الأحد يناير 25, 2026

قال المؤلف رحمه الله: ولا شىء مثله.

   الشرح أي لا يوجد شىء يماثله من جميع الوجوه أو بعض الوجوه. لأن المماثلة إما أن تكون من جميع الوجوه وهي المرادة عند الإطلاق، وإما من بعض الوجوه وهي المرادة ببعض العبارات، وهي أن يقال فلان مثل فلان إذا أريد به أنه يماثله في بعض الوجوه وهذه مماثلة جزئية، أما الإطلاق الوارد بحيث يسد مسده يقال فلان مثل فلان وهذه مماثلة مطلقة. وقد تطلق المماثلة على ما هو أقل من ذلك وهذا بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فلا يقال الله يماثل كذا في كذا. أما الاتفاق باللفظ فليس ذلك مماثلة، فليس من المماثلة أن يقال عن الله حي وعن المخلوق حي، أو الله موجود وفلان موجود، فالله تعالى وجوده ليس كوجودنا الحادث، وجوده بذاته لا يحتاج إلى شىء، وكل شىء يحتاج إليه. فالمثلية المنفية عن الله المثلية في المعنى، فبطل قول الفلاسفة إنه لا يقال عن الله حي ولا دائم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، وإن زعم بعضهم أن هذا يقتضي المماثلة لأن هذا ليس مماثلة بل اتفاق باللفظ [قال الشيخ رضي الله عنه: إذا قلنا الله عالم وفلان عالم هذا يقال فيه توافق في اللفظ ولا يقال فيه اشتراك. قبيح أن يقال عن هذا اشتراك]، فالله تعالى يطلق عليه هذه العبارة: موجود، حي، سميع، بصير، متكلم، مريد، عالم، ويطلق هذا اللفظ على غيره لأن هذا اتفاق في اللفظ لا في المعنى فلا يقتضي المماثلة والمشاركة.

   تنبيه: المثلان هما الأمران الذي يسد كل واحد منهما مسد الآخر، وهذا في الإطلاق الغالب، إذا كان هناك عالمان وكل منهما يقوم مقام الآخر يقال عنهما مثلان.

   فائدة: علم التوحيد يقال له علم الكلام وذلك لأن أكثر ما يبحث فيه في الماضي مسئلة الكلام لأنه صارت معارك كبيرة بين أهل السنة وبين المعتزلة، حتى إن بعض الخلفاء العباسيين أخذ بكلامهم فصار يقول القرءان مخلوق ومن لم يقل القرءان مخلوق يعذبه وذلك مما أخذه من المعتزلة ولم يأخذ عنهم غيرها كالقول بخلق الأفعال.

   المعتزلة كانوا يقولون بنفي الكلام الذاتي [المعتزلة يقولون الله ليس متكلما بكلام قائم بذاته إنما هو متكلم بمعنى أنه خالق الكلام في غيره كالشجرة التي كان موسى عندها فسمع ذلك الكلام الذي خلقه الله في الشجرة وأما أن يكون هو متكلما بكلام قائم بذاته فلا]، والحشوية وهم المجسمة كابن تيمية وأسلافه ومن تبعه بعد ذلك، هؤلاء يقولون الله له كلام وكلامه حروف وأصوات تحدث ثم تنقضي ولا يزال على هذا الحال، فبزعمهم هذا جعلوه مثل البشر، تعالى الله عن ذلك [الحشوية هم المشبهة القدماء، المشبهة يقولون الله متكلم بكلام هو حروف وأصوات متعددة يحدث في ذاته ثم ينقطع ثم يحدث ثم ينقطع ومنهم ابن تيمية لعنه الله. أما أهل الحق فقالوا الحادث هو الذي تقوم به صفات تحدث ثم تنقضي ثم تحدث ثم تنقضي وهكذا والذي يقوم به ذلك الحادث لا يكون أزليا خالقا لغيره وهذا وجه فساد رأي ابن تيمية لعنه الله وزاد بعضهم القول بأن كلام الله الذي هو صفته حال في المصاحف ومع ذلك هو قديم لأن كلام الله تعالى مسموع واحتجوا بقوله تعالى ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ وليس احتجاجهم هذا صوابا لأن الله أراد بقوله ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ أي الدال على كلام الله وهو القرءان بمعنى اللفظ المنزل أما الكلام الذاتي فمن أين يسمعونه ولو كانوا يسمعون الكلام الذاتي لكانوا مثل موسى الكليم عليه السلام ولم يكن فرق بين موسى وبين أولئك الكفار الذين يسمعهم الرسول ويتلو عليهم القرءان لغرض أن يؤمنوا ويصدقوا].

   وأهل الحق ثبتوا على معتقدهم وهو أن الله متكلم بكلام هو صفة أزلية أبدية ليس بحرف ولا صوت، وأنزل كتبا على بعض أنبيائه تقرأ بحروف هي عبارات عن كلامه الذاتي الذي ليس حرفا ولا صوتا، لأنه لولا هذا الفرق بين الكلام الذي هو عبارة عن هذا اللفظ المنزل والكلام الذي هو صفة أزلية القائم بذات الله لكان من سمع هذا اللفظ كليم الله كما أن موسى كليم الله وهذا لا يجوز، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ [سورة التوبة/6] أي أن الله أمر نبيه بأنه إن استجاره أحد من المشركين ليسمع القرءان أن يؤمنه ثم بعد ذلك إذا لم يسلم يبلغه مأمنه أي ناحيته.

   ثم علم الكلام علم يقرره أهل الحق، وليس مذموما كما تظن المجسمة [قد يقول قائل في النهي عن الاشتغال بعلم الكلام قال ابن عباس: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» معتبرا أن مراد ابن عباس أن ينهى عن الاشتغال بعلم الكلام، الرد هو أن نقول إنه ورد النهي عن التفكر في الخالق مع الأمر بالتفكر في الخلق فإنه يوجب النظر والتأمل في ملكوت السموات والأرض ليستدل بذلك على أن صانع العالم لا يشبه شيئا من خلقه فمن لم يعرف الخالق من المخلوق كيف يعمل بهذا الأثر]، فإن السلف الصالح [وهم أهل القرون الثلاثة الأولى] منهم من اشتغل به، تأليفا وتعليما وتفهيما، ومنهم من عرفه لنفسه ولم يشتغل به تأليفا وتفهيما، لأن الحاجة للتأليف في أيامه كانت أقل، ثم اشتدت الحاجة إلى الاشتغال به تأليفا وتفهيما، وهذا ليس فيه ما يخالف شرع الله بل هو محض الدين [وموضوع علم التوحيد النظر في الخلق لمعرفة الخالق]، وهو أشرف علوم الدين، لأنه يعرف به ما يجب لله من الصفات الأزلية التي افترض الله معرفتها على عباده، وما يستحيل على الله من النقائص، وما يجوز على الله مع ما يتبع ذلك من أمور النبوة وأمور الآخرة. وقد ألف الإمام أبو حنيفة في علم الكلام خمس رسائل [وهي الفقه الأكبر والفقه الأبسط والوصية والعالم والمتعلم ورسالة عثمان البتي التي أثبتها الحافظ الزبيدي في شرح الإحياء]، وكان يذهب من بغداد إلى البصرة لمناظرة المعتزلة والمشبهة والملاحدة حتى إنه تردد إليهم نيفا وعشرين مرة، وكذا الإمام الشافعي رضي الله عنه كان يتقن هذا العلم، والذي ذمه ليس هذا العلم بل كلام أهل الأهواء وهم من خرج عن أهل السنة كالمرجئة والجهمية والمعتزلة والخوارج وما أشبههم [المعتزلة عشرون فرقة والخوارج عشرون والروافض اثنتان وعشرون والمرجئة خمس فرق والنجارية ثلاث فرق والمشبهة والجبرية] فقد قال الشافعي رضي الله عنه: «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما سوى الشرك خير له من أن يلقاه بشىء من الأهواء».

   والأهواء جمع هوى وهو ما مالت إليه نفوس المبتدعة الخارجين عما كان عليه السلف، وليس مراد الشافعي بالأهواء هذا العلم الذي هو فرض تعلمه. كذلك اشتغل بهذا العلم عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد وعمل رسالة [في الرد على القدرية] يبين فيها مذهب أهل الحق ويدحض بها رأي المعتزلة، كذلك الحسن البصري الذي هو من أكابر التابعين، وتكلم فيه الإمام مالك [له رسالة مخطوطة في الرد على المعتزلة] وغيره من أئمة السلف. فلا يلحق شىء  من ذم هذا العلم الذي يشتغل به أهل السنة، وقد أحسن في ذلك من قال:

عاب  الكلام  أناس  لا  عقول  لهم           وما   عليه  إذا  عابوه   من  ضررر

ما ضر شمس الضحى في الأفق طالعة          أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

   والإمام أحمد ليس كما يظن المشبهة عنه حيث قالوا: إن القول بأن كلام الله حرف وصوت مذهب أحمد، بل هو لم يكن يرى أن يطلق هذا اللفظ «القرءان مخلوق» ولا أن يقال «لفظي بالقرءان مخلوق» لأنه قد يتوهم متوهم من هذا اللفظ أن القرءان مخلوق أي الكلام الذاتي مخلوق، أي وصف الكلام الذاتي بالمخلوقية، أما أن يعتقد أن الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت قائم بذاته فهو بريء من ذلك، فحذرا من ذلك يمنع من الأمرين.