الأربعاء يناير 28, 2026

1. قال تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23].

الشرح: إن من عقيدة أهل السنة والجماعة المنصوص عليها في القرءان والحديث والإجماع:

القول في إثبات رؤية الله عز وجل للمؤمنين في الآخرة بالأبصار

قال الله تعالى في كتابه المبين في سورة القيامة: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} وقال الله تعالى عن الكافرين: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: 15].

فلما عاقب الكفار بحجبهم عن رؤيته دل على أنه يثيب المؤمنين برفع الحجاب عنهم عن أعينهم حتى يروه ولما قال في وجوه المؤمنين {وجوه يومئذ} فقيدها بيوم القيامة ووصفها فقال {ناضرة ثم أثبت لها الرؤية فقال {إلىٰ ربها ناظرة} علمنا أن الآية الأخرى في نفيها عنهم في الدنيا دون الآخرة وفي نفيها عن الوجوه الباسرة دون الوجوه الناضرة جمعا بين الآيتين وحملا للمطلق من الكلام على المقيد منه ثم قال بعض أصحابنا إنما نفى عنه الإدراك دون الرؤية والإدراك هو الإحاطة بالمرئي دون الرؤيا.

ومما يدل على أن الله عز وجل يرى بالأبصار قول موسى الكليم عليه السلام: {رب أرني أنظر إليك} [الأعراف: 143]، ولا يجوز أن يكون نبي من الأنبياء قد ألبسه الله جلباب النبيين وعصمه مما عصم منه المرسلين يسأل ربه ما يستحيل عليه، وإذا لم يجز ذلك على موسى عليه السلام فقد علمنا أنه لم يسأل ربه مستحيلا وأن الرؤية جائزة على ربنا عز وجل.

ومما يدل على ذلك قول الله عز وجل لموسى عليه السلام {فإن استقر مكانه فسوف تراني} [الأعراف: 143]، فلما كان الله قادرا على أن يجعل الجبل مستقرا كان قادرا على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى فدل ذلك على أن الله قادر على أن يري نفسه عباده المؤمنين وأنه جائز رؤيته، وقوله {لن تراني} أراد به في الدنيا دون الآخرة بدليل ما مضى من الآية، ولأن الله تعالى قال: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44].

واللقاء إذا أطلق على الحي لم يكن إلا رؤية الذات، وأهل هذه التحية لا آفة بهم ولأنه قال: {ولدينا مزيد} [ق: 35]، وقال: {للذين أحسنوا الحسنىٰ وزيادة} [يونس: 26].

وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم المبين عن الله عز وجل فمن بعده من الصحابة الذين أخذوا عنه والتابعين الذين أخذوا عن الصحابة أن الزيادة في هذه الآية: النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى أي إلى ذات الله والله منزه عن الجارحة، وانتشر عنه وعنهم إثبات رؤية الله عز وجل في الآخرة بالأبصار بلا كيف ولا مكان.

وجاء في تفسير هذه الآية عن جماعة كبيرة من العلماء بالإسناد المتصل {للذين أحسنوا الحسنىٰ} أي الجنة، {وزيادة} النظر إلى وجه الرب عز وجل أي إلى ذاته، فعن عبد الرحمٰـن بن صخر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارزا للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر، وذكر باقي الحديث، قال البيهقي رحمه الله: واللقاء المذكور في هذا الحديث هو لقاء الله عز وجل فقد أفرد البعث بالذكر، وقال في حديث دعاء التهجد: «ووعدك حق ولقاؤك حق».

رواه البخاري في دعاء التهجد ومسلم في صلاة المسافرين وفي رواية أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم» أخرجه البخاري، وفي حديث أن ابن مالك رضي الله عنه في قصة الأنصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «اصبروا حتى تلقوا الله ورسوله» أخرجه البخاري في صحيح في كتاب التوحيد.

 وفي الكتاب قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} [الكهف: 110].

وذكر الحافظ عبد الرحمٰـن بن الجوزي الحنبلي في تفسيره «زاد المسير في علم التفسير»([1]) في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: 23] ما نصه: أي مشرقة بالنعيم، روى عطاء عن ابن عباس قال: إلى الله ناظرة، قال الحسن: حق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق. ورؤية الله عز وجل حق لا شك فيه والأحاديث فيها صحاح وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله تعالى في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها». اهـ.

وانظر تفسير الخازن([2]) في تفسير هذه الآية: «وانظر تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي /وانظر التفسير الكبير للإمام الفخر الرازي وكل كتب التفسير المعتبرة عند أهل الحق». اهـ.

وفي إحياء علوم الدين([3]) للفقيه الشافعي أبي حامد محمد بن محمد الغزالي تحت عنوان بيان العلم بصفات الله عز وجل قال: «الأصل التاسع: العلم بأنه تعالى مع كونه منزها عن الصورة والمقدار مقدسا عن الجهات والأقطار مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة دار القرار لقوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} ولا يرى في الدنيا تصديقا لقوله عز وجل {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} ولقوله تعالى في خطاب موسى عليه السلام {لن تراني}». اهـ.

وانظر في كتاب لمع الأدلة([4]) لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك الجويني تحت عنوان رؤية الله، وفي كتابه الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد([5]) تحت عنوان كل موجود يجوز أن يرى، وفي 164 تحت عنوان رؤية الله تعالى وفي 168 تحت عنوان رؤية الله تعالى ستكون في الجنان بلا كيف ولا جهة ولا مكان كما عرفناه في الدنيا ليس كمثله شيء نراه في الآخرة.

وتأمل كتاب الإنصاف([6]) في ما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به لإمام المتكلمين القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني البصري قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة} الآية.

وإليك كتاب الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد([7]) للإمام الحافظ الكبير أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي تحت عنوان القول في إثبات الرؤية لله عز وجل في الآخرة بالأبصار.

وافهم أرشدك الله إلى سبيل أهل الحق ما ذكره الإمام العالم الجليل عمدة المتكلمين أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 329هـ في كتابه العقيدة الطحاوية([8]) ما نصه: «والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية كما نطق به كتاب ربنا {وجوه يومئذ ناضرة}».

وتدبر معنى ما قاله المتكلم النحوي الفقيه محمد بن هبة الله المكي في كتابه حدائق الفصول وجواهر العقول المعروفة بالعقيدة الصلاحية والتي نظمها بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه فأقبل عليها وأمر بتدريسها في الكتاب حتى للصبيان([9]):

فصل في رؤية الخالق

 وقد أتى في الخبر المنقول
رؤية رب الخلق في القيامة
ولم يرد بضربه المثالا
إذ رؤية الخالق لا تكيف
فمنكروها خالفوا الرسولا

 

الثابت النقل عن الرسول
كالقمر النائي عن الغمامة
إلا انتفاء الشك والإجلال
هذا ما كان عليه السلف
وعاندوا المنقول والمعقول».

 وذكر الإمام عمر بن محمد النسفي في كتابه العقيدة النسفية يقول([10]): «ورؤية الله تعالى جائزة في العقل واجبة بالنقل».

وقد ورد الدليل السمعي بإيجاب رؤية المؤمنين لله تعالى في دار الآخرة فيرى لا في مكان ولا في جهة ولا على جهة من مقابلة أو اتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائي وبين الله تعالى.

قال الإمام الحافظ ابن فورك([11]): «اعلم أن قوله ترون ربكم كما ترون القمر لم يقصد به إلا تحقيق رؤية العيان لا تشبيه المرئ بالمرئ بل تحصيل ذلك تشبيه الرؤية بالرؤية حتى كأنه قال رؤيتكم الله تعالى يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر أي كما أنكم لا تشكون ليلة البدر في رؤية القمر أنه هو البدر ولا يتخالجكم فيه ريب وظن كذلك ترون الله جل ذكره يوم القيامة معاينة يحصل معها اليقين بأن ما ترونه هو المعبود الإلٰــه الذي ليس كمثله شيء وحقق ذلك قوله لا تضامون في رؤيته فأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تضامون في رؤيته» أي لا ينضم بعضكم إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال رأس الشهر بل ترونه جهرة من غير تكلف لطلب رؤيته كما ترون البدر وهو القمر ليلة الرابع عشر إذا عاينه المعاين جهرة لم يحتج إلى تكلف في طلب رؤيته ومعاينته وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تضارون» أي لا يلحقكم الضرر في رؤيته بتكلف طلب كما يلحق المشقة والتعب في طلب رؤية ما يخفي ويدق ويغمض وكل ذلك المعاينة وأنها صفة تزيد على العلم». اهـ.

وقال الإمام ابن فورك في كتابه مشكل الحديث وبيانه([12]): «اعلم أن قوله ترون ربكم كما ترون القمر لم يقصد به إلا تحقيق رؤية العيان لا تشبيه المرئ بالمرئ بل تحصيل ذلك تشبيه الرؤية بالرؤية حتى كأنه قال رؤيتكم الله تعالى يوم القيامة كرؤيتكم القمر ليلة البدر، أي كما أنكم لا تشكون ليلة البدر في رؤية القمر أنه هو البدر ولا يتخالجكم فيه ريب وظن كذلك ترون الله جل ذكره يوم القيامة معاينة يحصل معها اليقين بأن ما ترونه هو المعبود الإلٰــه الذي ليس كمثله شيء وحقق ذلك قوله لا تضامون في رؤيته، فأما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تضامون في رؤيته» أي لا ينضم بعضكم إلى بعض كما تنضمون في رؤية الهلال رأس الشهر بل ترونه جهرة من غير تكلف لطلب رؤيته كما ترون البدر وهو القمر ليلة الرابع عشر إذا عاينه المعاين جهرة لم يحتج إلى تكلف في طلب رؤيته ومعاينته، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تضارون» أي لا يلحقكم الضرر في رؤيته بتكلف طلب كما يلحق المشقة والتعب في طلب رؤية ما يخفي ويدق ويغمض وكل ذلك المعاينة وأنها صفة تزيد على العلم، وكذلك من روى تضامون مخففا فإنما مراده الضيم أي لا يلحقكم فيه ضيم والضيم والضرر واحد في المعنى» اهـ.

قال الحافظ البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»([13]): «وأما الحديث الذي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه، حدثنا علي بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وعطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة، أخبرهما أن الناس قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تمارون في القمر ليلة البدر ليس دونها سحاب»؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: «فهل تمارون الشمس ليس دونها سحاب»؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: «فإنكم ترونه كذلك، يحشر الناس يوم القيامة»، فيقال: من كان يعبد شيئا فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون…». ثم قال([14]): «فهذا حديث قد رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان دون ذكر الصورة، ثم أخرجه من حديث معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، وفيه ذكر الصورة وأخرجه أيضا من حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، ورواه أيضا مسلم بن الحجاج عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان نحو حديث إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد وفيه ذكر الصورة» اهـ.

وقال المحدث محمد زاهد الكوثري في تعليقه على كتاب «الأسماء والصفات»([15]) للبيهقي: «اضطربت الروايات في ذكر الصورة والإتيان كما يظهر من استعراض طرق هذا الحديث ومتونه في الصحيحين وجامع الترمذي، وتوحيد ابن خزيمة وسنن الدارمي وغيرها». اهـ.

ونقل الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء»([16]) إنكار الإمام مالك (93هـ) للفظ الصورة: «أبو أحمد بن عدي: حدثنا أحمد بن على المدائني، حدثنا إسحاق ابن إبراهيم بن جابر، حدثنا أبو زيد بن أبي الغمر، قال: قال ابن القاسم: سألت مالكا عمن حدث بالحديث، الذين قالوا: «إن الله خلق آدم على صورته»، والحديث الذي جاء: «إن الله يكشف عن ساقه»، وأنه «يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد». فأنكر مالك ذلك إنكارا شديدا، ونهى أن يحدث بها أحد». اهـ. ولا شك أن مالكا أوسع اطلاعا ممن أثبت هذا اللفظ من غير تحقيق ومع ذلك مالك ينكره.

وقال ابن بطال أبو الحسن على بن خلف بن عبد الملك (449هـ) في كتابه «شرح صحيح البخاري»([17]): «وأما وصفه صلى الله عليه وسلم لله تعالى بالإتيان بقوله: «فيأتيهم الله». فليس على معنى الإتيان المعهود فيما بيننا الذي هو انتقال وحركة؛ لاستحالة وصفه بما توصف به الأجسام» اهـ. بل هو كقوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد}.

وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي (597هـ) في كتابه «كشف المشكل من حديث الصحيحين»([18]) «وهذا شيء قد تخبط فيه جماعة، فالمتقدمون من السلف قرأوه وعبروا ولم ينطقوا بشيء مع علمهم واعتقادهم أن الصورة التي هي تخاطيط لا تجوز على الله عز وجل ولا التغير، وهذان أصلان لا بد من اعتقادهما، التخاطيط لا تكون إلا في الأجسام، والتغير لا يصلح أن يطرأ على الإلـٰـه، فإن الخليل عليه السلام عاب النجم بالأفول فقال: {لا أحب الأفلين} [الأنعام: 76]، لأنه علم أن ما يطرقه التغير لا يصلح أن يكون معبودا». اهـ.

وقال محمد بن خليفة الوشتاني الأبي (827 أو 828هـ) في شرحه على صحيح مسلم المسمى «إكمال إكمال المعلم»([19]) «قلت قال في الإرشاد: … وأنت تعرف أن الإتيان حركة وانتقال، والصورة تشعر بالتركيب، وكل على الله سبحانه محال» وقال([20]): «وقد جهل من لم يحصل كلامه ممن تقدم فأثبت صورة لا كالصور وهذا تناقض وتجسيم». اهـ.

وقال بدر الدين العيني الحنفي (855هـ) في كتابه «عمدة القاري شرح صحيح البخاري([21])»: «فإن قلت: لا بد للرؤية من المواجهة والمقابلة وخروج الشعاع من الحدقة إليه وانطباع صورة المرئي في حدقة الرائي ونحوها، مما هو محال على الله تعالى، قلت: هذه شروط عادية لا عقلية يمكن حصولها بدون هذه الشروط عقلا» ثم قال([22]): «قال ابن الجوزي: معنى الخبر يأتيهم الله بأهوال يوم القيامة» اهـ. وكذا قال محمد بن يوسف الكرماني (786هـ) في كتابه «شرح الكرماني على صحيح البخاري»([23]).

قال القاضي الفقيه ابن جماعة في كتابه إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل([24]): «اعلم أن الأدلة العقلية والنقلية تحيل الصورة التي هي التخطيط على الله تبارك وتعالى كما تقدم فوجب صرفها على ظاهرها إلى ما يليق بجلاله تبارك وتعالى مما هو مستعمل في لغة العرب وهو الصفة والحالة يقال كيف صورة هذه الواقعة وكيف صورة هذه المسألة وفلان من العلم على صورة كذا وكذا فالمراد بجميع ذلك الصفة لا الصورة التي هي التخطيط، فعلى هذا الصورة هنا بمعنى الصفة وتكون في بمعنى الباء فمعنى الصورة التي أنكروها أولا أنه أظهر لهم شدة البطش والبأس والعظمة والأهوال والجبروت وكان وعدهم في الدنيا يلقاهم في القيامة بصفة الأمن من المخاوف والبشرى والعفو والإحسان واللطف فلما أظهر لهم غير الصفة التي هي مستقرة في نفوسهم أنكروها واستعاذوا منها، وقوله فإذا أتانا ربنا عرفناه أي بما وعده من صفة اللطف والرحمة والإحسان ولذلك قال فيكشف عن ساق أي يكشف عن تلك الشدة المتقدمة وتظهر لهم صفة الرحمٰـن فيسجدون شكرا له (تظهر لهم آثار رحمة الله بهم فيرحمهم وينجيهم وليس معنى هذا الكلام المتقدم أن صفة الرحمٰـن تحل في موقف القيامة حاشا وكلا) وقد تقدم ذلك في قوله يوم يكشف عن ساق ويدل لما قلنا أن المراد بالصورة الصفة دلالة صريحة قوله في الصورة التي يعرفونها، ثانيها يأتيهم في الصورة التي يعرفونها المراد التي يعرفونها في الدنيا لأنهم لم يعرفوه يوم القيامة قبل ذلك بصورة متقدمة ولا رؤية سابقة فدل على أن المراد التي يعرفونها في الدنيا، ولا خلاف بين الخلائق أجمع أن الله تعالى لم تعرف له في الدنيا صورة وإنما عرفت صفاته تعالى وما وعد به الصالحين في القيامة من لطفه وأمنه وبشارتهم بجنته، فإن قيل فلم عدل عن لفظ الصفة إلى لفظ الصورة قلنا لما كانت المتبوعات المتقدمة في الحديث لعابديهم صورا جاء بلفظ الصورة مشاكلة بين المعاني والألفاظ فإنه من أنواع البلاغة، وقوله في الحديث في أدنى صورة فيها أي في أول صفة رأوه فيها لأنهم لم يروا صفة قبلها، ومعنى أدنى أقرب.

وقال قوم (وهذا القول ليس بشيء ولا يلتفت إليه وسيأتي الآن رد القاضي ابن جماعة لهذا القول) معناه أن الله تعالى يبعث لهم ملكا في صورة يمتحن إيمانهم في الآخرة كما امتحنهم في الدنيا بالدجال فيقول أنا ربكم ولله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء إذا شاء.

قال وفائدة ذلك ثبات المؤمنين على إيمانهم وظهور ذلك منهم لمن خالفهم تشريفا لهم.

والأول أظهر وأقرب إلى الأصول واللغة وأقرب من أن يقول الملك المقرب أنا ربكم مع عصمته عن ذلك ونحوه، وهذا الحديث مما يستشكل جدا وقد أجبت بحمد الله عن إشكاله». اهـ

فلا يسع المبتدع المعاند الجاهل الذي ينكر رؤية الله تعالى للمؤمنين في الآخرة بعد هذا البيان الشامل الذي أظهرنا فيه الآيات القرءانية والأحاديث النبوية وأقوال التابعين والعلماء العاملين إلا أن يتقي الله سبحانه وتعالى ويرجع عن اعتقاده الذي خالف فيه القرءان والحديث وإجماع الأمة الإسلامية إلى ما ورد فيه القرءان الكريم بالنص الصريح {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة}.

وليعلم أن هذا هو مذهب المعتزلة الذين كذبوا القرءان وحاربوا الرسول وخرجوا عن الإجماع وقد سماهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «مجوس هذه الأمة»، وهذا الاعتقاد لا دليل ولا برهان عليه بل هو قائم على الظن والوهم ولن يجدوا لهم من القرءان والحديث دليلا على هذا المعتقد الفاسد فإن تابوا إلى الله ورجعوا عن هذا فإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، فليتذكروا القبر والوزن والحساب وليهيئوا جوابا وليفكروا بأي لسان سينطقون لمن قال: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة}.

([1]) زاد المسير في علم التفسير (8/422، 423).

([2]) تفسير الخازن (4/335).

([3]) انظر: الكتاب (1/108).

([4]) انظر: الكتاب (ص101).

([5]) انظر: الكتاب (ص163).

([6]) انظر: الكتاب (ص37).

([7]) انظر: الكتاب (ص74).

([8]) انظر: الكتاب (ص11).

([9]) انظر: الكتاب (ص57).

([10]) العقيدة النسفية (ص26).

([11]) مشكل الحديث وبيانه، (ص219، 220).

([12]) مشكل الحديث وبيانه، الإمام ابن فورك، (ص219، 220).

([13]) الأسماء والصفات (المكتبة الأزهرية للتراث، الطبعة الأولى ص278، 279).

([14]) الأسماء والصفات، (ص281).

([15]) المصدر نفسه، (ص279).

([16]) سير أعلام النبلاء (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1425هـ 6/329).

([17]) شرح صحيح البخاري (مكتبة الرشد، الطبعة الثانية 1423هـ، 10/462).

([18]) كشف المشكل من حديث الصحيحين (دار النشر – دار الوطن – الرياض 1418هـ، 1/765).

([19]) إكمال إكمال المعلم، (1/557).

([20]) المصدر السابق، ص559.

([21]) عمدة القاري، (25/185).

([22]) المصدر نفسه، ص205.

([23]) شرح الكرماني على صحيح البخاري، (12/313).

([24]) إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، بدر الدين بن جماعة، (ص157، 158، 159).