قال المؤلف رحمه الله: وهو مستغن عن العرش وما دونه.
الشرح أى أن الله تعالى مستغن عن العرش وما سواه فالله تعالى ليس محمولا بالعرش لأن الله لا يمس ولا يمس يستحيل عليه ذلك لما سبق ذكره من البراهين القطعية المحكمة الموجبة للعلم القطعى فى إثبات تعاليه عن الحاجات وعن مشابهة الخلق كقوله ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغنى الحميد﴾ [سورة فاطر/15] فقد أثبت الفقر والحاجة لعباده ونفى ذلك عن نفسه بقوله ﴿والله هو الغنى﴾.
وقول المؤلف «وهو مستغن عن العرش» رد على اليهود ومجسمة هذه الأمة حيث وصفوه بالجسم والاستقرار على العرش.
وقوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ [سورة طه/5] العرش يذكر ويراد به السرير المحفوف بالملائكة وهو ظاهر فى الشريعة ويذكر ويراد به الملك كقول الشاعر
إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم
أى ذهب ملكهم وزال.
وقوله تعالى ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ ليس حجة لإثبات الاستقرار لله على العرش كما تقول المشبهة المجسمة بل الترجيح لمعنى الاستيلاء لأن الله تبارك وتعالى تمدح بقوله ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾، ولو استعمل هذا اللفظ على سبيل المدح فى حق من جاز عليه الاستقرار فلا يحمل على الاستقرار ولا يفهم منه كقول الشاعر فى بشر بن مروان
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
فليس مدح بشر بن مروان فى هذا البيت من حيث إنه جالس فى هذا البلد إنما المدح له لأنه استوى أى قهر وهيمن وسيطر على العراق لأن الجلوس فى العراق يشترك فيه الإنسان الشريف والقوى والإنسان الدنىء والضعيف. فالمدح إنما يكون بصفة يمتاز بها الممدوح عما لا يكاد يدانيه ولا يساويه ولا يكافئه غيره فلا بد أن يفهم من الاستواء القهر والاستيلاء إذ هو أشرف معانى الاستواء وهو مما يليق بالله تعالى لأنه وصف نفسه بأنه قهار فلا يجوز أن يترك ما هو لائق بالله تعالى إلى ما هو غير لائق بالله تعالى وهو الجلوس والاتصال والاستقرار.