الذي يعتقد أن معنى قول الله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ جلس أو استقر أو حاذى العرش يكفر. فيجب ترك الحمل على الظاهر بل يحمل على محمل مستقيم في العقول فتحمل لفظة الاستواء على القهر، ففي لغة العرب يقال استوى فلان على الممالك إذا احتوى على مقاليد الملك واستعلى على الرقاب اي استولى على الأشخاص اي على أهل البلد. فالاستواء يحمل على القهر، أو يقال استوى استواء يليق به، أو يقال ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ بلا كيف، أما من أراد التأويل التفصيلي فيقول قهر ويجوز أن يقول استولى. ومعنى قهر الله للعرش الذي هو أعظم المخلوقات أن العرش تحت تصرف الله هو خلقه وهو يحفظه، يحفظ عليه وجوده ولولا حفظ الله تعالى له لهوى إلى الأسفل فتحطم، فالله تعالى هو أوجده ثم هو حفظه وأبقاه، هذا معنى قهر العرش، هو سبحانه قاهر العالم كله، هذه الشمس والقمر والنجوم لولا أن الله يحفظها على هذا النظام الذي هي قائمة عليه لكانت تهاوت وحطم بعضها بعضا واختل نظام العالم. والإنسان قهره الله بالموت، أي ملك وأي إنسان رزق عمرا طويلا لا يملك لنفسه أن يحمي نفسه من الموت فلا بد أن يموت.
وليعلم أن الاستواء في لغة العرب له خمسة عشر معنى كما قال الحافظ أبو بكر بن العربي ومن معانيه: الاستقرار والتمام والاعتدال والاستعلاء والعلو والاستيلاء وغير ذلك، ثم هذه المعاني بعضها تليق بالله وبعصها لا تليق بالله. فما كان من صفات الأجسام فلا يليق بالله.
يقول حسن البنا في كتاب العقائد الأسلامية [السلف والخلف ليس بينهم خلاف على أنه لا يجوز حمل ءاية الاستواء على المعنى المتبادر] وهذا الكلام من جواهر العلم.
فإن قال الوهابي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (على) أي فوق، يقال لهم: ماذا تقولون في قوله تعالى ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [سورة المجادلة] هل يفهمون من هذه الآية أن العباد فوق الله؟ فإن (على) تأتي لعلو القدر وللعلو الحسي، وقد قال الله تعالى مخبرا عن فرعون أنه قال ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [سورة النازعات] أراد علو القهر بقوله ﴿فقال أنا ربكم الأعلى﴾.
وقد ذكر الإمام أبو منصور الماتريدي في تأويلاته في قوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ [سورة الأعراف] يقول (أي وقد استوى)، ومعناه أن الله كان مستويا على العرش قبل وجود السموات والأرض، وبعض الناس يتوهم من كلمة (ثم) أن الله استوى على العرش بعد أن لم يكن يظنون أن ثم دائما للتأخر، ويصح في اللغة أن يقال أنا أعطيتك يوم كذا كذا وكذا ثم إني أعطيتك قبل ذلك كذا وكذا، فإن (ثم) ليست دائما للتأخر في الزمن، أحيانا تأتي لذلك وأحيانا تأتي لغير ذلك، قال الشاعر:
إن من ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
ويروى عن أم سلمة إحدى زوجات الرسول ويروى عن سفيان بن عيينة ويروى عن مالك بن أنس أنهم فسروا استواء الله على عرشه بقولهم [الاستواء معلوم ولا يقال كيف والكيف غير معقول]. ومعنى قولهم (الاستواء معلوم) معناه معلوم وروده في القرآن أي بأنه مستو على عرشه استواء يليق به، ومعنى (والكيف غير معقول) أي الشكل والهيئة والجلوس والاستقرار هذا غير معقول أي لا يقبله العقل ولا تجوز على الله لأنها من صفات الأجسام، وسئل الإمام أحمد رضي الله عنه عن الاستواء فقال (استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر).
وقد ثبت عن الإمام مالك بإسناد قوي جيد أنه قال في استواء الله [استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع]، ولا يصح عن مالك ولا عن غيره من السلف أنه قال الاستواء معلوم والكيفية مجهولة فهذه العبارة لم تثبت من حيث الإسناد عن أحد من السلف، وهي موهمة معنى فاسدا وهو أن استواء الله على العرش هو استواء له هيئة وشكل لكن نحن لا نعلمه وهذا خلاف مراد السلف بقولهم (والكيف غير معقول). وهذه الكلمة قالها بعض الأشاعرة مع تنزيههم لله عن الجسمية والتحيز في المكان والجهة وهي كثيرة الدوران على ألسنة المشبهة والوهابية لأنهم يعتقدون أن المراد بالاستواء الجلوس والاستقرار أي عند أغلبهم وعند بعضهم المحاذاة فوق العرش من غير مماسة، ولا يدرون أن هذا هو الكيف المنفي عن الله عند السلف، ولا يغتر بوجود هذه العبارة في كتاب إحياء علوم الدين ونحوه ولا يريد مؤلفه الغزالي ما تفهمه المشبهة لأنه مصرح في كتبه بأن الله منزه عن الجسمية والتحيز في المكان وعن الحد والمقدار لأن الحد والمقدار من صفات المخلوق قال الله تعالى ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ [سورة الرعد]. فالتحيز في المكان والجهة من صفات الحجم والله ليس حجما. وما يوجد في بعض كتب الأشاعرة من هذه العبارة الاستواء معلوم والكيفية مجهولة غلطة لا أساس لها عن السلف لا عن مالك ولا عن غيره وهي شنيعة لأنها يفهم منها المشبه الوهابي وغيره أن الاستواء كيف لكن لا نعلمه مجهول عندنا. وأما من أوردها من الأشاعرة فلا يفهمون هذا المعنى بل يفهمون أن حقيقة الاستواء غير معلوم للخلق فالوهابية تقصد بها ما يناسب معتقدها من أن الله حجم له حيز. والعجب منهم كيف يقولون إن الاستواء على العرش حسي ثم يصفونه بالكون مجهولا. ولعلهم يريدون بهذا هل هو قعود على شكل تربيع أم على شكل ءاخر.
فإن قيل: لماذا قال الله تعالى بأنه استوى على العرش على حسب تفسيركم بمعنى قهر وهو قاهر كل شئ ؟ نقول لهم: أليس قال ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [ سورة التوبة] مع أنه رب كل شئ؟! ففائدة تخصيص العرش بالذكر أنه أعظم مخلوقات الله تعالى حجما فيعلم شمول ما دونه من باب الأولى. قال الإمام علي [إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته، ولم يتخذه مكانا لذاته]. رواه الإمام المحدث الفقيه اللغوي أبو منصور التميمي في كتابه التبصرة .
فإن قيل: كيف تقولون خلقه إظهارا لقدرته ونحن لا نراه ؟ نقول: الملائكة الحافون حوله يرونه والملائكة لما ينظرون إلى عظم العرش يزدادون خوفا ويزدادون علما بكمال قدرة الله، لهذا خلق الله العرش.
فإن قيل: كيف يكون موجود بلا مكان، والموجود لا بد له من مكان، الله موجود إذا له مكان، وحجتهم هذه داحضة باطلة، لأنه ليس من شرط الوجود التحيز في المكان أليس الله كان موجودا قبل المكان والزمان وكل ما سواه بشهادة حديث [كان الله ولم يكن شئ غيره] فالمكان غير الله والجهات الحجم غير الله فإذا صح وجوده تعالى شرعا وعقلا قبل المكان والجهات بلا مكان ولا جهة ، فكيف يستحيل على زعم هؤلاء وجوده تعالى بلا مكان بعد خلق المكان والجهات. ومصيبة هؤلاء أنهم قاسوا الخالق على المخلوق قالوا: كما لا يعقل وجود إنسان أو ملك أو غير ذلك من الأجسام بلا مكان يستحيل وجود الله بلا مكان فهلكوا.