الخميس فبراير 12, 2026

فرضية الحجاب والأدلة على ذلك

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،

من المقرر شرعا بإجماع الأولين والآخرين من علماء الأمة الإسلامية ومجتهديها، وأئمتها وفقهائها ومحدثيها أن حجاب المرأة المسلمة فرض على كل من بلغت سن التكليف، وهو السن الذي ترى فيه الأنثى الحيض وتبلغ فيه مبلغ النساء؛ فعليها أن تستر جسمها ما عدا الوجه والكفين، وزاد جماعة من العلماء القدمين في جواز إظهارهما، وزاد بعضهم أيضا ما تدعو الحاجة لإظهاره كموضع السوار وما قد يظهر من الذراعين عند التعامل، وأما وجوب ستر ما عدا ذلك فلم يخالف فيه أحد من المسلمين عبر القرون سلفا ولا خلفا؛ إذ هو حكم منصوص عليه في صريح الكتاب والسنة، وقد انعقد عليه إجماع الأمة، وبذلك تواتر عمل المسلمين كافة على مر العصور وكر الدهور، وأجمعوا على أن المرأة إذا كشفت ما وجب عليها ستره فقد ارتكبت محرما يجب عليها التوبة إلى الله تعالى منه، فصار حكم فرضية الحجاب بهذا المعنى من المعلوم من الدين بالضرورة.

وتفصيل أدلة فرضية الحجاب على الوجه الذي ذكرناه ما يلي:

فأما دليل الكتاب فقول الله تعالى ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين﴾ الأحزاب 59.

والمناسبة التي نزلت فيها هذه الآية هي أن النساء كن يظهرن شعورهن وأعناقهن وشيئا من صدورهن فنهاهن الله عز وجل عن ذلك، وأمرهن بإدناء الجلابيب على تلك المواضع التي يكشفنها حتى ينكف عنهن الفساق إذا رأوا حشمتهن وتسترهن، وأكد على شمول الحكم فيها لكل أفراد النساء بقوله تعالى ﴿ونساء المؤمنين﴾.

وقال العلامة المراغي فيتفسيره (22/38، ط / مصطفى الحلبي):
[أي ذلك التستر أقرب لمعرفتهن بالعفة فلا يتعرض لهن، ولا يلقين مكروها من أهل الريبة احتراما لهن منهم؛ فإن المتبرجة مطموع فيها، منظور إليها نظرة سخرية واستهزاء، كما هو مشاهد في كل عصر ومصر، ولا سيما في هذا العصر الذي انتشرت فيه الخلاعة، وكثر الفسق والفجور]. اهـ

وقوله سبحانه وتعالى ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾(النور:31).

فنهت الآية الكريمة المؤمنات عن إبداء زينتهن، واستثنت الزينة الظاهرة، وقد فسر السلف الصالح [من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة المجتهدين والفقهاء المتبوعين] الزينة الظاهرة التي يجوز للمرأة إبداؤها بالوجه والكفين، وزاد بعض السلف القدمين، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والثوري والمزني من الشافعية، وبعضهم زاد موضع السوار.

وفسرها بعض السلف بالثياب، أما غير ذلك فلم يختلف أحد من السلف ولا الخلف في عده من الزينة الواجب سترها، أي إن ما عدا هذه الزينة الظاهرة لا يجوز للمرأة إظهاره باتفاق العلماء، وليس هو محلا للخلاف أصلا على اختلاف أقوالهم في تفاصيل الزينة الظاهرة.

وجاء الأمر الإلهي في الآية للنساء المؤمنات بضرب الخمر على الجيوب، والخمر جمع خمار، وخمار المرأة في لغة العرب هو ما يغطي رأسها، قال العلامة الفيومي في المصباح المنير (مادة خ م ر):
[الخمار ثوب تغطي به المرأة رأسها، والجمع خمر]. اهـ

والجيوب جمع جيب، وهو الصدر فجاء على غاية ما يكون وضوحا في بيان المقصود؛ فإن التعبير بضرب الخمار على الجيب: يقتضي ستر الشعر والعنق والنحر، والعدول عن التعبير بضربه على الوجه إلى الضرب على الجيب يقتضي في الوقت نفسه كشف الوجه، وهذا من أبلغ الكلام وأفصحه، وأبينه وأوضحه.

وعن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول لما نزلت هذه الآية (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) أخذن أزرهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. رواه البخاري

ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية (ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت إن نساء قريش لفضلاء، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان).

قال الإمام الطبري في جامع البيان (19/159):
[يقول تعالى ذكره: وليلقين خمرهن وهي جمع خمار، على جيوبهن، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن]. اهـ

وقال القرطبي في الهداية إلى بلوغ النهاية (8/5071، ط / مجموعة بحوث الكتاب والسنة):
[أي: وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن]. اهـ

وقال السمرقندي في بحر العلوم (2/508):
[قوله تعالى ﴿وليضربن بخمرهن﴾ يعني ليرخين بخمرهن على جيوبهن، يعني على الصدر والنحر، قال ابن عباس (وكن النساء قبل هذه الآية يبدين خمرهن من ورائهن، كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية، سدلن الخمر على الصدر والنحر)، ثم قال (ولا يبدين زينتهن)، يعني لا يظهرن مواضع زينتهن، وهو الصدر والساق والساعد والرأس، لأن الصدر موضع الوشاح، والساق موضع الخلخال، والساعد موضع السوار، والرأس موضع الإكليل، فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة]. اهـ

وقال الإمام أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح الموطأ (1/251، ط / مطبعة السعادة):
[ويستر الخمار عنقها وقصتها ودلاليها، ولا يظهر منها غير دور وجهها]. اهـ

فقول الله تعالى (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قالت فيه السيدة عائشة والإمام عبد الله بن عباس رضي الله عنهم (إلا ما ظهر منها) الوجه والكفان. اهـ ومثل ذلك قال الإمام أحمد. اهـ

وقول الله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا) سورة الأحزاب59.

فالله تعالى لم يقل يدنين على وجوههن بل (عليهن) هذه الآية يتفق معناها مع الآية الأخرى (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وأن مفاد الآيتين إيجاب ستر العنق والنحر، وإنما جاءت هذه الآية للفرق بين الحرائر والإماء كما قال الإمام الحافظ المجتهد علي بن محمد بن القطان الفاسي في كتابه النظر في أحكام النظر وغيره.

وأما معنى الخمار فهو ما تغطي به المرأة رأسها، والجيب هو رأس القميص الذي يلي العنق، وأما الجلباب فهو مستحب للمرأة وهو الملاءة التي تلتحف بها المرأة فوق ثيابها ويسمى عند بعض الناس بالشادور.

فالآية (يدنين عليهن من جلابيبهن) ليس فيه إيجاب تغطية الوجه بل المراد تغطية العنق به كما قال عكرمة (إن معناه ستر ثغرة النحر)، لأن النساء قبل نزول ءاية الحجاب كن على ما كانت عليه نساء الجاهلية من وضع الخمار على الرأس وسدله إلى الخلف فكانت أعناقهن بادية.

(ذلك أدنى أن يعرفن)، أي الحرائر، أقرب للسلامة من أذى السفهاء إذا تميزت عن الإماء، لأن الفساق كانوا يتعرضون للحرائر إن ظنوهن إماء، ففي ستر الحرة رأسها وعنقها سلامة من تعرض الفساق لهن لأنه حصلت علامة فارقة، والإماء ليس عليهن ستر العنق والرأس إذا خرجن.

وأما الحديث فأخرج أبو داود في سننه واللفظ له، والطبراني في مسند الشاميين، وابن عدي في الكامل، والبيهقي في السنن الكبرى والآداب وشعب الإيمان عن عائشة رضي الله عنها، أن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال (يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا) وأشار إلى وجهه وكفيه.

وتضعيف هذا الحديث بسعيد بن بشير، وخالد بن دريك لم يوافق عليه بعض الأئمة؛ فقد وثق سعيدا جماعة من الأئمة، وصحح حديثه الحاكم في المستدرك وقال [وسعيد بن بشير إمام أهل الشام في عصره إلا أن الشيخين لم يخرجاه بما وصفه أبو مسهر من سوء حفظه، ومثله لا ينزل بهذا القدر]، ووافقه الحافظ الذهبي، وأما خالد بن دريك فقد وثقه النسائي وغير واحد.

وقد علل هذا الحديث أيضا بالإرسال بين خالد بن دريك وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهذا التعليل متعقب من وجهين:
الأول أن المرسل مقبول إذا عضده قول صحابي أو فعله، كما هو مذهب الإمام الشافعي والمحققين من الأصوليين، قال البيهقي في السنن الكبرى (2/319، ط / دار الكتب العلمية):
[مع هذا الـمـرسل قول من مضى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة، فصار القول بذلك قويا]. اهـ

الثاني أنه منجبر بالطرق الأخرى للحديث حيث ورد من أكثر من طريق:
فأخرجه أبو داود في المراسيل عن قتادة مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (إن الجارية إذا حاضت لم يصلح أن يرى منها إلا وجهها ويداها إلى المفصل) وهو مرسل صحيح.

وأخرج الطبراني في معجميه الكبير والأوسط والبيهقي في السنن الكبرى عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، أنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة بنت أبي بكر، وعندها أختها أسماء بنت أبي بكر، وعليها ثياب شامية واسعة الأكمام، فلما نظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام فخرج، فقالت لها عائشة رضي الله عنها تنحي؛ فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرا كرهه، فتنحت، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسألته عائشة رضي الله عنها لم قام؟ قال (أولم تري إلى هيئتها، إنه ليس للمرأة المسلمة أن يبدو منها إلا هكذا) وأخذ بكميه، فغطى بهما ظهر كفيه حتى لم يبد من كفيه إلا أصابعه، ثم نصب كفيه على صدغيه حتى لم يبد إلا وجهه.
قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (5/137، ط / مكتبة القدسي)[فيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح]. اهـ

وقد تقرر عند أهل الحديث أن المرسل إذا تعددت مخارجه فهو في محل القبول، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه [يقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندا أو مرسلا، ليرجح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس الأمر]. اهـ نقلا عن نزهة النظر للحافظ ابن حجر (ص: 101-102، ط / مطبعة سفير).

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (8/439، ط / دار المعرفة):
[الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا]. اهـ

وقال في القول الـمـسدد في الذب عن مسند أحمد (ص: 38) [كثرة الطرق إذا اختلفت المخارج تزيد المتن قوة]. اهـ

وأخرج الترمذي والنسائي في السنن عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة)،

فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟

قال (يرخين شبرا)،

فقالت: إذا تنكشف أقدامهن،

قال (فيرخينه ذراعا، لا يزدن عليه)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (5/332، ط. دار الكتب العلمية): [قوله (يرخين) بضم أوله من الإرخاء وهو الإرسال، أي  يرسلن من ثيابهن (شبرا) أي من نصف الساقين]. اهـ

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: كساني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي، فكسوتها امرأتي فقال (ما لك لم تلبس القبطية؟) قلت: كسوتها امرأتي. فقال (مرها فلتجعل تحتها غلالة، فإني أخاف أن تصف عظامها).

قال الحافظ ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة (4/149،ط / دار خضر) إسناده حسن، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (5/136، ط / مكتبة القدسي) رواه أحمد، والطبراني، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. اهـ

وأخرج أبو داود في -سننه- عن دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه، أنه قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقباطي، فأعطاني منها قبطية، فقال (اصدعها صدعين، فاقطع أحدهما قميصا، وأعط الآخر امرأتك تختمر به)، فلما أدبر، قال (وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوبا لا يصفها).

وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعندي فتاة، فألقى إلي حقوه، فقال (شقيه بين هذه الفتاة وبين التي عند أم سلمة، فإني لا أراهما إلا قد حاضتا).

وأخرج ابن ماجه في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها، فاختبأت مولاة لها، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (حاضت؟) فقالت: نعم، فشق لها من عمامته، فقال (اختمري بهذا).

وأخرج الإمام أحمد والروياني في مسنديهما عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن أخته نذرت أن تمشي حافية غير مختمرة، فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال (إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا، مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام).

وفي رواية الروياني أنه قال يا رسول الله، إن أختي نذرت أن تحج ماشية وتنشر شعرها؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (إن الله لغني عن نذر أختك، مرها فلتركب، ولتهد هديا وأحسبه قال: وتغطي شعرها).

قال الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة (1/83، ط / دار العربية) [هذا إسناد فيه عبد الكريم، وهو ابن أبي المخارق، ضعفه أحمد وغيره، بل قال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. انتهى. رواه محمد بن عمر في مسنده عن سفيان بالإسناد والمتن، إلا أنه قال (من ثوبه) بدل (عمامته)]. اهـ