الأربعاء يناير 28, 2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، قائد الغر المحجلين، إمام الأتقياء العارفين، سيدنا وقائدنا وحبيبنا ونور أبصارنا محمد النبي العربي الأمي الأمين، العالي القدر، العظيم الجاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

  قال الإمام عمر النسفى المولود سنة إحدى وستين وأربعمائة والمتوفى سنة سبع وثلاثين وخمسمائة (قال أهل الحق) أى أهل السنة والجماعة (حقائق الأشياء) أى ما نعتقده حقائق الأشياء ونسميه بالأسماء من الإنسان والفرس والسماء وغير ذلك (ثابتة) أى موجودة وليس تخيلا كما يقول السوفسطائية فيجب اعتقاد وجود الأشياء لأن المشاهدة تشهد بذلك وورد فى الشرع إثباتها كقوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ فالله تعالى أثبت وجوده ووجود غيره من مخلوقاته. ومعنى الشىء الثابت الوجود أى وجوده ثابت محقق لذلك يقال الله شىء لا كالأشياء أى موجود لا كالموجودات قال الله تعالى ﴿قل أى شىء أكبر شهادة قل الله﴾. وقوله (والعلم بها متحقق) أى أن العلم والمعرفة بهذه الحقائق من تصورها بالأذهان والتصديق بها بالجنان أى القلب متحقق حصوله لنا ثابت يقينا، والعلم هو إدراك الشىء على ما هو عليه فأهل السنة والجماعة يثبتون حقائق الأشياء ولا ينكرونها (خلافا للسوفسطائية) فإنهم ينكرونها ويزعمون أنها أوهام وتخيلات.

     (وأسباب العلم للخلق ثلاثة) أى أن الطرق التى يتوصل بها المخلوق إلى العلم اليقينى القطعى ثلاثة (الحواس السليمة) وليس المقصود بها الآلات بعينها إنما المقصود ما يدرك بهذه الحواس عند سلامتها (والخبر الصادق) أى الخبر المطابق للواقع الذى لا يحتمل الكذب (والعقل) فهو أيضا سبب للعلم، والعقل صفة راسخة فى الإنسان يميز بها بين الحسن والقبيح (فالحواس خمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس وبكل حاسة منها يوقف على ما وضعت هى له) أى أن الله تعالى خلق كلا من تلك الحواس لإدراك أشياء مخصوصة كالسمع للأصوات والذوق للطعوم والشم للروائح، وجرت العادة أن ما يدرك بإحدى هذه الحواس لا يدرك بغيرها لكنه لا يمتنع عقلا لأن هذه الحواس أسباب لإدراك هذه الأشياء فيجوز عقلا أن يجعل الله قوة الرؤية فى القلب وقوة الشم فى العين وقوة الذوق فى اليد. (و)أما (الخبر الصادق) فهو (على نوعين أحدهما الخبر المتواتر وهو الخبر الثابت على ألسنة قوم لا يتصور تواطؤهم على الكذب) أى لا يتصور اتفاقهم على الكذب عادة. ولا بد للمتواتر أن يكون مستندا إلى الحس كالرؤية والسماع كرؤية نبوع الماء من بين أصابع النبى وسماع حنين الجذع وأما ما يستند إلى القضايا العقلية فلا يقال له متواتر (وهو) أى الخبر المتواتر (موجب للعلم الضرورى) أى يوجب العلم الذى لا يحتاج للتفكر والاستدلال (كالعلم بالملوك الخالية فى الأزمنة الماضية) كالعلم بوجود هارون الرشيد (والبلدان النائية) كالعلم بوجود مكة وبغداد (والثانى خبر الرسول) أى المسموع من فمه (المؤيد بالمعجزة) وهو خبر صادق لأن خبر من ثبتت رسالته بالمعجزات لا بد أن يكون صدقا فالمعجزة دليل على صدق من ادعى أنه نبى مبعوث من الله (وهو) كالخبر المتواتر الذى يستند إلى المشاهدة أو السمع فإنه (يوجب العلم) القطعى (الاستدلالى) أى الحاصل بطريق الاستدلال أى بالنظر فى الدليل كأن يقال النبى من الأنبياء أتى بأمر خارق للعادة لا يستطيع المكذبون له أن يأتوا بمثل ما جاء به ومن أتى بمثل ذلك فهو صادق قطعا، (والعلم الثابت به) أى العلم الذى يستفاد من خبر الرسول (يضاهى) أى يشابه (العلم الثابت بالضرورة) كالمحسوسات أى ما يدرك بالحس والقضايا المتواترة (فى التيقن والثبات) أى فى عدم احتمال زواله بتشكيك مشكك فى حق من شهده وأما فى حق من لم يشهد خبر الرسول بل وصل إليه خبره بواسطة فإنما يفيد ذلك العلم القطعى إذا بلغه الخبر بالتواتر.

     (وأما العقل) فإنه يدرك به المحسوسات بالمشاهدة والسماع كأن ينظر فى السماء فيدرك وجودها أو يسمع صوت شيخه فيدرك أن شيخه المتكلم لكونه عرف صوته وميزه من بين الأصوات (فهو سبب للعلم) القطعى (أيضا). والعلم الحاصل بالعقل إما أن يكون بديهيا أو استدلاليا (وما ثبت منه) أى بالعقل (بالبديهة) أى عند أول توجه النظر من غير احتياج إلى التفكر (فهو) علم (ضرورى) وذلك (كالعلم بأن كل الشىء أعظم) أى أكبر (من جزئه و)أما (ما ثبت) بالعقل (بالاستدلال فهو اكتسابى) أى يحصل من الاكتساب عن مباشرة الشخص الأسباب باختياره كالاستدلال بوجود العالم على وجود الخالق لأن العالم حادث مخلوق وكل حادث محتاج إلى محدث أحدثه وهو الله تبارك وتعالى.

     (والإلهام) أى إلهام الولى وهو ما يلقى فى قلبه من طريق الفيض أى من غير اكتساب منه ولا استدلال (ليس من أسباب المعرفة بصحة الشىء) أى ليس من أسباب العلم القطعى (عند أهل الحق) فلا يكون حجة فى الشرع.

     (والعالم) وهو كل ما سوى الله (بجميع أجزائه) من السمــٰوات وما فيها والأرض وما عليها (محدث) أى مخلوق وجد بعد عدم (إذ هو أعيان وأعراض) أى أحجام وصفات الأحجام (فالأعيان) كالفرد من أفراد الحجر والفرد من أفراد الشجر (ما له قيام بذاته) أى تحيز بنفسه أى ليس تحيزه تابعا لتحيز غيره (وهو إما مركب) من جوهرين فأكثر (وهو الجسم أو غير مركب كالجوهر) الفرد (وهو الجزء الذى لا يتجزأ) من تناهيه فى القلة. فالأجسام تتفاوت فى كميتها وحجمها بسبب تفاوت أعداد الجواهر المؤلفة منها (والعرض ما لا يقوم بذاته) بل بغيره بأن يكون تابعا له فى التحيز كبياض الجسم الأبيض وحركة الحجم وسكونه (ويحدث) العرض (فى) الجواهر المركبة وهى (الأجسام والجواهر) غير المركبة (كالألوان والأكوان) أى الاجتماع والافتراق والحركة والسكون (والطعوم والروائح).

     (والمحدث للعالم هو الله تعالى) أحدثه من العدم إلى الوجود بقدرته الأزلية بلا جارحة ولا حركة ولا ءالة ولا مباشرة وهو (الواحد) الذى لا شريك له ولا معبود بحق سواه فلا يوجد ذات مثل ذاته وليس لغيره صفة كصفته أو فعل كفعله قال الله تعالى ﴿وإلـٰهكم إلـٰه واحد﴾ فلو أمكن إلـٰهان لأمكن بينهما تمانع بأن يريد أحدهما حركة زيد والآخر سكونه وحينئذ إما أن لا يحصل الأمران فيلزم عجزهما والعاجز لا يكون إلـٰها وإما أن يحصل الأمران فيجتمع الضدان وهو محال أو يحصل أمر منهما فيلزم عجز أحدهما وهو أمارة حدوثه فالتعدد مستلزم لإمكان التمانع المستلزم للمحال فيكون محالا. وهو سبحانه (القديم) الذى لا ابتداء لوجوده قال تعالى ﴿هو الأول﴾ أى هو وحده الأول الذى لا ابتداء لوجوده وقال رسول الله ﷺ كان الله ولم يكن شىء غيره أى أن الله أزلى ولا أزلى سواه وأجمعت الأمة على جواز إطلاق القديم على الله ذكر ذلك الإمام محمد مرتضى الزبيدى فى شرح إحياء علوم الدين. وقد صح فى حديث أبى داود قوله ﷺ إذا أراد دخول المسجد أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، فإذا جاز إطلاق القديم على سلطان الله الذى هو صفته جاز إطلاقه على الذات (الحى) بلا روح ولا جسد (القادر) على كل شىء فلا يعجزه شىء قال تعالى ﴿وهو على كل شىء قدير﴾. فلو لم يكن الله قادرا لكان عاجزا والعجز نقص والنقص مستحيل على الله وهو سبحانه (العليم) بكل شىء فهو عالم بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته لأنه لو لم يكن عالما لكان جاهلا والجهل نقص والله منزه عن النقص ولا يقبل علمه الزيادة ولا النقصان لأن الله لو كان علمه يزيد وينقص لكان مثل خلقه (السميع البصير) أى أنه متصف بالسمع والبصر فهو يسمع كل المسموعات بلا أذن ولا ءالة أخرى ويرى كل المرئيات بلا حدقة ولا ءالة أخرى فلو لم يكن متصفا بالسمع لكان متصفا بالصمم وهو نقص على الله والنقص عليه محال ولو لم يكن بصيرا رائيا لكان أعمى والعمى أى عدم الرؤية نقص على الله والنقص عليه مستحيل (الشائى المريد) أى أنه متصف بالمشيئة وهى الإرادة ومعنى المشيئة تخصيص الممكن العقلى أى المخلوق ببعض ما يجوز عليه دون بعض.

     (ليس بعرض) لأن الله قائم بذاته أى وجوده ليس قائما بغيره والعرض لا يقوم بذاته بل يفتقر إلى حجم يقوم به كالحركة فإنها لا تقوم إلا بحجم متحرك أى وجودها يتبع وجود الحجم (ولا جسم) أى يستحيل على الله أن يكون جسما والجسم هو المركب من أجزاء وما كان كذلك فهو محدث (ولا جوهر) أى يستحيل أن يكون جوهرا وهو الجزء الذى لا يتجزأ من القلة مع تحيزه. ولا يجوز إطلاق الجوهر والجسم على الله لعدم ورود الشرع بذلك وقد اتفق أهل السنة أنه لا يجوز إطلاق لفظ غير وارد على الله إذا كان يوهم ما لا يليق بذاته تعالى كلفظ السخى مع كونه وصفا فيعلم من ذلك أنه لا يجوز تسمية الله بالريشة المبدعة أو القوة الخالقة كما فعل ذلك سيد قطب فالريشة اسم من أسماء الأعيان والقوة صفة وليست لفظا من ألفاظ الوصف. وقوله (ولا مصور) أى يستحيل على الله أن يكون ذا صورة وشكل لأن ذلك من صفات الأجسام قال الإمام أبو سليمان الخطابى إن الذى يجب علينا وعلى كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذى صورة ولا هيئة (أى أنه منزه عن الحجم والمقدار والشكل والصورة) فإن الصورة تقتضى الكيفية (معناه من كان حجما مركبا من أجزاء لا بد من اتصافه بصفات الأحجام كالحركة والسكون والصغر والكبر ونحوها) وهى (أى الكيفية) عن الله وعن صفاته منفية (أى أن الله منزه عن الاتصاف بصفات المخلوقين وصفاته ليست حادثة). وقوله (ولا محدود) أى أن الله تعالى منزه عن أن يكون ذا حد ونهاية أى ليس شيئا له كمية فكل شىء له كمية من الذرة إلى العرش يحتاج إلى من أوجده على هذه الكمية، الشمس لها كمية لها حد ومقدار تحتاج إلى من جعلها على هذا الحد والمقدار ولا يصح فى العقل أن تكون هى أوجدت نفسها على هذا الحد الذى هى عليه، العقل لا يقبل ذلك لأن الشىء لا يخلق نفسه ولما كانت الشمس مع عظم نفعها لا تصلح أن تكون إلـٰها للعالم وجب أن يكون خالقها لا كمية له قال سيدنا على رضى الله عنه من زعم أن إلـٰهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود رواه الحافظ أبو نعيم فى الحلية وقال الإمام الطحاوى تعالى (أى الله) عن الحدود والغايات والأعضاء والأركان والأدوات. فلا يجوز نسبة الحد إلى الله. عجبا كيف يعتقد ابن تيمية أن الله جسم مستقر فوق العرش بقدر العرش وأنه ينزل بذاته كل ليلة إلى السماء الأولى وقد ثبت فى الحديث أن السمــٰوات السبع بالنسبة للعرش كحلقة فى أرض فلاة أى كحبة صغيرة بالنسبة إلى صحراء كبيرة فعلى مقتضى كلامه أن الله يتصاغر حتى تسعه السماء الأولى والعياذ بالله. وأما قوله (ولا معدود) أى أنه تعالى ليس ذا عدد وكثرة يعنى أن الله منزه عن الكمية لأن الكمية تقتضى التركيب كالمقادير أو التعدد كالأفراد المتعددة وكل ذلك مستحيل على الله (ولا متبعض ولا متجزئ) أى ليس ذا أبعاض ولا أجزاء لأنه ليس جسما قال الله عز وجل ﴿وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين﴾، وجعلوا أى الكفار، له أى لله، من عباده جزءا أى نسبوا إليه الجزئية، إن الإنسان لكفور مبين أى هذا الذى ينسب إلى الله تعالى التجزء والتبعض كفره عظيم وكفره مبين (ولا متركب ولا متناه) أى أنه تبارك وتعالى منزه عن أن يكون متركبا من أجزاء لأن هذا يوجب الاحتياج وأنه ليس ذا نهاية لأن التناهى من صفات المقادير والله متعال عن ذلك فهو منزه عن التناهى قال الإمام الطحاوى رضى الله عنه تعالى عن الحدود والغايات والأعضاء والأركان والأدوات، والغايات جمع غاية والغاية بمعنى النهاية.

     (ولا يوصف) ربنا (بالماهية) وهى مأخوذة من قول القائل ما هو أى من أى جنس هو فالله تعالى لا يوصف بالماهية لأنه ليس جنسا من الأجناس فلا يقال من أى جنس هو. فرعون الكافر سأل سيدنا موسى عليه السلام فقال له ﴿وما رب العالمين﴾ وسؤاله كان عن الماهية فأجابه سيدنا موسى عليه السلام عن ءاثار قدرة الله عز وجل كما ورد فى القرءان ﴿قال رب السمــٰوات والأرض وما بينهما﴾ أى أن الله مالك وخالق السمــٰوات والأرض أى إن أردت أن تعرف الله فانظر فى مخلوقاته فإنك تستدل بوجود المخلوقات كالسمــٰوات والأرض على وجود الخالق وقدرته وأنه لا يشبه شيئا (ولا) يوصف (بالكيفية) وهى كل ما كان من صفات الخلق فمن شبه الله بشىء من خلقه فقد كفر ومن وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلقه فهو كافر قال الإمام أبو جعفر الطحاوى أحمد بن سلامة ومن وصف الله بمعنى من معانى البشر فقد كفر أى من وصف الله تعالى بوصف من أوصاف البشر فقد كفر لإثباته المماثلة بينه وبين خلقه وهى منفية بقوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ (ولا يتمكن فى مكان) أى أن الله منزه عن التمكن فى مكان والمكان هو ما يشغله الحجم من الفراغ فلو كان الله فى مكان لكان حجما ولو كان حجما لاحتاج إلى من جعله على هذا الحجم والمحتاج لا يكون إلـٰها ولو جاز أن يعتقد أن خالق العالم حجم لجاز أن تعتقد الألوهية للشمس والقمر فيجب اعتقاد أن الله تعالى موجود بلا مكان لأنه ليس حجما يملأ فراغا بل هو خالق الأماكن والجهات وكان موجودا قبلها بلا مكان ولا جهة وبعد أن خلق الأماكن والجهات لم يتغير عما كان. ويكفى فى تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة قوله تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ لأنه لو كان له مكان لكان له أمثال وأبعاد طول وعرض وعمق ومن كان كذلك كان محدثا أى مخلوقا محتاجا لمن حده بهذا الطول وبهذا العرض وبهذا العمق. وقوله (ولا يجرى عليه زمان) أى أن الله تعالى لا بداية لوجوده لأن الزمان حادث فالزمان وجد بوجود أول المخلوقات وهو الماء لقوله ﷺ كان الله ولم يكن شىء غيره أى أن الله أزلى ولا أزلى سواه (ولا يشبهه شىء) أى لا يوجد شىء يماثله من جميع الوجوه ولا من بعض الوجوه قال تعالى ﴿ليس كمثله شىء﴾ أى أن الله تعالى لا يشبهه شىء من المخلوقات بأى وجه من الوجوه لأن الله تعالى ذكر لفظ شىء فى سياق النفى والنكرة إذا جاءت فى سياق النفى فهى للشمول فالله تعالى نفى بهذه الجملة عن نفسه مشابهة كل أفراد المخلوقات ولم يقيد نفى الشبه عنه بنوع من أنواع المخلوقات.

     (ولا يخرج عن علمه وقدرته شىء) أى لا يخرج عن علم الله ولا عن قدرته شىء لأن الجهل أو العجز نقص والله منزه عن النقص قال تعالى ﴿وهو بكل شىء عليم﴾ وقال تعالى ﴿وهو على كل شىء قدير﴾ والمراد بالشىء هنا الجائز العقلى لأن قدرة الله لا تتعلق بالواجب العقلى وهو ذات الله وصفاته لأنه لا يقبل العدم ولا بالمستحيل العقلى لأنه لا يقبل الوجود وعدم تعلق قدرة الله بالمستحيل العقلى والواجب العقلى ليس عجزا فى حق الله. وأما علم الله فإنه يتعلق بالواجب العقلى والجائز العقلى والمستحيل العقلى.

     (و)الله تعالى (له صفات أزلية قائمة بذاته) أى ثابتة له لا تنفك عنه كما ينفك الغير عن الغير وليس معنى قولنا قائمة بذاته أنها متصلة بذاته أو حالة فى ذاته أو هى بعض ذاته بل نقول صفات الله أزلية أبدية فقدرته صفة أزلية أبدية قائمة بذاته يتأتى بها الإيجاد والإعدام وإرادته صفة قديمة قائمة بذاته يخصص بها الممكنات ببعض ما يجوز عليها دون بعض (وهى) أى صفات الله (لا هو ولا غيره) أى ليست عين الذات ولا غير الذات فلا يلزم قدم الغير ولا تكثر ذوات قدماء كما تدعى المعتزلة. المعتزلة يقولون لو قلنا الله قادر بقدرة وعالم بعلم ومريد بإرادة ومتكلم بكلام هو صفة له نكون أثبتنا ءالهة كثيرة وجعلنا العلم إلـٰها مع الذات المقدس وجعلنا القدرة إلـٰها مع الذات المقدس وكلامهم باطل (و)الصفات التى تجب معرفتها على كل مكلف (هى) الوجود والوحدانية والقدم أى الأزلية والبقاء وقيامه بنفسه أى أنه مستغن عن كل ما سواه و(العلم والقدرة والحياة والقوة) أى القدرة (والسمع والبصر والإرادة و)هى (المشيئة) والكلام والمخالفة للحوادث أى عدم مشابهته للمخلوقات.

     (والفعل والتخليق والترزيق) والإحياء والإماتة ترجع إلى صفة التكوين أى أن الله تعالى متصف بصفة أزلية قائمة بذاته هى التكوين فإذا تعلقت بالرزق سميت ترزيقا وإذا تعلقت بحياة مخلوق سميت إحياء وإذا تعلقت بموته سميت إماتة فالترزيق تكوين مخصوص وكذا الإحياء والإماتة. واختلف الأشاعرة والماتريدية فى صفات الأفعال والاختلاف بينهم لفظى فقال الماتريدية إنها أزلية فهى عندهم صفات قائمة بذاته أى ثابتة له وقال الأشاعرة إنها حادثة لأنها عبارة عن تعلقات القدرة الأزلية أى عن ءاثارها وإنما سميت صفات لإضافتها إلى الله تعالى والفريقان متفقان على أن الله تعالى لا تقوم بذاته صفة حادثة. والراجح أن صفات الفعل أزلية وليست حادثة وهذا مذهب كثير من قدماء الأشاعرة قال البخارى رحمه الله فى كتاب التوحيد والفعل صفته فى الأزل والمفعول مخلوق والتخليق صفته فى الأزل والمخلوق مكون حادث.

     (والكلام) صفة أزلية أبدية قائمة بذات الله أى ثابتة له ليست مقترنة بالزمن (وهو متكلم بكلام هو صفة له أزلية ليس من جنس الحروف والأصوات) ليس حادثا ككلام غيره بل أزلى بأزلية الذات لا يشبه كلام الخلق ليس بصوت يحدث من خروج الهواء من الجوف أو اصطكاك الأجرام وهى مخارج الحروف ولا بحرف يظهر بإطباق شفة أو يحدث بسبب تحريك لسان (وهو صفة منافية للسكوت والآفة) أى العاهة فلا يطرأ على كلام الله سكوت أو تقطع (والله) تعالى (متكلم بها ءامر ناه مخبر) واعد متوعد فليس الكلام الأزلى صفات متعددة بل صفة واحدة تكون خبرا وأمرا ونهيا ووعدا ووعيدا (والقرءان) بمعنى الصفة الأزلية هو (كلام الله تعالى غير مخلوق) لاستحالة قيام الحوادث بالذات الأزلى واستحالة كون الحروف قديمة كما ذهب إليه مجسمة الحنابلة كابن تيمية (وهو مكتوب فى مصاحفنا) أى بالحروف الدالة عليه (محفوظ فى قلوبنا) أى بالألفاظ المتخيلة (مقروء بألسنتنا) أى بالحروف الملفوظة المسموعة (مسموع بآذاننا غير حال فيها) أى أن الكلام الذاتى ليس حالا فى المصاحف ولا فى القلوب والألسنة ولا هو المسموع بآذاننا إنما المكتوب بأشكال الحروف والمحفوظ بالقلوب والمقروء بالألسن والمسموع بالآذان هو اللفظ المنزل وليس عين كلام الله الأزلى.

     (والتكوين) ويعبر عنه بالخلق والتخليق والإحداث وهو (صفة لله تعالى أزلية وهو تكوينه للعالم ولكل جزء من أجزائه لوقت وجوده) وهذا هو المعروف عند الماتريدية وبه قال بعض الأشاعرة (وهو) أى التكوين (غير المكون عندنا) أى عند الماتريدية أما عند أغلب الأشاعرة فالتكوين هو المكون لأنه عبارة عن أثر القدرة القديمة وليس صفة قائمة بذات الله.

     (والإرادة) بمعنى المشيئة (صفة لله أزلية قائمة بذاته تعالى) أى ثابتة له يخصص بها الممكن ببعض ما يجوز عليه من الصفات دون بعض. والإرادة شاملة لأعمال العباد الخير منها والشر فكل ما دخل فى الوجود من خير وشر فبمشيئة الله وقع وحصل ولولا تخصيص الله تعالى للطاعات بالوجود ما وجدت وكذلك الكفريات والمعاصى لولا تخصيص الله تعالى لها بالوجود ما وجدت. ولا يقاس الخالق على المخلوق ففعل العبد للشر قبيح من العبد لأنه منهى عن فعله أما خلق الله للشر فليس قبيحا من الله وكذلك إرادة الله لوجود القبيح ليس قبيحا من الله إنما القبيح فعله وإرادته من العباد.

     (ورؤية الله تعالى جائزة فى العقل واجبة بالنقل) أى أن رؤية العباد لربهم فى الآخرة ثابتة نقلا وجائزة عقلا قال الحافظ الفقيه محمد مرتضى الزبيدى فى شرح إحياء علوم الدين والبارئ تعالى موجود فصح أن يرى (وقد ورد الدليل السمعى بإيجاب رؤية المؤمنين لله تعالى فى دار الآخرة) قال الله تعالى ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ أى أن المؤمنين يرون ربهم ذلك اليوم يرون من ليس كمثله شىء، لا يرونه حجما لطيفا كالنور ولا حجما كثيفا كالإنسان ولا يرونه مستقرا حالا فى الجنة ولا خارجها، رؤية المؤمنين لله فى الآخرة ليس اجتماعا بالله كاجتماع المصلين بإمامهم فى المسجد لأن الله تعالى يستحيل عليه السكنى فى مكان (فيرى لا فى مكان ولا على جهة ومقابلة) من الرائى (أو اتصال شعاع) من العين بالمرئى (أو ثبوت مسافة بين الرائى وبين الله تعالى) فلا يرونه متحيزا عن يمينهم ولا عن يسارهم ولا فى جهة فوق ولا فى جهة تحت ولا فى جهة أمام ولا فى جهة خلف.

     (والله تعالى خالق لأفعال العباد من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان) أى مبرزها من العدم إلى الوجود وليس كما يقول المعتزلة بأن العبد يخلق أفعاله قال الله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ أى وعملكم وقال رسول الله إن الله صانع كل صانع وصنعته أى إن الله خالق كل عامل وعمله رواه الحاكم فى المستدرك والبيهقى فى شعب الإيمان (وهى) أى أفعال العباد (كلها بإرادته ومشيئته) حاصلة أى بتخصيص الله لها بالوجود (وحكمه) أى حاصلة بحكم الله وأراد بالحكم الإرادة التكوينية أى إرادة الله وجود الأشياء فتوجد بتكوين الله (وقضيته) أى قضائه والقضاء بمعنى الخلق (وتقديره) أى بإيجاد الله لها على حسب علمه الأزلى ومشيئته الأزلية.

     (وللعباد أفعال اختيارية يثابون بها) أى أن العباد يثابون على ما يعملون من الحسنات بفضل الله تعالى من غير أن تكون إثابتهم واجبة عليه سبحانه لأن أعمالهم هو خلقها فيهم وهو الذى أقدرهم وأعانهم عليها فلله الفضل عليهم لإقدارهم على عمل الحسنات وإجزال الثواب لهم عليها (و)أما المعاصى التى يفعلونها باختيارهم فإنهم (يعاقبون عليها) ولا يكون ذلك منه ظلما لأن الله هو المالك الحقيقى لكل شىء وهو يفعل فى ملكه ما يشاء فلا يتصور منه الظلم لأن الظلم يتصور ممن له ءامر وناه كالعباد إذ الظلم هو مخالفة أمر ونهى من له الأمر والنهى والله تعالى ليس له ءامر ولا ناه قال الله تعالى ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾. وأفعال العباد قسمان حسن وقبيح (والحسن منها برضاء الله تعالى) أى بمحبته (والقبيح منها) وهو ما كان معصية أو مكروها (ليس برضائه تعالى) وكل من الحسن والقبيح يحصل بإرادة الله ومشيئته وتقديره. وأفعال العباد خلق لله تعالى وكسب للعباد والكسب الذى هو فعل العبد وعليه يثاب أو يؤاخذ فى الآخرة هو توجيه العبد قصده وإرادته نحو العمل أى يصرف إليه قدرته فيخلقه الله عند ذلك فالعبد كاسب لعمله والله تعالى خالق لعمل هذا العبد الذى هو كسب له.

     (والاستطاعة مع الفعل وهى حقيقة القدرة التى يكون بها الفعل ويقع هذا الاسم على سلامة الأسباب والآلات والجوارح) وهذه الاستطاعة يوصف بها العبد وتكون مقترنة بالفعل وهى صفة يخلقها الله تعالى عند قصد العبد اكتساب الفعل بعد سلامة أسباب الفعل وءالاته كاللسان واليد فيخلق الله تعالى فى العبد القدرة على فعله خيرا كان أو شرا وتكون هذه القدرة من حيث الزمان مقترنة بفعل العبد لا سابقة عليه ولا متأخرة عنه أما الاستطاعة التى هى سلامة الأسباب والآلات فهى متقدمة على الفعل (وصحة التكليف تعتمد هذه الاستطاعة) أى يكلف بالفعل من كان متصفا باستطاعة فعله.

     (ولا يكلف العبد بما ليس فى وسعه) لقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ أى أن الله عز وجل لا يأمر العبد إلا بما فى وسعه فالأمر بالفعل لا بد له من القدرة على الفعل أى لا بد أن يكون الفعل فى استطاعة العبد كالقيام فى صلاة الفرض للقادر.

     (وما يوجد من الألم فى المضروب عقيب ضرب إنسان والانكسار فى الزجاج عقيب كسر إنسان وما أشبهه كل ذلك مخلوق الله تعالى) أى أن الألم الذى يحصل فى المضروب عقيب ضرب إنسان إنما يحصل بخلق الله تعالى لا بخلق العبد وكذلك الانكسار فى الزجاج عقيب كسر إنسان فإنما يقع بتخليق الله تعالى أى بإحداث الله له من العدم (لا صنع للعبد فى تخليقه).

     (والمقتول ميت بأجله) وليس كما تقول المعتزلة أن القاتل قطع على المقتول أجله وأنه قتل فلم يستوف أجله الذى كتب الله له وهو كفر صريح. والأجل عبارة عن وقت يخلق الله فيه الموت فالله تعالى قدر ءاجال الخلائق من البشر والجن وغيرهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قال الله تعالى ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾. (والموت قائم بالميت مخلوق لله تعالى لا صنع للعبد فيه تخليقا ولا اكتسابا) أى أن الموت لا يوصف بأنه مخلوق للعبد ولا أنه مكتسب له وهذا لا ينفى أنه مكتسب أسبابه بالجرح والطعن والإحراق ونحو ذلك كالخنق (والأجل واحد) وليس اثنين ولا ءاجالا متعددة.

والله تعالى أعلم وأحكم، والحمد لله رب العالمين