الأحد فبراير 22, 2026

قال المؤلف رحمه الله: وهو مستغن عن العرش وما دونه.

   الشرح أي أن الله تعالى مستغن عن العرش وما سواه [قال الإمام علي رضي الله عنه: «إن الله خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته»، رواه أبو منصور البغدادي] فالله تعالى ليس محمولا بالعرش، لأن الله لا يمس ولا يمس يستحيل عليه ذلك، لما سبق ذكره من البراهين القطعية المحكمة الموجبة للعلم القطعي في إثبات تعاليه عن الحاجات وعن مشابهة الخلق كقوله: ﴿يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد﴾ [سورة فاطر/15]، فقد أثبت الفقر والحاجة لعباده ونفى ذلك عن نفسه بقوله: ﴿والله هو الغني﴾.

   وقول المؤلف: «وهو مستغن عن العرش» رد على اليهود ومجسمة هذه الأمة حيث وصفوه بالجسم والاستقرار على العرش.

   وقوله تعالى: ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ [سورة طه/5] العرش يذكر ويراد به السرير المحفوف بالملائكة [في الدنيا يحمله أربعة من الملائكة ويوم القيامة يحمله ثمانية من الملائكة]، وهو ظاهر في الشريعة، ويذكر ويراد به الملك كقول الشاعر:

   إذا ما بنو مروان ثلت عروشهم

   أي ذهب ملكهم وزال.

   وقوله تعالى: ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ ليس حجة لإثبات الاستقرار لله على العرش كما تقول المشبهة المجسمة، بل الترجيح لمعنى الاستيلاء، لأن الله تبارك وتعالى تمدح بقوله: ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾، ولو استعمل هذا اللفظ على سبيل المدح في حق من جاز عليه الاستقرار، فلا يحمل على الاستقرار ولا يفهم منه، كقول الشاعر في بشر بن مروان:

         قد استوى بشر على العراق           من غير سيف ودم مهراق

   فليس مدح بشر بن مروان في هذا البيت من حيث إنه جالس في هذا البلد، إنما المدح له لأنه استوى أي قهر وهيمن وسيطر على العراق، لأن الجلوس في العراق يشترك فيه الإنسان الشريف والقوي والإنسان الدنيء والضعيف. فالمدح إنما يكون بصفة يمتاز بها الممدوح عما لا يكاد يدانيه ولا يساويه ولا يكافئه غيره، فلا بد أن يفهم من الاستواء القهر والاستيلاء إذ هو أشرف معاني الاستواء وهو مما يليق بالله تعالى، لأنه وصف نفسه بأنه قهار، فلا يجوز أن يترك ما هو لائق بالله تعالى إلى ما هو غير لائق بالله تعالى، وهو الجلوس والاتصال والاستقرار [لغة العرب واسعة، الكلمة الواحدة تأتي لعشرين معنى ولسبعة عشر معنى ولعشر معان ولخمسة عشر معنى. الذين نزل القرءان بلغتهم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفون المجاز والحقيقة. الاستواء يذكر ويراد به الاستقرار كقوله تعالى ﴿واستوت على الجودي﴾، ويذكر ويراد به الاستقامة التي هي من الاعوجاج كقوله تعالى ﴿فاستوى على سوقه﴾ أي الزرع ويذكر ويراد به التمام، قال الله تعالى: ﴿ولما بلغ أشده واستوى﴾ أي تمت قوته الجسدية ويذكر ويراد به الاستيلاء أي القهر كقول الشاعر في بشر بن مروان ويذكر ويراد به الارتفاع والعلو كما قال تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ وهذا النوع ينقسم إلى قسمين يذكر ويراد به العلو من حيث الرتبة كما يطلق الاستواء على العلو المكاني فلا بد أن يفهم من الاستواء الوارد في الآية ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ القهر والاستيلاء إذ هو أشرف معاني الاستواء وهو مما يليق بالله تعالى أنه وصف نفسه بأنه قهار فلا يجوز أن يترك ما هو لائق بالله تعالى إلى ما هو غير لائق بالله تعالى وهو الجلوس والاتصال والاستقرار، وتخصيص العرش بالذكر لتشريفه إذ إضافة الأشياء إلى الله تعالى تكون لتعظيم ذلك الشىء].