الأربعاء يناير 28, 2026

ونجيناه وأهله من الكرب العظيم

لبث سيدنا نوح في قومه يدعوهم إلى الإسلام ألف سنة إلا خمسين عاما قال الله تعالى: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما} [العنكبوت: 14]، وكان قومه يؤذونه ويضربونه ويسبونه حتى يغشى عليه، حتى تمادوا في معصيتهم وعظمت منهم الخطيئة فلا يأتي قرن إلا كان أخبث من الذي كان قبله، حتى إن كان الآخر ليقول: قد كان هذا مع ءابائنا وأجدادنا مجنونا لا يقبلون منه شيئا.

ومن جملة ما قال لهم: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} [هود: 34]، أي: أن الله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ولكن اليأس لم يدخل قلب نوح بل أخذ يكرر عليهم ويقول لهم: «اعبدوا الله وحده واتركوا هذه الأوثان» ويبسط لهم البراهين، ولم يؤمن به إلا جماعة قليلة استجابوا لدعوته وصدقوا برسالته.

ثم إن الله أوحى إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن قال تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن} [هود: 36]، فلما يئس من إيمانهم دعا عليهم فقال: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} [نوح: 26، 27] قالها بعد أن أوحي إليه أنه لن يؤمن معه إلا من قد ءامن.

فلما شكا إلى الله واستنصره عليهم أوحى الله إليه. {واصنع الفلك بأعيننا ووحينا} [هود: 37]، أي: اعمل السفينة بأعيننا، أي: بعلمنا وبما أوحينا إليك من كيفية صنعتها {ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون} [هود: 37]، أي: لا تطلب إمهالهم فقد حان وقت الانتقام منهم فإنه محكوم منا عليهم بالغرق، أي: في الوقت المضروب لذلك فلا يتأخر إغراقهم عنه.

قال تعالى: {ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون} [الصافات: 75]، أي: له وأهلكنا الكافرين من قومه {ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} [الصافات: 76]، أي: عذاب الغرق بالطوفان. فأقبل نوح على عمل الفلك وجعل يهيئ السفينة وكان قومه لا يعرفون الفلك قبل ذلك، وجعل قومه يمرون به وهو في عمله فيسخرون منه ويقولون: يا نوح صرت نجارا بعد النبوة!

ويقال إن نوحا جعل الفلك ثلاث طبقات: سفلى ووسطى وعليا، السفلى للدواب والوحوش، والوسطى للناس، والعليا للطيور، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه {حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل} [هود: 40] وقد جعل التنور ءاية وكان تنورا من حجارة كانت لحواء، وأخبرته زوجته بفوران الماء من التنور، ولما فار التنور حمل نوح من أمر الله بحمله وكانوا نحو ثمانين. وكان فيها نوح وثلاثة من بنيه سام وحام ويافث وأزواجهم وتخلف عنه ابنه كنعان وكان غير مؤمن. وقال تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم} [هود: 41].

ثم لما اطمأن نوح في الفلك، وأدخل فيه من أمر به جاء الماء كما قال تعالى: {ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر} [القمر: 11]، أي: منصب انصبابا شديدا {وفجرنا الأرض عيونا} [القمر: 12]، أي: تنبع نبعا {فالتقى الماء على أمر قد قدر* وحملناه على ذات ألواح ودسر} [القمر12، 13] والدسر: المسامير. وقوله تعالى: {تجري بأعيننا} [القمر: 14]، أي: بحفظنا وحراستنا.

وجعلت الفلك تجري بهم في موج كالجبال قال الله تعالى: {وهي تجري بهم في موج كالجبال} [هود: 42]، وذلك أن الله تعالى أرسل من السماء مطرا لم تعهده الأرض قبله، القطرة كالجبل. المطر غطى كل جبال الدنيا. وأمر الأرض أن تخرج ماءها، فنبعت من جميع فجاجها فأخرجت الماء وقد عم جميع الأرض سهلها وحزنها وجبالها وقفارها، فلم يبق على وجه الأرض أحد ممن عبد غير الله عز وجل. قال الله تعالى: {فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين} [الأعراف: 64].

وطافت السفينة بالأرض كلها، صارت تدور بهم ستة أشهر وزيادة لا تستقر حتى ذهبت بهم إزاء الكعبة وإلى منى وإلى عرفات. ثم بعد أن هلك غير المؤمنين فلم يبق منهم كبير ولا صغير، وبعد أن أمر الله الأرض أن تبتلع ماءها، وأمر السماء أن ترفع ماءها. ذهبت السفينة في الأرض تسير بهم حتى انتهت إلى جبل الجودي وهو بأرض الـموصل فاستقرت عليه.

قال تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين} [هود: 44]. ثم لما غاض الماء أي نقص عما كان وأمكن السعي فيها والاستقرار عليها هبط نوح ومن معه من السفينة التي استقرت بعد سيرها على ظهر الجودي قال الله تعالى: {قيل يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} [هود: 48].

اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة