قال المؤلف رحمه الله: وقد علم الله تعالى، فيما لم يزل، عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص منه، وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه، وكل ميسر لما خلق له.
الشرح الجملة الأولى التي فيها بيان إحاطة علم الله بمن يدخل الجنة تفصيلا، وبعدد من يدخل النار تفصيلا [علم الله أزلي أبدي وقدرته ومشيئته وكلامه لا يزيد ولا ينقص، لو كان الله علمه يزيد وينقص لكان مثل خلقه، والمخلوق متغير والتغير على الله محال. بعلم واحد علم كل شىء حصل ويحصل في الآخرة. والآخرة لا نهاية لها، هذا الذي لا نهاية له يعلمه بعلم أزلي. أهل الجنة لا يموتون وأنفاسهم دائمة، كذلك أهل النار الكفار لا يموتون وأنفاسهم دائمة لا نهاية لها، الله علم كل هذا في الأزل، بعلم واحد علم جميع ما كان وما سيكون، بعلم أزلي ليس بعلم يعقبه علم، لا، بعلم واحد يعلم هذا كله]، وأراد المؤلف بها أن يبين ما قرر من أزلية صفات الله الذاتية والفعلية كما قال فيما تقدم: «ما زال بصفاته قديما قبل خلقه» بيانا لسعة علم الله وأن علمه لا يقدر بمعلوم الخلائق، وحسما لمادة الشك في القضاء والقدر من الضعفة أي ضعفة الأفهام، ودفعا لتلبيس أوهام القدرية أي المعتزلة على العوام، حيث زعموا: «كيف يعذب الله على ما قضاه وقدره» [الرسول صلى الله عليه وسلم علم أصحابه «اللهم أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك»، أي أطلب منك أن تعيذني من شر ما خلقته أنت، هذا دليل لأهل السنة على أن الله تعالى هو خالق الخير والشر وكل ما يحصل من العباد. الله هو الذي خلق الإيـمان في المؤمن وهو خلق الكفر في الكافرين، ليس المؤمنون خلقوا الإيـمان في نفوسهم ولا الكفار خلقوا الكفر في نفوسهم، ثم لو أعطى الإيـمان العباد كلهم لكان كل البشر وكل الجن مسلمين مؤمنين كالملائكة، لكن ما فعل. الله تعالى لحكمة خلق الإيـمان والطاعة في بعض خلقه وفي بعضهم الكفر والمعاصي. فعندما نرى أن الله يخلق الأضداد – الإيـمان ضد الكفر، الكفر ضد الإيـمان، الطاعة ضد المعصية – نزداد علما بكمال قدرة الله، كما أننا عندما نرى بعض الأشجار فيها ثمر حلو وبعض الأشجار ليس لها ثمر حلو وبعض الأشجار لها سم تقتل وبعض الأشجار دواء، عندما نرى أن الله خلق هذه الأشياء نزداد علما بكمال قدرة الله، لهذه الحكمة ما خلق الخير فقط، خلق الخير والشر]، فبين الطحاوي ما يؤيد ذلك، ومعنى ذلك أن الله علم عدد من يدخل الجنة أنهم يؤمنون ويطيعون عن اختيار وإيثار، وعلم عدد من يدخل النار أنهم يكفرون ويخالفون أوامره عن اختيار منهم عند وجودهم وكونهم بصفة البلوغ والعقل لا عن جبر واضطرار يستوجبون النار، ويستحيل أن لا يعلم ما يكون من مخلوقاته قبل وجودهم إذ ذاك جهل والجهل في حق القديم محال، فثبت سبق علمه في الأزل بما يكون من مخلوقاته.
أما قول المؤلف: «وكل ميسر لما خلق له» هذا لفظ حديث مشهور صحيح الإسناد رواه أصحاب الكتب الستة، والمعنى أنه من قدر أنه من أهل الجنة قدر له ما يقربه إليها من قول وعمل ووفق لذلك، ومن قدر أنه من أهل النار قدر له خلاف ذلك فأتى بأعمال أهل النار وأصر عليها حتى طوى عليه صحيفة عمره.