الخميس يناير 29, 2026

#10

بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

(كتاب الـجنايات)

         أى كتاب خاص بأحكام الـجنايات على الأبدان والـجنايات هى الاعتداء الذى يـحصل على المسلم كقتل أو قطع يد أو رجل قال رسول اللـه لا يـحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إلــٰه إلا اللـه وأنـى رسول اللـه إلا بإحدى ثلاث الثــيب الزانـى والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة. فالمسلم لا يقتل إلا بإحدى ثلاث إذا كان مـحصنا وزنـى أو قتل نفسا مؤمنة بغير حق أو ارتد عن الإسلام ولـم يرجع إليه. فقتل النفس التـى حرم اللـه إلا بالـحق هو أعظم الذنوب بعد الكفر ويدل على ذلك ما رواه البخارى أنه قيل لرسول اللـه ﷺ أى الذنب أشد قال أن تـجعل للـه ندا وهو خلقك (أى أن تشرك باللـه) قيل ثـم أى قال أن تقتل ولدك مـخافة الفقر قيل ثـم أى قال أن تزانـى حليلة جارك.

     و(القتل) هو إزهاق النفس الناشئ عن فعل وهو (على ثلاثة أضرب) أى أنواع (عمد مـحض) ليس فيه شىء من الـخطإ (وخطأ مـحض) ليس فيه شىء من التعمد (وعمد خطإ) أى عمد مشوب بالـخطإ ويقال له شبه العمد (فالعمد المحض هو أن يعمد إلـى ضربه بـما يقتل غالبا) أى أن يقصد ضربه بشىء يقتل غالبا جارحا كان كسيف وهو ما يقتل بـحده أو مثقلا كصخرة وهو ما يقتل بثقله (ويقصد قتله بذلك) الشىء واشتـراط قصد القتل ضعيف والراجح خلافه فهو قتل عمد لأنه قصد ضربه بشىء يقتل غالبا (فيجب) بذلك (القود) أى القصاص عليه أى يـجب قتله إلا أن يعفى عنه (فإن عفا عنه) ورثة القتيل سقط القصاص أى القتل فلا يقتل و(وجبت دية مغلظة) من ثلاثة أوجه كونـها مثلثة أى ثلاثة أنواع من الإبل ثلاثيـن حقة أكملت ثلاث سنيـن وثلاثيـن جذعة أكملت أربع سنيـن وأربعيـن خلفة أى حوامل وكونـها (حالة) غير مؤجلة وكونـها (فـى مال القاتل) فيجب عليه أن يدفع الدية من ماله. فإذا قال المستحق للدية للقاتل عفوت عنك أو عفوت عنك مـجانا سقط القصاص والدية أما إذا قال له عفوت عنك على الدية وجبت الدية.

     (والـخطأ المحض) وهو (أن) لا يقصد الفعل كأن يقع على مسلم فيقتله أو لا يقصد الشخص كأن يرمى شخصا فيصيب ءاخر فيقتله أو (يرمى) السهم (إلـى شىء) كصيد (فيصيب رجلا فيقتله فلا قود) أى لا قصاص (عليه) فى الحاليـن (بل يـجب عليه دية مـخففة) من ثلاثة أوجه كونـها مـخمسة أى خـمسة أنواع من الإبل وكونـها (على العاقلة) وهم عصبة الجانـى أى أقاربه الذكور من جهة أبيه ما عدا أصله وفرعه ويشتـرط فـى العاقل أن يكون ذكرا حرا مكلفا غير فقيـر وكونـها (مؤجلة فـى ثلاث سنيـن) يأخذ منهم ءاخر كل سنة قدر ثلث دية كاملة.

     (وعمد الـخطإ) يشبه العمد من وجه والـخطأ من وجه ويسمى شبه العمد وهو (أن يقصد ضربه بـما لا يقتل غالبا) بل يقتل نادرا بـحيث يكون سببا فـى القتل وينسب القتل إليه عادة كأن يضربه بعصا خفيفة (فيموت فلا قود) أى لا قصاص (عليه بل تـجب دية مغلظة) من جهة كونـها مثلثة ومـخففة من جهة كونـها (على العاقلة) أى عصبة الجانـى وكونـها (مؤجلة فـى ثلاث سنيـن). أما لو ضربه بـما لا يقتل غالـبا ولا نادرا ولا ينسب القتل إليه عادة كقلم فمات فلا قود عليه ولا دية لأن الضرب هنا مصادفة قدر وليس سببا للموت.

     ثـم شرع المصنف فـى ذكر من يـجب عليه القصاص فقال (وشرائط وجوب القصاص) فـى القتل وقطع الأعضاء وإزالة الصفة كإزالة السمع أو البصر (أربعة) وهى (أن يكون القاتل بالغا) فلا قصاص على صبـى وأن يكون (عاقلا) فلا قصاص على مـجنون (وأن لا يكون) القاتل (والدا) أبا أو أما من النسب (للمقتول) فلا قصاص على والد بقتل ولده أما الولد فيقتل بقتل والده ويقتل المحارم بعضهم ببعض (وأن لا يكون المقتول أنقص من القاتل بكفر أو رق) فلا يقتل مسلم بكافر ولا حر بعبد (وتقتل الـجماعة بالواحد) كأن اشتـركوا فـى قتل مسلم.

     (وكل شخصيـن جرى القصاص بينهما فـى النفس يـجرى بينهما فـى الأطراف) أى إذا كانت الشروط موجودة لـجريان القصاص فـى النفس يـجرى القصاص أيضا فـى الأطراف كيد ورجل وفـى المعانـى أى الصفات كسمع وبصر. ويشتـرط فـى القاطع لطرف كيد أو رجل أو المزيل لمعنـى كسمع أو بصر كونه متصفا بـهذه الصفات حتـى يقتص منه. ويفهم من ذلك أن من لا يقتل بقتله له لا تقطع يده بقطعه يده وهو كذلك.

     (وشرائط وجوب القصاص فـى الأطراف بعد الشرائط المذكورة) فـى قصاص النفس (اثنان) أى يشتـرط شرطان زائدان وهـما (الاشتـراك) أى اشتـراك الطرفيـن (فـى الاسم الـخاص) فتقطع (اليمنـى) من يد أو رجل (باليمنـى) من يد أو رجل (و)تقطع (اليسرى) من يد أو رجل (باليسرى) من ذلك (وأن لا يكون بأحد الطرفيـن شلل) أى بطلان عمل فلا تقطع يد أو رجل سليمة بشلاء أى إذا كانت الرجل المقطوعة غيـر سليمة فلا تقطع بـها رجل سليمة لأنـهما لـم يتساويا فـى ذلك فالشلاء أنقص من الصحيحة. أما الشلاء فتقطع بالصحيحة إلا إذا كان الدم لا ينقطع بقطع الشلاء فيؤدى إلـى الموت.

     (وكل عضو أخذ) أى قطع (من مفصل) كمرفق وكوع (ففيه القصاص) بالمثل أى يقطع مثله من الجانـى. ويـجب القصاص فـى فقء عيـن وقطع أذن وأنف ولسان وجفن وشفة لأن لـها نـهايات مضبوطة ولا يقطع لسان ناطق بلسان أخرس ولا تقطع عيـن صحيحة بعيـن عمياء لعدم استوائها. ولا قصاص فيما لا مفصل له فلا قصاص فـى كسر العظام لأنه لا ينضبط (ولا قصاص فـى الـجروح) لعدم تيسر ضبطها (إلا فـى الموضحة) لتيسره فهى جراحة تصل إلـى العظم وسـميت بالموضحة لأنـها توضح العظم من اللحم.

     (فصل) فـى بيان الدية.

     وهى شرعا ما يدفعه الإنسان الـحر بدل ما جناه على إنسان ءاخر فـى نفسه أو فـى عضو من أعضائه كأذنه أو لسانه أو فـى صفة من صفاته كسمعه أو بصره قال رسول اللـه ﷺ وإن فـى النفس مائة من الإبل رواه مالك والنسائـى وقال ﷺ ألا إن فـى قتيل العمد الـخطإ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة فـى بطونـها أولادها رواه الإمام أحـمد.

     (والدية على ضربيـن مغلظة) من ثلاثة وجوه فـى قتل العمد ومن وجه واحد فـى شبه العمد (ومـخففة) من ثلاثة وجوه فـى قتل الـخطإ ومن وجهيـن فـى شبه الـخطإ (فالمغلظة) بسبب قتل مسلم ذكر حر عمدا أو شبه عمد (مائة من الإبل) حالة غيـر مؤجلة فـى مال القاتل فـى العمد ومؤجلة فـى ثلاث سنيـن على عاقلته أى أقاربه الذكور غيـر أصوله وفروعه فـى شبه العمد (ثلاثون حقة) أتـمت ثلاث سنيـن (وثلاثون جذعة) أتـمت أربع سنيـن (وأربعون خلفة) أى (فـى بطونـها أولادها) والمعنـى أنـها حوامل (و)أما (المخففة) بسبب قتل مسلم ذكر حر خطأ فهى (مائة من الإبل) مؤجلة على عاقلة القاتل (عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت لبون) أكملت سنتيـن (وعشرون بنت مـخاض) أكملت سنة (وعشرون ابن لبون) وهو الذكر من الإبل أكمل سنتيـن.

     (فإن عدمت الإبل) وفـى نسخة (فإن أعوزت الإبل) أى فقدت حسا أو شرعا أى لـم يـجد إبلا فـى بلدته ولا فـى الأماكن القريبة منها أو وجدها بأكثر من ثـمن المثل (انتقل إلـى قيمتها) فـى وقت وجوب تسليمها فيقومها بالنقد الغالب فـى البلد وهو الذهب أو الفضة وهذا هو القول الـجديد للإمام الشافعـى وهو المعتمد (وقيل ينتقل إلـى ألف دينار) من الذهب الـخالص فـى حق أهل الذهب (أو اثنـى عشر ألف درهم) من الفضة الـخالصة فـى حق أهل الفضة وهو قول مرجوح (و)قيل (إن غلظت زيد عليها الثلث) أى يزاد فـى العدد إلـى الثلث إن كانت الدية مغلظة فتكون فـى الدنانيـر ألفا وثلاثـمائة وثلاثة وثلاثيـن دينارا وثلث دينار وفـى الفضة ستة عشر ألف درهم وكلا القوليـن فـى المذهب القديـم ضعيف.

     (وتغلظ دية الـخطإ) بتثليثها (فـى ثلاثة مواضع) أى (إذا قتل) مسلما (فـى الـحرم) أى حرم مكة لا حرم المدينة سواء كان القاتل والمقتول فيه أو كان القاتل فيه والمقتول خارجه أو كان المقتول فيه والقاتل خارجه أو كان فـى الـحل فرماه بسهم مثلا فمر السهم فـى هواء الـحرم فقتله (أو قتل) مسلما أو كافرا من أهل الذمة (فـى الأشهر الـحرم) ذى القعدة وذى الـحجة ومـحرم ورجب (أو قتل) قريبا له مسلما أو كافرا من أهل الذمة (ذا رحم مـحرم) أى كان رحـما ومـحرما بسبب القرابة فلا تغليظ فـى قتل بنت العم التـى هى أخت بالرضاع وإن كانت رحـما مـحرما لأن المحرمية لـم تنشأ من الرحـمية.

     (ودية المرأة) الـحرة المسلمة (على النصف من دية الرجل) الـحر فـى قتل العمد وشبهه أى خـمسون من الإبل خـمس عشرة حقة وخـمس عشرة جذعة وعشرون خلفة أى حوامل وفـى قتل الـخطإ عشر حقاق وعشر جذاع وعشر بنات مـخاض وعشر بنات لبون وعشرة بنـى لبون. (ودية اليهودى والنصرانـى) الذمى والمستأمن أى الذى أعطاه المسلمون الأمان والمعاهد أى الذى بيننا وبينه عهد أن لا يقتل أحدنا الآخر (ثلث دية المسلم) نفسا وجرحا وإزالة معنـى أى صفة (وأما المجوسى) المعصوم أى الذى يدفع الـجزية (ففيه ثلثا عشر دية المسلم).

     (وتكمل دية النفس) أى تـجب دية كاملة وهى مائة من الإبل (فـى) قطع (اليدين) من الكوعيـن (والرجليـن) من الكعبيـن وتـجب نصف الدية أى خـمسون من الإبل فـى قطع يد أو رجل لذكر حر مسلم وخـمسة وعشرون من الإبل فـى قطع يد أو رجل لأنثى حرة مسلمة وفـى قطع إصبع واحد من أصابع اليدين أو الرجليـن عشر الدية.

     (و)يـجب فـى قطع (الأنف) أى فـى قطع المنخرين والـحاجز دية كاملة وفـى قطع واحد من الثلاثة ثلث الدية.

     (و)يـجب فـى قطع (الأذنيـن) من أصلهما أو قلعهما بغير إيضاح للعظم من اللحم دية كاملة فإن حصل إيضاح للعظم وجب أرش الإيضاح وهو نصف عشر الدية وفـى قطع أذن واحدة نصف الدية.

     (و)يـجب فـى قلع (العينيـن) دية كاملة (و)كذا فـى (الـجفون الأربعة و)قطع (اللسان) لناطق (والشفتيـن) وتـجب فـى عيـن واحدة نصف الدية وفـى الـجفن الواحد ربع الدية وفـى شفة واحدة نصف الدية وحد الشفة طولا ما بيـن الشدقيـن أى ما بيـن جانبـى الفم وعرضا ما غطى اللثة.

     (و)فـى (ذهاب الكلام) دية كاملة أى إذا جنـى إنسان على إنسان ءاخر فأذهب كلامه ولـم يعد قادرا على الكلام بكلام مفهوم فيلزمه دية كاملة وكذا إن أذهب كلامه بقطع لسانه.

    (و)فـى (ذهاب البصر وذهاب السمع وذهاب الشم) دية كاملة أى إذا جنـى على إنسان فأذهب بصره من العينيـن أو سـمعه من الأذنيـن أو شـمه من المنخرين فعليه دية كاملة أما لو أزال أذنيه فبطل سـمعه فعليه ديتان دية لإزالة الأذنيـن ودية لإزالة السمع وكذا لو قطع أنفه فذهب شـمه فتجب عليه ديتان دية لأجل الأنف ودية لأجل الشم. (و)فـى (ذهاب العقل) دية كاملة كأن أزال عقله فخرج عن التكليف.

     (و)فـى قطع (الذكر) أو الـحشفة دية كاملة. (و)فـى قطع (الأنثييـن) أى البيضتيـن مع الـجلدتيـن وهـما الـخصيتان دية كاملة وفـى قطع واحدة نصف الدية.

     (وفـى الموضحة) وهى الـجرح الذى يبلغ إلـى العظم (والسن) من الذكر الـحر المسلم نصف عشر الدية أى (خـمس من الإبل) وفـى الموضحة والسن من الأنثى بعيـران ونصف (وفـى) إذهاب (كل عضو لا منفعة فيه حكومة) أى إذا جنـى عليه فأذهب له عضوا معطلا فينظر لو كان عبدا كم تنقص قيمته بعد الـجناية فبنفس النسبة يستحق من الدية.

     (ودية العبد) غيـر المرتد (قيمته) ودية الأمة قيمتها.

     (ودية الـجنيـن الـحر) المسلم تبعا لأحد أبويه (غرة) أى (عبد) مـميـز (أو أمة) مـميـزة ويشتـرط بلوغ الغرة نصف عشر دية أبـى الـجنيـن (ودية الـجنيـن الرقيق عشر قيمة أمه) أى أقصى قـيم أمه من وقت الـجناية إلـى وقت الإجهاض وهى لسيدها لأنه مالك الـجنيـن.

     (فصل) فـى أحكام القسامة ودعوى الدم.

     والقسامة أيـمان يـحلفها الشخص فيستحق بذلك دية المقتول.

     (وإذا) قتل مسلم وادعى ولـيه على شخص بقتله واكتملت بـهذه الدعوى شروط سـماع القاضى لـها ومن جـملتها أن يفصل فـى دعواه كأن يقول قتله عمدا أو خطأ أو شبه عمد و(اقتـرن بدعوى الدم لوث) وهو أمر (يقع به فـى النفس صدق المدعـى) فـى دعواه أى قرينة تدل على صدقه لكنها لا تكفى وحدها لإثبات أن المدعى عليه هو القاتل كأن شهد عدل واحد أو فسقة أو صبيان (حلف المدعى) أى المستحق للدية عندئذ (خـمسيـن يـمينا) أمام القاضى (واستحق) بذلك (الدية) بلا قصاص ولا يشترط موالاتـها فإن كان للقتيل وارثان فأكثر فيحلف كل واحد من الـخمسيـن يـمينا بقدر حصته من التـركة فالذى له نصف التـركة يـحلف نصف الـخمسيـن. (وإن لـم يكن لوث فاليميـن) ترد (على المدعى عليه) كما قال رسول اللـه البـينة على المدعـى واليميـن على المدعى عليه، فيقال له هذا يدعى عليك أنك قتلت قتيله فإن أنكر ذلك يـحلف خـمسيـن يـمينا ولا دية عليه فإن أبـى أن يـحلف ترد الأيـمان على المدعـى فإن حلف استحق الدية.

     (وعلى قاتل النفس المحرمة) أى التـى يـحرم قتلها (كفارة) على الفور وهى (عتق رقبة مؤمنة) عبد أو أمة (سليمة من العيوب المضرة) أى المخلة بالعمل والكسب (فإن) عجز عن الإعتاق كأن (لـم يـجد) رقبة يعتقها أى فقدها حسا أو وجدها بأكثر من ثـمن المثل (فصيام شهرين) هلالـيـن (متتابعيـن) بنية الكفارة وإن لـم يعيـن أنـها كفارة قتل فإن عجز عن الصيام بقيت فـى ذمته فيصوم عنه قريبه أو يدفع عن كل يوم مدا.

 

(كتاب الـحدود)

     أى كتاب معقود لـبيان الـحدود على الـجنايات على الـنسب والعرض والعقل كالزنـى والقذف وشرب الـخمر والـحد شرعا عقوبة مقدرة فـى شرع اللـه تـجب على من ارتكب كبيـرة مـخصوصة للزجر عنها. ومن عوقب على ذنب فـى الدنيا لا يعاقب عليه فـى الآخرة لقوله ﷺ الـحدود كفارات.

     وبدأ المصنف بذكر حد الزنـى فقال (والزانـى على ضربيـن مـحصن وغيـر مـحصن) ذكر كان أو أنثى (فالمحصن) وهو الذى جامع فـى نكاح صحيح بإدخال حشفته أو قدرها من مقطوعها فـى حال بلوغه وعقله وحريته فإن (حده الرجم) أى الضرب بالـحجارة حتـى الموت ويسن أن يكون الـحجر ملء الكف (وغيـر المحصن حده مائة جلدة وتغريب عام) إلـى مسافة قصر من مـحل الزنـى وتـحسب المدة من ابتداء سفره. وإقامة الـحد على الزانـى وظيفة الـخليفة ومن فـى معناه.

     (وشرائط الإحصان) أى فـى كونه مـحصنا (أربع البلوغ والعقل والـحريـة) الكاملة (ووجود الوطىء) أى الـجماع بقبل لا بدبر (فـى نكاح صحيح).

     (والعبد والأمة حدهـما) إذا زنيا (نصف حد الـحر) فيجلد كل منهما خـمسيـن جلدة ويغرب نصف عام ومؤنة تغريبه على سيده.

     (وحكم اللواط) وهو إدخال الـحشفة أى رأس الذكر فـى الدبر أى فـى دبر ذكر أو امرأة لا تـحل له (وإتيان البهائم كحكم الزنـى) أى من حيث إنه لا يثبت إلا بأربعة شهود عدول وأما حد فاعل اللواط فهو كحد الزنـى وأما المفعول به فحده جلد مائة وتغريب عام وهو الراجح. أما جـماع الزوجة فـى دبرها فهو حرام لكنه ليس إلـى حد اللواط بغير امرأته قال رسول اللـه ﷺ لا ينظر اللـه إلـى رجل أتى امرأته فـى دبرها رواه الإمام أحـمد، أى لا يكرمه بل يهينه يوم القيامة. واللائط بزوجته أو أمته يعزره الإمام إن تكرر منه ولا يعزره من المرة الأولـى ولا حد عليه وأما من أتى بـهيمة أى جامعها فالراجح أنه يعزر أى يعاقب لزجره ولا حد عليه.

     (ومن وطئ) أجنبية (فيما دون الفرج) أى باشرها بدون إدخال (عزر) ولا حد عليه (ولا يبلغ بالتعزير أدنـى الـحدود) فإن كان حرا لا يبلغ بتعزيره أربعيـن جلدة وإن كان عبدا لا يبلغ بتعزيره عشرين جلدة.

     (فصل) فـى أحكام القذف.

     وهو شرعا الرمى بالزنـى لإلـحاق العار بالمقذوف فخرج بذلك الشهادة بالزنـى لإقامة الحد على الزانـى.

     والقذف من الكبائر لقوله تعالى ﴿إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات أى الذين يرمون العفيفات الغافلات عن الفواحش من المؤمنات بالزنـى ﴿لعنوا فـى الدنيا والآخرة ولـهم عذاب عظيم﴾. وهذه الآية وإن نزلت فـى تبـرئة السيدة عائشة الصديقة العفيفة رضى اللـه عنها لكن حكمها عام فـى كل من كان بـهذه الصفة قال رسول اللـه ﷺ اجتنبوا السبع الموبقات (أى المهلكات) قيل وما هن يا رسول اللـه قال الشرك باللـه والسحر وقتل النفس التـى حرم اللـه إلا بالـحق وأكل الربا وأكل مال الـيتيم والتولـى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات رواه مسلم.

     والقذف يـجب فيه الـحد بالإجـماع لقوله تعالـى ﴿والذين يرمون المحصنات ثـم لـم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثـمانيـن جلدة﴾.

     (وإذا قذف غيـره) رجلا كان أو امرأة (بالزنـى) صريـحا كان كقوله يا زان أو يا زانية أو يا قحبة أو كناية بنية كقوله يا فاجر أو يا فاسق (فعليه حد القذف).

     ويـجب الـحد (بثمانية شرائط ثلاثة منها فـى القاذف وهو أن يكون بالغا عاقلا) فلا حد على صبـى ومـجنون بـخلاف السكران المتعدى فإنه يلحق بالعاقل ويقام عليه حد القذف (وأن لا يكون والدا للمقذوف) أى أن لا يكون أصلا للمقذوف كأب وأم وجد وجدة ويزاد على ما ذكر أن يكون القاذف مـختارا فلا حد على مكره وأن يكون ملتزما للأحكام فلا حد على كافر حربـى (وخـمسة) من الشروط (فـى المقذوف وهو أن يكون مسلما بالغا عاقلا حرا عفيفا) عن الزنـى أى لـم يثبت زناه عند القاضى.

     (ويـحد) القاذف (الـحر ثـمانيـن) جلدة و(العبد) المملوك (أربعيـن).

     (ويسقط) عن القاذف (حد القذف بثلاثة أشياء إقامة الـبينة) على زنـا المقذوف بأن يشهد معه ثلاث شهود عند القاضى (أو عفو المقذوف) عنه (أو) عفو جـميع الورثة عنه إن كان المقذوف ميتا و(اللعان فـى حق الزوجة) بأن يلاعن الزوج زوجته كما تقدم فـى باب اللعان. ويسقط الـحد عن القاذف بإقرار المقذوف بالزنا أو امتناع المقذوف من الـيميـن أمام القاضى على عدم زناه إن طالـبه القاذف بذلك.

     (فصل) فـى حد شرب الـخمر والمسكر.

     وشرب الـخمر من الكبائر لقوله ﷺ إن اللـه لعن الـخمرة وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وشاربـها وءاكل ثـمنها وحاملها والمحمولة إليه وساقـيها ومستـقيها رواه الإمام أحـمد. واختلف العلماء فـى نـجاسة الـخمر فقال أكثرهم بنجاستها وقال الإمام المجتهد ربيعة بن أبـى عبد الرحـمـٰن شيخ الإمام مالك رضى اللـه عنه بطهارتـها لعدم وجود نص صريح فـى القرءان والـحديث على نـجاستها واتفقوا على حرمة بيعها وشرائها وشربـها.

     (ومن شرب خـمرا) وهو الذى يعمل من عصيـر العنب (أو شرابا مسكرا) من غيـر عصيـر العنب كنبيذ الزبيب أو الـتمر إذا صار مسكرا (يـحد أربعيـن) أى يقام عليه الـحد بـجلده أربعيـن جلدة بعد إفاقته من سكره (ويـجوز أن يبلغ ثـمانيـن) جلدة لفعل عمر رضى اللـه عنه وهذه الزيادة (على وجه التعزير) وليس حدا فهى تعزيرات لما يتولد عن السكر من المنكرات كالكلام الفاحش والافتـراء. ولا يقام الـحد على الصبـى والمجنون والكافر الـحربـى والذمى والـجاهل بالتحريـم أما تعاطى المخدرات كالـحشيشة والأفيون فلا حد فيه مع حرمته إن لـم يكن للتداوى اعتمادا على قول الطبيب الثـقة.

     (ويـجب) الـحد (عليه بأحد أمرين بالبـينة) أى بشهادة رجليـن عدليـن أنه شرب مسكرا أو أقر بذلك أمامهما (أو الإقرار) أى الاعتـراف من الشارب بأنه شرب مسكرا فإذا رجع عن إقراره لا يقام عليه الـحد. (ولا يـحد بالقىء والاستنكاه) أى لا يقام الـحد على شارب الـخمر إذا تقيأها أو شم منه رائحتها.

     أما التداوى بالـخمر صرفا فالراجح أنه لا يـجوز لقوله إن اللـه لـم يـجعل شفاءكم فيما حرم عليكم رواه الـبيهقى وابن حبان وقوله إنـها ليست بدواء ولكنها داء رواه مسلم وأبو داود. وأما الدواء المركب الذى دخل فـى تركيبه الـخمر فيجوز التداوى به عند فقد ما يقوم مقامه من الطاهرات على قول بعض الفقهاء.

     (فصل) فـى حد السرقة.

     وهى شرعا أخذ مال الغير خفية بغير حق أما أخذه جهارا اعتمادا على القوة فهو نـهب وأخذه جهارا اعتمادا على الـهرب اختلاس قال اللـه تعالـى ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بـما كسبا نكالا من اللـه واللـه عزيز حكيم﴾ وقال ﷺ لا تقطع يد سارق إلا فـى ربع دينار فصاعدا رواه البخارى ومسلم.

     (وتقطع يد السارق) أو رجله ذكرا كان أو أنثى حرا أو رقيقا (بست شرائط) وهى (أن يكون) السارق (بالغا عاقلا) مـختارا عالما بالتحريـم غير مأذون له فـى أخذ المسروق أو الدخول إلـى حرزه ملتزما للأحكام أى أن لا يكون كافرا حربيا فلا تقطع يد صبـى ومـجنون ومكره وكافر حربـى ومعاهد وهو الذى بيننا وبينه عهد أن لا يقتل أحدنا الآخر ومؤمن وهو الذى أعطاه المسلمون الأمان.

     وتقطع يده بأربع شرائط فـى المسروق (أن يسرق نصابا قيمته) يوم سرقته (ربع دينار) من الذهب الـخالص أو أكثر فإن كان المسروق ذهبا غير مضروب كالسوار فالعبـرة فيه بالوزن والقيمة أما إن لـم يكن ذهبا فتعتبـر القيمة فقط (من حرز مثله) أى من المكان الذى يـحفظ فيه عادة ويـختلف من شىء إلـى شىء ومن مكان إلـى مكان ومن وقت إلـى وقت فحرز الـحلـى ليس كحرز الطعام وحرز المثل فـى المدينة ليس كحرز المثل فـى الصحراء وحرز المثل فـى وقت الأمن ليس كحرز المثل فـى وقت الـنهب ويشتـرط كون المسروق (لا ملك له فيه) فلا تقطع يد السارق بسرقة ماله الذى بيد غيره (و)أن لا تكون (شبهة له فـى مال المسروق منه) لأجلها ظن أنه يستحقه فلا تقطع يده بسرقة ما وهب له قبل قبضه أو بسرقة ما كان له حصة فيه ولا تقطع يد بسرقة مال الأصل كالأب والأم والـجد والـجدة أو الفرع كالولد وولد الولد مع كونه حراما. ولا تقطع يد السارق بسرقة مال المصالح من بيت مال المسلميـن.

     (وتقطع يده) أى يد السارق (اليمنـى من مفصل الكوع) بعد خلعها منه وتثبت السرقة بشهادة رجليـن عدليـن أو الإقرار من السارق (فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى) بعد خلعها من الكعبيـن (فإن سرق ثالثا قطعت يده اليسرى) بعد خلعها (فإن سرق رابعا قطعت رجله اليمنـى) بعد خلعها (فإن سرق بعد ذلك عزر) بـما يراه الـحاكم والتعزير كالـحبس والضرب والإهانة.

     (فصل) فـى أحكام قاطع الطريق.

     قطع الطريق على المؤمنيـن أى منعهم من المرور فيه من كبائر الذنوب ويـحصل بإخافة المارة أو أخذ أموالـهم أو قتلهم قال اللـه تعالـى ﴿إنـما جزاء الذين يـحاربون اللـه ورسوله ويسعون فـى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾ وفـى ذلك إشعار بعظم ذنب قطع الطريق على المؤمنيـن. (وقطاع الطريق على أربعة أقسام) لأنـهم إما أن يقتلوا فقط أو يقتلوا ويأخذوا المال أو يأخذوا المال فقط أو يـخيفوا المارة فقط فالـحكم أنـهم (إن قتلوا ولـم يأخذوا المال قتلوا) ولا يسقط عنهم القتل بعفو ولـى الدم (فإن قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا) أى علقوا على خشبة بعد غسلهم وتكفينهم والصلاة عليهم إن كانوا مسلمين (وإن أخذوا المال) أى أخذوا ما كانت قيمته ربع دينار أو أكثر (ولـم يقتلوا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) أى تقطع يدهم اليمنـى من الكوع ورجلهم اليسرى من الكعب فإن عادوا فيدهم اليسرى ورجلهم اليمنـى (فإن أخافوا السبيل) أى أخافوا المارة فـى الطريق (ولـم يأخذوا) منهم (مالا ولـم يقتلوا) أحدا منهم (حبسوا وعزروا) أى حبسهم الإمام وعزرهم بضرب أو غيـره.

     (ومن تاب منهم) أى قطاع الطريق (قبل القدرة عليه) أى قبل القبض عليه (سقطت عنه الـحدود) أى العقوبات المتعلـقة بقاطع الطريق من تـحتم قتله أو تـحتم قطع يده ورجله من خلاف (وأخذ بالـحقوق) التـى تتعلق بالآدمييـن كالقتل قصاصا ورد المال فإنـها لا تسقط بل يرجع فـى مسألة قتله إلـى ولــى المقتول وإذا أخذ المال ولـم يقتل ثـم تاب قبل القدرة عليه يلزمه رد المال إلـى صاحبه ولا يتحتم قطع يده ورجله من خلاف.

     (فصل) فـى أحكام الصيال وإتلاف البهائم.

     والصيال شرعا هو الـهجوم على الغير بغير حق.

     (ومن قصد بأذى فـى نفسه) أى من هجم عليه شخص يريد قتله أو قطع طرف من أطرافه أو إبطال منفعة عضو من أعضائه (أو) أخذ (ماله) بغير حق (أو) الاعتداء على (حريـمه) بوطء زوجته أو بنته أو ما دون ذلك كتقبيل ومعانقة (فقاتل) أى دافع (عن ذلك) بالأخف فالأخف كأن بدأ بالصياح والاستغاثة ثـم بالضرب بالـيد ثـم بالعصا (و)هكذا حتـى تعيـن القتل طريقا للدفع جاز قتله فإذا (قتل) الصائل (فلا) إثـم ولا (ضمان عليه) أى لا قصاص عليه ولا دية ولا كفارة أما إذا استطاع دفعه بالأخف فلجأ إلـى القتل أثـم وعليه ضمان فعن أبـى هريرة رضى اللـه عنه أنه قال جاء رجل إلـى النبـى فقال يا رسول اللـه أرأيت (أى ماذا تقول) إن جاء رجل يريد أخذ مالــى قال فلا تعطه مالك (أى لا يلزمك أن تعطـيه مالك) قال أرأيت إن قاتلنـى قال قاتله (أى ادفعه عن نفسك بالأخف فالأخف) قال أرأيت إن قتلنـى قال فأنت شهيد (معناه إن قتلك دون مالك فأنت شهيد) قال أرأيت إن قتلته قال هو فـى النار (أى يستحق دخول النار) رواه مسلم. فيعلم من ذلك أن المصول عليه لا يـجب عليه أن يدفع الصائل إذا أراد أن يأخذ ماله بالقوة ويـجوز له أن يـمنعه من ذلك أما إذا صال عليه مسلم معصوم يريد قتله فيجوز له أن يدفعه عن نفسه ويـجوز له الاستسلام للصائل وترك مدافعته كما تركها هابيل حين أراد أخوه قابيل قتله وتركها سيدنا عثمان رضى اللـه عنه فقتل ومات شهيدا بـخلاف ما لو أراد قتله كافر أو مسلم غير معصوم كالزانـى المحصن الذى ثبت زناه بأربع شهود عدول فإنه يـجب دفعه. وإذا أراد الكافر أسر مسلم فإن قاتله وأمن على نفسه أن يقتل وجب عليه دفعه أما إن لـم يأمن قتله جاز له أن يـمكنه من أسره. وأما إذا صال عليه مسلم معصوم يريد أن يؤذيه بـما هو دون القتل كقطع طرف من أطرافه أو إبطال منفعة عضو من أعضائه فيجب عليه دفعه لأنه لا شهادة فـى ترك مدافعته.

     (وعلى راكب الدابة) وكذا سائقها وهو الذى يـحث الدابة على السيـر ويكون عادة خلفها أو قائدها ويكون أمامها فتتبعه الدابة (ضمان ما أتلفته دابته) أى إذا أتلفت الدابة شيئا لغيره فعليه ضمان ما أتلفته دابته لأن فعلها منسوب إليه سواء كان مالكها أو مستأجرها أو مستعيـرها وكذلك إن أرسلها مالكها وحدها من غير أن يكون معها فـى الطريق فأتلفت شيئا لغيره كزرع ضمن ما أتلفته دابته إن أرسلها فـى وقت لا ترسل فيه الدواب عادة أى لـم تـجر العادة فـى البلد أنـها ترسل فيه كأن أرسلها وحدها فـى الليل فإنه يضمن ما أتلفته دابته لتقصيـره بإرسالـها فـى وقت لا ترسل فيه الدواب عادة. أما إذا أرسلها فـى النهار وكانت العادة أنـها ترسل فـى النهار فأتلفت مالا لغيره بسبب تقصيـر صاحب المال فـى حفظه فلا ضمان عليه.

     (فصل) فـى أحكام البغاة.

     وهم طائفة من المسلمين خرجوا عن طاعة الإمام بقتالـهم له أو امتناعهم عن دفع الـحق الواجب عليهم كالزكاة فجاز قتالـهم قال اللـه تعالى ﴿وإن طائفتان من المؤمنيـن اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهـما على الأخرى فقاتلوا التـى تبغـى﴾ أى تظلم وتعتدى ﴿حتى تفىء إلـى أمر اللـه﴾ أى حتـى ترجع إلـى الـحق. ومـما يستدل به على جواز قـتال الـبغاة أن سيدنا عليا رضى اللـه عنه قاتلهم لردهم إلـى الـحق فـى الوقائع الثلاث وقعة الـجمل مع من نكث بيعته من أهل الـبصرة ووقعة صفيـن مع معاوية ومن تبعه من أهل الشام ووقعة النهروان مع الـخوارج الذين لـم يصلوا إلـى حد الكفر.

     (ويقاتل أهل البغى) أى يقاتلهم الإمام وجوبا (بثلاثة شروط) ولا يكون لـهم حكم البغاة إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة وهى (أن يكونوا فـى منعة) أى قوة بأن يكونوا جـماعة كثيرين وليسوا أفرادا وفيهم من هو مطاع يرجعون إليه (وأن يـخرجوا عن قبضة) أى طاعة (الإمام) بانفرادهم فـى ناحية مع ترك الانقياد له أو امتناعهم عن أداء الـحق الواجب عليهم كالزكاة كما تقدم (وأن يكون لـهم تأويل سائغ) أى فيه شبهة ظنوها دليلا فتمسكوا بـها ولـم يـخرجوا بـها من الإسلام كالذين امتنعوا عن دفع الزكاة فـى عهد أبـى بكر لأنـهم أخطأوا فـى تفسيـر الآية ﴿خذ﴾ أى يـا مـحمد ﴿من أموالـهم صدقة﴾ أى زكاة ﴿تطهرهم وتزكيهم بـها وصل عليهم﴾ أى ادع لـهم ﴿إن صلاتك سكن لـهم﴾ فظنوا أنه هو المأمور بأخذها منهم فلا يـجب عليهم دفعها بعد موته ولـم يعلموا أن الـحكم عام فـى حال حياته وبعد موته فامتنعوا عن دفعها فقاتلهم أبو بكر لأخذ الـحق الواجب عليهم فـى أموالـهم ولـم يكفرهم. ومن أحكام البغاة أن الإمام لا يقاتلهم حتـى يبعث إليهم إنسانا أمينا فطـنا ناصحا لـهم فإن كان لـهم شبهة أزالـها فإن أصروا أعلمهم بالقتال. 

     (ولا يقتل أسيـرهم) أى البغاة ولا الفار من أرض المعركة ولا من ألقى سلاحه منهم وترك القتال ولا يطلق أسيـرهم حتـى تنقضى الـحرب ويتفرق جـمعهم (ولا يغـنم مالـهم) أى لا يؤخذ مالـهم غنيمة توزع على المقاتليـن (ولا يذفف على جريـحهم) أى لا يقتل. ولا يضمن أهل العدل ولا أهل البغى ما أتلفوه فـى حال القتال.

     (فصل) فـى أحكام الردة.

     وهى شرعا قطع الإسلام باعتقاد كفرى كاعتقاد أن العالـم أزلـى لا بداية لوجوده أو فعل كفرى كالسجود للصنم والشمس والقمر والسحر الذى فيه عبادة الشمس أو الذبح للأصنام أو السجود للشيطان أو قول كفرى كأن ادعى أن مـحمدا عليه الصلاة والسلام مرسل إلـى العرب دون غيرهم من الأمم أو ادعى أنه نبـى يوحى إليه أو كفر الصحابة أو ضللهم أو طعن فـى صدقهم وأمانتهم أو زعم أن أئمة أهل البيت أفضل من الأنبياء. والردة أفحش أنواع الكفر أى أقبحه لأنـها تذهب كل الحسنات ولأنـها خروج من الـحق إلـى الباطل أما أشد أنواع الكفر على الإطلاق فهو التعطيل أى نفى وجود اللـه وقول أهل الوحدة المطلقة إن اللـه هو العالـم وإن أفراد العالـم أجزاء منه تعالـى وقول أهل الـحلول إن اللـه يـحل فـى غيره. وقد نقل الـحافظ السيوطى فـى كتابه الـحاوى للفتاوى إجـماع المسلميـن على تكفيـر من قال بالـحلول أو الاتـحاد وقال القاضى عياض فـى كتابه الشفا وأجـمع المسلمون على كفر أصحاب الـحلول ومن ادعى حلول البارئ سبحانه فـى أحد الأشخاص.

     (ومن ارتد عن الإسلام استتيب ثلاثا) أى يـجب على الـخليفة أو من يقوم مقامه أن يطلب منه الرجوع إلـى الإسلام ويـمهله الـخليفة ثلاثة أيـام والراجح أنه لا يـمهله هذه المدة بل يستتيبه فورا (فإن تاب) بعوده إلـى الإسلام (وإلا قتل) أى قتله الـخليفة وجوبـا بضرب عنقه لـحديث البخارى من بدل دينه فاقتلوه أى من خرج من الإسلام إلـى غيره فاقتلوه إن لـم يرجع. ويعتمد الـخليفة فـى الـحكم عليه بالردة على شهادة شاهدين ذكرين عدليـن أو على اعتـرافه (و)إذا قتل المرتد (لـم يغسل) ولـم يكفن أى لا يـجب غسله ولا تكفينه ولا يـحرم (ولـم يصل عليه) أى لا تـجوز الصلاة عليه إذا مات لكفره ولا يـجوز التـرحم عليه ولا الاستغفار له (ولـم يدفن فـى مقابر المسلميـن) أى لا يـجوز دفنه فيها لأنـها وقفت لدفن موتى المسلميـن فقط. ومال المرتد بعد موته فـىء أى لـبيت المال إن كان يوجد بـيت مال مستقيم قائم عليه ثقة أميـن أما إن لـم يكن بيت مال مستقيم كما هو عليه الـحال اليوم فإن تـمكن رجل صالح أميـن عارف بـمصارف هذا المال من أخذه وصرفه فـى مصالح المسلميـن جاز له ذلك.

     (فصل) فـى حكم تارك الصلاة.

     (وتارك الصلاة) المفروضة (على ضربيـن) أى نوعيـن (أحدهـما أن يتـركها) المكلف (غير معتـقد لوجوبـها فحكمه حكم المرتد والثانـى أن يتـركها كسلا معتـقدا لوجوبـها فيستتاب فإن تاب وصلى) لـم يقتل (وإلا قتل حدا) فيقتل إن ترك الظهر أو العصر حتـى غربت الشمس أو ترك المغرب أو العشاء حتـى طلع الفجر أو ترك الصبح حتـى طلعت الشمس (وكان حكمه حكم المسلميـن فـى الدفن والغسل والصلاة) أى يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن فـى مقابر المسلميـن لأن حكمه أنه مسلم فاسق مرتكب للكبيـرة.

 

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين

لمشاهدة الدرس: https://www.youtube.com/watch?v=s-lGnbtnlLQ

 

للاستماع إلى الدرس: https://soundcloud.com/shaykh-gilles-sadek/ab10

 

 

الموقع الرسمي للشيخ جيل صادق: https://shaykhgillessadek.com