والشيخ أبا إسحاق الشيرازي، ونصرا المقدسي، والغزالي، والفراوي، وأبا الوفاء بن عقيل الحنبلي، والحافظ الفقيه الحنفي عبد الرزاق الطّبسي، وقاضي القضاة الدامغاني الحنفي، وأبا الوليد الباجي المالكي، وابن الدبيثي، والإمام المحدث المفسر الفقيه الصوفي عَلَم الزهاد السيد أحمد الرفاعي، والحافظ ابن السمعاني، والحافظ القاضي عياضا،  والحافظ السّلفي، والحافظ الفقيه النووي، والفيه المفسر الأصولي فخر الدين الرازي، والعز بن عبد السلام، وأبا عمرو بن الحاجب المالكي، والحفظ ابن دقيق العيد، وعلاء الدين الباجي، والحافظ الفقيه اللغوي المجتهد علي بن عبد الكافي السبكي الذي قال فيه الذهبي:

شيوخ العصر أحفظهم جميعا—-وأخطبهم وأقضاهم عليُّ

   والحافظ العلائي، والحافظ زين الدين العراقي وابنه الحافظ ولي الدين، والشيخ زكريا الأنصاري، وابن الملقن، والقاضي الجليل ابن فرحون المالكي، وأبا الفتح الشهرستاني، والإمام أبا بكر الشاشي القفال، وأبا علي الدقاق النيسابوري، والحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، وخاتمة الحفاظ الحافظ اللغوي السيد محمد مرتضى الزبيدي، ومن أهل القرن المنصرم الحافظ أحمد الغماري، وغيرهم ما أئمة الدين كثير لا يحصيهم إلا الله ومنهم الوزير المشهور نظام الملك والسلطان العادل العالم المجاهد صلاح الدين الأيوبي طاردُ الصليبيين من القدس رحمه الله، فإنه أمر تذاع أصول العقيدة على حسب عبارات الأشعري على المنائر قبل أذان الفجر، وأن تُعلّم المنظومة في العقيدة الأشعرية التي ألفها اه ابن هبة الله المكي للأطفال في الكتاتيب ومنها هذه الأبيات:

وصانع العـالم لا يحويه——-قطر تعالى الله عن تشبيه

قد كان موجودا ولا مكانا——-وحكمه الآن على ما كانا

سبحانه جل عن المكان——-وعز عـن تغير الزمان

فقد غلا وزاد فـي الغلو——-من خصه بجهة العلو

وحصر الصانع في السماء——-مبدعها والعرش فوق الماء

وأثبتوا لذاته التحيزا——-قد ضل ذو التشبيه فيما جوّزا

   وليس مرادنا بما ذكرنا إحصاء الأشاعرة فمن يحصي عدد نجوم السماء أو يحيط علما بعدد رمال الصحراء ومثلهم في العقيدة الحقة الماتريدية أتباع إمام أهل السنة أبي منصور الماتريدي رضي الله عنه.

   فالأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية، والفريقان متفقان في أصول العقيدة لا اختلاف بينهم وإنما اختلفوا في بعض الفروع التي لا تؤدي إلى التبديع والتضليل وقد حصل ذلك بين بعض الصحابة فإن عائشة وابن مسعود كانا ينفيان رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، وأنس وابن عباس كانا يثبتان، ولم يمنع ذلك كون كل منهم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

   ففي الفريقين الأشاعرة والماتريدية تحقق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ سألت ربي لأمتي أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعي واحدة، سألته أن لا يكفر أمتي جملة فأعطانيها} رواه الحافظ ابن أبي الحاتم كما قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، فيستحيل أن يضل جمهور أمة محمد وإنما الضلال فيمن خالفهم كفرقتكم المشبهة، وبأي فضيلة يشهد لكم التاريخ يا مشبهة، أنتم الفرقة الذين قال الرسول فيهم:{ يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان}، وهو من جملة أحاديث البخاري، هذا الوصف هو الذي يشهد به التاريخ عليكم.

   ويكفي الأشاعرة فضلا أن أغلب حفاظ الحديث هم أشاعرة، ويعلم ذلك من تتبع طبقات الحفاظ.