الأربعاء مارس 11, 2026

1. قال تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا} [الأحزاب: 18].

الشرح: مما أجمعت عليه الأمة أن الله عز وجل أزلي أبدي قال تعالى: {هو الأول والآخر}، وصفاته أزلية أبدية، قال تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال}، فصفاته لا تتغير ولا تزيد ولا تنقص وليست كصفات المخلوقين.

ومن صفات الله العلم، وعلمه علم واحد شامل لكل المعلومات الكليات والجزئيات جملة وتفصيلا، وعلمه لا يزيد ولا ينقص ولا يتغير ولا يتطور وليس كعلم المخلوقين فلا يتجدد له علم، قال تعالى: {وهو بكل شيء عليم}.

فمن اعتقد أو ظن أن الله تعالى يغيب عن علمه شيء أو يتجدد له علم شيء لم يكن في علمه في الأزل فهو كافر بالله العظيم لأن حدوث الصفة يستلزم حدوث الذات، وأما قول الله تعالى: {قد يعلم الله}، فهذا ليس للاحتمال والشك، بل معناه عند كل علماء التفسير (يعلم الله) أي عالم في الأزل، وليس معناه أنه يتجدد له بعد أن لم يكن.

قال الطبري في كتابه التفسير ما نصه: «يقول – تعالى ذكره-: قد يعلم الله الذين يعوقون الناس منكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصدونهم عنه». اهـ.

وفي كتاب أضواء البيان في إيضاح القرءان بالقرءان لمحمد الأمين بن محمد بن المختار الجنكي الشنقيطي في تفسير سورة المجادلة ما نصه: «اللطيفة الأولى: يقول علماء اللغة: (قد) حرف يوجب به الشيء وهي إذا دخلت على الماضي تفيد (التحقيق) وإذا دخلت على المضارع تفيد (التقليل) لأنها تميل إلى الشك تقول: قد ينزل المطر، وقد يجود البخيل، وأما في كلام الله فهي للتحقيق سواء دخلت على الماضي أو المضارع كقوله تعالى: {قد يعلم الله المعوقين منكم} [الأحزاب: 18]». اهـ.

ومثله قال الفقيه بدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرءان.

وقال الحافظ المجتهد المجدد الشيخ عبد الله الهرري الحبشي رضي الله عنه في كتابه الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم ما نصه([1]): «اعلم أن علم الله قديم أزلي كما أن ذاته أزلي فلم يزل عالما بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته فلا يتصف بعلم حادث لأنه لو جاز اتصافه بالحوادث لانتفى عنه القدم لأن ما كان محلا للحوادث لا بد أن يكون حادثا.

العلم صفة أزلية أبدية ثابتة لله تعالى، والله تعالى ليس جوهرا يحل به العرض فعلمنا عرض يحل بأجسامنا ويستحيل ذلك على الله تعالى، والله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون، ولا يقبل علمه الزيادة ولا النقصان فهو سبحانه وتعالى محيط علما بالكائنات التي تحدث إلى ما لا نهاية له حتى ما يحدث في الدار الآخرة التي لا انقطاع لها يعلم ذلك جملة وتفصيلا، قال تعالى: {وكان الله بكل شيء محيطا} [النساء: 126]. وعلم الله تعالى أعم من الإرادة والقدرة، فالإرادة والقدرة تتعلقان بالممكنات العقلية أما علمه يتعلق بالممكنات العقلية والمستحيلات وبالواجب العقلي.

وأما قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255]، فمعناه: أن أهل السماوات وهم الملائكة وأهل الأرض من أنبياء وأولياء فضلا عن غيرهم لا يحيطون بشيء من علمه أي معلومه إلا بما شاء، أي إلا القدر الذي شاء الله أن يعلموه هذا الذي يحيطون به.

أما قول الله تعالى: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله} [النمل: 65] فالمنفي عن الخلق علم جميع الغيب، أما بعض الغيب فإن الله يطلع عليه بعض البشر وهم الأنبياء والأولياء والملائكة، وأما من ادعى أن الرسول يعلم كل ما يعلمه الله فقد سوى الرسول بالله وذلك كفر. ولا فرق بين من يقول الرسول يعلم كل ما يعلمه الله من غير أن يعطيه الله ذلك، وكلا الاعتقادين كفر من أبشع الكفر لأن الله تعالى لا يصح عقلا ولا شرعا أن يعطي أحدا من خلقه جميع ما يعلمه لأن معنى إن النبي يعلم كل ما يعلم الله من باب العطاء أن الله تعالى يساوي خلقه بنفسه، وهذا مستحيل. فهذا القائل كأنه يقول الله يجعل بعض خلقه مثله والعياذ بالله. وكيف خفي على بعض الناس فساده فتجرءوا بل صاروا يرون هذا من جواهر العلم، فلو قيل لهؤلاء فعلى قولكم هذا يصح أن يجعل الله الرسول قادرا على كل شيء الله قادر عليه فماذا يقولون! حسبنا الله. وهذا من الغلو الذي نهانا الله عنه ورسوله. وهؤلاء يزعمون أن هذا من قوة تعظيم الرسول ومحبته. وهؤلاء لهم وجود في فرقة تنتسب إلى التصوف في الهند.

وأما قوله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا} [الجن: 26، 27]، فلا حجة فيه لمن يقول إن الرسل يطلعهم الله على جميع غيبه كهذه الفرقة المذكورة، إنما معناه أن الذي ارتضاه الله من رسول يجعل له رصدا أي حفظة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه من الشيطان، «فإلا» هنا ليست استثنائية بل هي بمعنى «لكن»، فيفهم من الآية أن علم الغيب جميعه خاص بالله تعالى فلا يتطرق إليه الاستثناء فتكون الإضافة في قوله تعالى: {على غيبه} للعموم والشمول من باب قول الأصوليين المفرد المضاف للعموم، فيكون معنى غيبه أي جميع غيبه، وليس المعنى أن الله يطلع على غيبه من ارتضى من رسول فإن من المقرر بين الموحدين أن الله تعالى لا يساويه خلقه بصفة من صفاته، ومن صفاته العلم بكل شيء قال تعالى: {وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101]، والعجب كيف يستدل بعض الناس بهذه الآية على علم الرسل ببعض الغيب إنما الذي فيها أن الله هو العالم بكل الغيب، ولكن الرسل يجعل الله لهم حرسا من الملائكة يحفظونهم. وأما اطلاع بعض خواص عباد الله من أنبياء وملائكة وأولياء البشر على بعض الغيب فمأخوذ من غير هذه الآية كحديث «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»([2]).

فلو كان يصح لغيره تعالى العلم بكل شيء لم يكن لله تعالى تمدح بوصفه نفسه بالعلم بكل شيء، فمن يقول إن الرسول يعلم بكل شيء يعلمه الله جعل الرسول مساويا لله في صفة العلم، فيكون كمن قال الرسول قادر على كل شيء وكمن قال الرسول مريد لكل شيء سواء قال هذا القائل أن الرسول عالم بكل شيء قال بإعلام الله له أو لا فلا مخلص له من الكفر.

ومما يرد به على هؤلاء قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59]، وقوله تعالى: {عالم الغيب والشهادة} [الأنعام: 73]، فإن الله تبارك وتعالى تمدح بإحاطته بالغيب والشهادة علما.

ومما يرد على هؤلاء أيضا قوله تعالى: {قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي} [الأحقاف: 9]، فإذا كان الرسول بنص هذه الآية لا يعلم جميع تفاصيل ما يفعله الله به وبأمته فكيف يتجرأ متجرئ على قول إن الرسول يعلم بكل شيء، وقد روى البخاري في الجامع الصحيح «كتاب الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه» حديثا بمعنى هذه الآية، وهو ما ورد في شأن عثمان بن مظعون، فقائل هذه المقالة قد غلا الغلو الذي نهى الله ورسوله عنه قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} [المائدة: 77]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والغلو فإن الغلو أهلك من كان قبلكم»، رواه ابن حبان في صحيحه([3]). وقد صح أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لا ترفعوني فوق منزلتي»([4]).

وروى البخاري في الجامع([5]) من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا – معناه الجلدة التي تقطع من الحشفة تعود كما كانت- ثم قرأ الآية {كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين} [الأنبياء: 104] وأول من يكسى من حلل الجنة زيادة على ما عليه من الثياب يوم القيامة إبراهيم عليه السلام، وإنه سيجاء بأناس من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول هؤلاء أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول: سحقا سحقا أقول كما قال العبد الصالح {وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم} إلى قول: {العزيز الحكيم}».

ومن أعجب ما ظهر من هؤلاء الغلاة لما قيل لأحدهم: كيف تقول الرسول يعلم كل شيء يعلمه الله وقد أرسل سبعين من أصحابه إلى قبيلة ليعلموهم الدين فاعترضتهم بعض القبائل فحصدوهم، ولو كان يعلم أنه يحصل لهم هذا هل كان يرسلهم؟ فقال: نعم يرسلهم مع علمه بذلك. وهذا الحديث رواه البخاري وغيره في كتاب المغازي باب غزوة الرحيع ورعل وذكوان، ومسلم في صحيحه كتاب الإمارة باب ثبوت الجنة للشهيد.

ومثل هذا الغالي في شدة الغلو رجل كان يدعي أنه شيخ أربع طرق فقال «هو الرسول المراد بهذه الآية {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3]، وهذا من أكفر الكفر لأنه جعل الرسول الذي هو خلق من خلق الله أزليا أبديا لأن الأول هو الذي ليس في وجوده بداية وهو الله وصفاته فقط.

وما أوهم تجدد العلم لله تعالى من الآيات القرءانية كقوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} [الأنفال: 66]، فليس المراد به ذلك، وقوله: {وعلم} ليس راجعا لقوله: {الآن}، بل المعنى أن الله تعالى خفف عنكم الآن لأنه علم بعلمه السابق في الأزل أنه يكون فيكم ضعف.

هذه الآية معناها أن نسخ ما كان واجبا عليهم من مقاومة واحد من المسلمين لأضعاف كثيرة من الكفار بإيجاب مقاومة واحد لاثنين من الكفار رحمة بهم للضعف الذي فيهم.

وكذلك قوله تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} [محمد: 31]، معناه ولنبلونكم حتى نميز أي نظهر للخلق من يجاهدوا ويصبروا من غيرهم، وكان الله عالما قبل كما نقل البخاري في صحيحه في كتاب التفسير باب سورة العنكبوت.

قال الله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} [الأنفال: 37]. أي أن الله تعالى يبتلي عباده بما شاء من البلايا حتى يظهر ويميز لعباده من هو الصادق المجاهد في سبيل الله الذي يصبر على المشقات مع إخلاص النية لله تعالى ومن هو غير الصادق الذي لا يصبر.

وكذلك قوله تعالى: {ليميز الله الخبيث من الطيب} فليس معناه أن الله لم يكن عالما من هو الخبيث ومن هو الطيب ثم علم بل المعنى ليظهر لعباده من هو الخبيث ومن هو الطيب.

وأما الدليل العقلي على صفة العلم فهو أنه تعالى لو لم يكن عالما لكان جاهلا والجهل نقص والله منزه عن النقص، وأما من حيث النقل فالنصوص كثيرة منها قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3].

 

([1]) الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم (ص200).

([2]) أخرجه الترمذي في سننه كتاب تفسير القرءان باب ومن سورة الحجر.

([3]) انظر: الإحسان تحت كتاب الحج باب رمي جمرة العقبة.

([4]) مسند أحمد ولفظه لا أحب أن ترفعوني فوق منزلتي.

([5]) كتاب التفسير باب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا.