التفسير: يجب الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى موجود أزلا وأبدا بلا مكان فهو لا في جهة واحدة ولا في كل الجهات وليس حالا في الأماكن وليس محيطا بالعالم كما يحيط قشر البيضة بما فيها ولا كما تحيط قشرة البرتقالة بما فيها، فهذا لا يقوله مسلم مؤمن، بل هو من كلام المشبهة المجسمة كالألباني الذي قال في تعليقه على مختصر الترغيب والترهيب للمنذري «إن الله يحيط بالعالم كما تحيط الحقة بما فيها»، وهذا تشبيه لله بخلقه صريح، فالله سبحانه وتعالى ليس حجما كثيفا وليس حجما لطيفا، وأما تفسير الآية الكريمة فهو أن الله تعالى محيط بكل شيء علما، فهو عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية، فعلمه علم واحد شامل لكل الأشياء لا يتجدد ولا يتبعض ولا يتغير ولا يزيد ولا ينقص بدليل قوله تعالى: {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} [الطلاق 11]، فالإحاطة هنا بالعلم وليس ذاته هنا وهناك وفي كل مكان يحاصر العالم والكون فهذا إلحاد وزندقة وكفر صريح.
وإن قالت المشبهة المجسمة: «إنا نأخذ بالظاهر ولا نؤول» يرد عليهم بقول الإمام الحافظ الشيخ عبد الله الهرري الحبشي في كتابه الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم ص270 من طبعة دار المشاريع الطبعة الثامنة سنة 1434هـ/2013م: «إن قالت المشبهة المجسمة لنا {الرحمٰن على العرش استوىٰ} نأخذ بظاهره فنقول إنه هناك ونثبت أنه ساكن على العرش قاعد عليه أو مستقر» قلنا لهم «الله تعالى قال أيضا {وهو معكم أين ما كنتم} وقال: {ألا إنه بكل شيء محيط} فنحن على زعمكم إذا أخذنا بظاهر هاتين الآيتين كما أنتم أخذتم بظاهر استوى فقلتم «ساكن فوق» فيكون الله تعالى على كلامكم معنا وعلى العرش ومحيطا بنا وبالعالم هكذا كالدائرة فهل هذا يصح عندكم؟ فإن حملتم أنتم تلك على ظاهرها ونحن حملنا هاتين الآيتين على ظاهرهما الله على زعمكم يكون بذاته فوق العرش ويكون بذاته مع كل شخص في الأرض ويكون كالدائرة المحيطة بما فيها فماذا تقولون؟ فليس لهم جواب فهل يصح في العقل أن يكون الله بذاته فوق وهو بذاته مع كل شخص لأن ظاهر قول الله تعالى: {وهو معكم أين ما كنتم} أنه مع هذا بذاته ومع هذا ومع هذا، وظاهر قول الله تعالى: {ألا إنه بكل شيء محيط} أن يكون هو كالدائرة تحيط بما فيها بما في ضمنها، فهذا لا يعقل أي أن يكون الشيء الواحد في أماكن متعددة بذات واحد.
قال الإمام القشيري رحمه الله: «والواحد يستحيل أن يكون بذاته في حالة واحدة بكل مكان». فالشيء الواحد بعينه لا يصح في العقل أن يكون في كل مكان، أما ما يقوله الصوفية: «إن الولي يكون له شبح مثالي» أي غير الجسم الأصلي فلا يحيله العقل لأنهم لا يقولون الذات الذي هنا بعينه هناك، إنما يكون مثاله» اهـ.
قال المفسر الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره «معالم التنزيل» ما نصه([1]): «قوله عز وجل: {ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا} أي: أحاط علمه بجميع الأشياء». اهـ.
وقال المفسر محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في تفسيره «الجامع لأحاكم القرءان» ما نصه([2]): «قوله تعالى {وكان الله بكل شيء محيطا} أي أحاط علمه بكل الأشياء». اهـ.
وقال اللغوي المفسر أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط ما نصه([3]): {وكن الله بكل شيء محيطا} أي: عالما بكل شيء من الجزئيات والكليات». اهـ.
([1]) معالم التنزيل (طبعة دار طيبة المجلد الأول ص293).