هذه الآية فيها تحذير من قول اليهود والنصارى «نحن أبناء الله» ومن قول كل من نسب لله الولد ولو كان مازحا أو غاضبا أو عن غير اعتقاد أو يزعم معنى آخر للكلمة أو قال «أردت معنى مجازيا»، لأن قولهم هذا كفر لا تأويل له، ولا اعتبار لقول بعض هؤلاء «نحن لا نقصد البنوة بمعنى الولادة إنما نقصد العناية والعطف والرحمة»، فقد ذكر المفسر ابن عطية الأندلسي المتوفى سنة 546هـ، عند شرحه للآية {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم} في تفسيره «المحرر الوجيز» أن إطلاق نسبة البنوة إلى الله ولو قصد به الحنان كفر، فقال ما نصه([1]): «والبنوة في قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة، وذكروا أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلوا بذلك». اهـ. والضلال هنا هو الكفر، كما نقل القرطبي في تفسيره «الجامع لأحكام القرءان»([2]) عنه – أي ابن عطية – في تفسير سورة التوبة آية 30، ونص عبارته: «قال ابن عطية: ويقال إن بعضهم يعتقدها بنوة حنو ورحمة وهذا المعنى أيضا لا يحل أن تطلق البنوة عليه وهو كفر». اهـ. وقد ذكر القرافي المالكي في كتابه «الفروق» وبهامشه «أدرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط»([3]) ناقلا عن القاضي عياض المالكي الإجماع على تكفير من نسب الأبوة والبنوة إلى الله تعالى.
فالحذر مما قاله المجسم ابن تيمية الحراني في كتابه المسمى «بيان تلبيس الجهمية»([4])، وفي كتابه المسمى «شرح حديث النزول»([5])، يقول: «وفي الإنجيل (وفي حاشيته قال المعلق وهو محمد بن عبد الرحمـن الخميس المشبه المجسم الوهابي: في الإنجيل الصحيح. والعياذ بالله من هذا الكفر) أن المسيح قال: لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله، وقال للحواريين: إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم كلكم، انظروا إلى طير السماء: فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الأهواء، وأبوكم الذي في السماء هو الذي يرزقهم، أفلستم أفضل منهن؟ ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب». اهـ.
وقد حاول بعض المعلقين من الوهابية وهو يحيى بن محمد الهنيدي أن يؤول كفر ابن تيمية وذلك في تعليقه على كتاب ابن تيمية المسمى «بيان تلبيس الجهمية» فإنه قال: «إن معنى أباكم أي ربكم الله». وهذا مسلك في التعصب لا غير بل ينطبق عليه ما قاله ابن عطية إنه كفر صريح، ومن العجب أن الوهابية تكفر المتأولين فكيف لجأوا هنا إلى التأويل البعيد غير الموافق لقواعد الدين واللغة العربية وما ذاك إلا ليسوغوا لشيخهم قول الضلال وهيهات أن يسوغوا، بل ثبت عند كل محقق أنهم مذبذبون يؤلفون دينا على حسب أهوائهم لتأييد معتقداتهم الكفرية، فانظر كيف لا يقبلون أن نؤول الآيات المتشابهات ويقولون: «التأويل تعطيل» وكيف أجازوا لأنفسهم أن يؤولوا كفر شيخهم وإمامهم الصريح ابن تيمية الحراني؟! فيا لفضيحتهم ويا لتناقضهم ويا لسخافتهم.
ومثله أحمد ديدات في مناظرته المسماة «هل المسيح ابن الله» في اسكندنافيا في تسجيل له بالصوت والصورة من إنتاج (المغامسي للإنتاج والتوزيع – المدينة المنورة)، يقول: «مجازا نحن جميعا أبناء الله وعياله، الطيبون منا والأشرار، وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون عيسى أقربنا في البنوة لأنه أكثرنا إخلاصا لله أكثر منا، فمن هذه الناحية يمكن أن ننظر له ابنا لله» اهـ، ولحقه علي جمعة الذي يقول في كتابه المسمى «الدين والحياة»([6]) حين سئل، قيل له: «هل يجوز أن أقول أنا ابن الله؟ فقال: لأن السيد المسيح كان كثيرا ما يستخدم هذه الكلمة فكان يقول (قال أبوكم الذي في السماء، إن أبانا الذي في السماء)، ثم قال والأبوة هنا بمعنى الرعاية والعناية والرزق والكلأ، فهي من الألفاظ التي حرفت عن معانيها الأصلية فضلوا بها، وقالت اليهود {نحن أبناء الله وأحباؤه} ثم قال فهذه الكلمة لا بأس بها بمعنى عيال الله أو خلق من خلقه، لكن بعد ذلك نستدرج إلى البنوة الحقيقية والأبوة الحقيقية فهذا كلام لا يقول به إلا جاهل». اهـ. والعياذ بالله تعالى.
ومن الضلال ما في الكتاب المسمى «الكتاب المدرسي الوطني، القراءة العربية التعليم الأساسي السنة الثامنة – الجمهورية اللبنانية» يقولون([7]): «وأبصر الله على هيئة نخلة، كتاج نخلة يبيض في الظلام، أحسه يقول: يا بني». اهـ.
وفي مجلة أتباع رجب ديب المسماة «الأحباب» يقولون([8]): «وإن معنى البنوة والأبوة الواردة في الأناجيل تتطابق مع معنى الإيمان بالله ومحبته» ثم قالوا: «أي إن كل مؤمن بالله عز وجل يدعى ابنا لله أي مؤمنا به محبا له» ثم قالوا: «أي إن كل صانع للسلام بين البشر في العالم أجمع يدعى ابنا لله أي مؤمنا به محبا له». اهـ. وهذا أخذوه من شيخهم رجب ديب الذي قال في شريط بصوته: «ليس عيسى وحده ابن الله، بل كلنا أبناء الله». اهـ.
وليحذر مما دس على محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي التلمساني الحسني المتوفى سنة 895هـ في كتاب «حواش على شرح الكبرى للسنوسي»([9]) في معرض الاستشهاد بهذا الكلام والإقرار له، يقولون إن في الزبور: «يقول الله لداود عليه السلام: سيولد لك ولد أدعى له أبا ويدعى لي ابنا»، ثم قالوا: «فولد داود الذي دعي ابنا لله تعالى هو عيسى عليه السلام»، وفي كتابه المسمى «العقيدة الوسطى وشرحها» يقولون([10]): «إن في الإنجيل: أنا أطلب لكم إلى أبي حتى يمنحكم»، ويقولون([11]): «قوله: أبي معناه: ربي وإلهي»، ويقولون([12]): «ومعنى انطلاق عيسى عليه السلام إلى أبيه أي ربه»، وفيها([13]) تكرار العبارة التي في الكتاب الأول، وفي «شرح العقيدة الكبرى المسماة عقيدة أهل التوحيد»([14]) أيضا فيها تكرار العبارة التي في الكتاب الأول.
ومن المعاصرين من حذا حذو هؤلاء الضالين منهم رئيس لجنة البحث العلمي في جمعية إحياء التراث الإسلامي الكويتية وهو عبد الرحمـن عبد الخالق الذي تمادى في هذا الكفر وراح يدافع عنه ويؤوله، ففي بحثه الذي سماه «شهادة الإنجيل على أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» وهي من جزئين يقول فيها: «ألفاظ ابن الله التي جاءت في الأناجيل والكتب المقدسة عند النصارى من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم فإن هذه اللفظة «ابن الله» استخدمت في عيسى وفي أتباعه وفي كل مؤمن بالله غير كافر به»، وزاد في كفره أيضا فقال: «وهذه الكلمة تحتمل معنيين: بنوة الهداية والتشريف وهو ما يسمونه بالبنوة الروحية، والمعنى الثاني بنوة النسب والابن الذي هو قطعة من أبيه وبضعة منه».اهـ
وهذا لم يقله مسلم من عامة المسلمين فضلا عن علمائهم، وهو ادعاء التأويل في لفظ صراح في الكفر وهو باطل غير مقبول، وعجيبة هذه الصفاقة من هذا الكاتب الذي انبرى يضيع عمره وأنفاسه في تشجيع الناس على الكفر والضلال وعلى قوله لم تبق كفرية من الكفريات إلا وتكون من المتشابهات، وهذا فتح لباب الكفر على مصراعيه للناس.
كلامهم كفر صريح لا يقبل التأويل وهو قولهم: «نحن أبناء الله من باب المجاز»، فإن هؤلاء وافقوا اليهود بقولهم هذا، لأن اليهود لما قالوا «نحن أبناء الله» ما قصدوا أن الله والدهم إنما قصدوا أن الله يعزهم، ومع ذلك الله تعالى كفرهم فنحن أيضا نكفر هؤلاء عملا بحكم القرءان {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18]، وقوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30].
وقال الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري في صحيحه، وابن حبان في صحيحه، والنسائي في سننه واللفظ للبخاري([15]): «كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد».
وقال المفسر فخر الدين الرازي في كتابه «التفسير الكبير» في تفسير الآية {وجعلوا له من عباده جزءا} ما نصه([16]): «معناه وأثبتوا له جزءا وذلك الجزء هو عبد من عباده والحاصل أنهم أثبتوا لله ولدا». اهـ.
وقال الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852هـ ما نصه([17]): «قوله (وأما شتمه إياي) إنما سماه شتما لما فيه من التنقيص».اهـ
وقال الإمام الحافظ شيخ الإسلام الفقيه الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف الهرري المعروف بالحبشي رضي الله عنه ورحمه رحمة واسعة في كتابه «الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم» ما نصه([18]): «وأما حديث: «الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» فليس صحيحا بل هو حديث ساقط شديد الضعف وبعض الناس يفهمونه على اللغة المحلية فيقعون في الكفر، فإنهم يفهمون من كلمة (عيال) أبناء وليس المعنى كذلك، فإن عيال في لغة العرب معناها الناس الذين ينفق عليهم الشخص لو كانوا أعمامه وأخواله وزوجاته ووالديه بمعنى أنهم تحت نفقته ورعايته لكونهم محتاجين إليه ويكفيهم نفقاتهم، ولا يوجد في اللغة عيال بمعنى الأولاد. وهذه العبارة من جملة ما أخرجه الناس عن معناه الأصلي في اللغة إلى غير معناه، ولو صح هذا الحديث الذي مر ذكره لكان معناه (فقراء الله) كما قال المناوي عند شرح هذا الحديث الذي أورده السيوطي في الجامع الصغير. فمن ظن أنه يجوز أن يقال عن البشر أبناء الله أو أولاد الله بالمعنى المجازي أي أنه كافيهم بالرزق كفر، كما ذكر ابن عطية الأندلسي في تفسيره هذه الآية: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة: 18]. وأما قول بعض الصوفية (أرباب القلوب) أي أصحاب العقول المتنورة بالتقوى ليس معناه أن هؤلاء خالقو العقول، والقلوب هنا بمعنى العقول ويقع في بعض مؤلفات العلماء (عن الله) قول (رب الأرباب) يعنون أن الله مالك الملاك وهذا صحيح». اهـ.
وقد قال المفسر المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني في «كشف الخفاء» عن حديث «الخلق كلهم عيال الله» ما نصه([19]): «قال النووي في فتاويه: هو حديث ضعيف لأن فيه يوسف بن عطية ضعيف باتفاق الأئمة، ورواه الحافظ عبد العظيم المنذري في أربعينه عن أنس رفعه بلفظ «الخلق كلهم عيال الله فأحب خلقه إليه أنفعهم لعياله»، قال أبو عبد الله محمد السلمي في تخريجها ومعنى «عيال الله» فقراء الله، فالخلق كلهم فقراء إلى الله، وهو الذي يعولهم» ثم قال «وقال ابن حجر في الفتاوى الحديثية: حديث «الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله» ورد من طرق كلها ضعيفة».اهـ.
([1]) المحرر الوجيز (دار الكتب العلمية، الجزء الثاني ص172).
([2]) الجامع لأحكام القرءان (المجلد الثامن ص117).
([3]) أدرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط (المكتبة العصرية 2003 الجزء الأول ص117).
([4]) بيان تلبيس الجهمية (المجلد الرابع ص489 – 490).
([5]) شرح حديث النزول (دار العاصمة الطبعة الأولى 1414هـ ص217).
([7]) الكتاب المدرسي الوطني، القراءة العربية التعليم الأساسي السنة الثامنة – الجمهورية اللبنانية (ص29).
([9]) حواش على شرح الكبرى للسنوسي (الطبعة الأولى ص488).
([10]) العقيدة الوسطى وشرحها (دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 1427هـ ص326).
([14]) شرح العقيدة الكبرى المسماة عقيدة أهل التوحيد (دار الكتب العلمية الطبعة الأولى 1427هـ ص426).
([15]) رواه البخاري في صحيحه ص940 تحت رقم 4974 و4975 من طبعة دار الكتب العلمية سنة 1421هـ الطبعة الأولى، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لمرتبه الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي المتوفى سنة 739هـ ص242 تحت رقم 267 من طبعة دار الكتب العلمية المجلد الأول الطبعة الأولى سنة 1407هـ ص242 تحت رقم 267 من طبعة دار الكتب العلمية المجلد الأول الطبعة الأولى سنة 1407هـ، والنسائي في سننه.
([16]) التفسير الكبير (المجلد الرابع عشر الجزء 27 ص172 – 173 طبعة دار الكتب العلمية الطبعة الأولى سنة 1411هـ).
([17]) المجلد الثامن ص18 من طبعة الدار المسمى الريان للتراث الطبعة الأولى سنة 1407هـ.
([18]) الشرح القويم في حل ألفاظ الصراط المستقيم (ص45 – 46).
([19]) كشف الخفاء (الجزء الأول ص457 – 458 من طبعة دار الرسالة، الطبعة السادسة 1416هـ).