لما انصرف النبي ﷺ من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة إلى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء، فعسكر قيس بناحية قناة([1]) في أربعمائة من المسلمين.
فقدم رجل من صداء – قبيلة من اليمن([2]) – يسأل عن ذلك البعث فأخبر في شأنهم فخرج سريعا حتى ورد على رسول الله ﷺ فقال: جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك بقومي، فردهم رسول الله ﷺ فقدم (وفد صدا)ء بعد ذلك على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلا، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله دعهم ينزلوا علي فنزلوا عليه فحباهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم إلى رسول الله ﷺ فاسلموا وبايعوا رسول الله ﷺ على من وراءهم من قومهم، فأسلموا وبايعوه ﷺ على من وراءهم من قومهم، وأمر رسول الله ﷺ زياد ابن الحارث الصدائي على قومه وكتب له في ذلك كتابا وكتابا ءاخر في شأن الصدقات.
وأقام زياد عند رسول الله ﷺ حتى صلوا الفجر، فجاءه ﷺ قوم يشكون عاملهم بأنه يأخذهم بأمور كانت في الجاهلية بينهم وبين هذا العامل، ولم يكن قد بدا من هذا العامل قبل ذلك مثل ما بدا منه، فقال ﷺ: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن»([3])، فلما سمع زياد ذلك أتى النبي ﷺ بالكتابين وقال له: يا رسول الله أعفني من هذين الكتابين، قال رسول الله ﷺ: «ما بدا لك؟» فأخبره بأنه خاف حين سمع ما سمع، فقال رسول الله ﷺ: «هو ذاك، فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع»، فقال زياد: أدع، فقال له ﷺ: «فدلني على رجل أؤمره عليكم»، فدله زياد على رجل من الوفد الذين قدموا عليه ﷺ فأمره عليهم.
وقال الوفد للنبي: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها فاجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه من حولنا، وإنا لا نستطيع اليوم أن نتفرق كل من حولنا عدو، فادع الله أن يسعنا ماؤها، فدعا رسول الله ﷺ بسبع حصيات ففركهن بين كفيه وقال ﷺ: «إذا أتيتموها فألقوا واحدة واحدة واحدة واذكروا اسم الله»، فما استطاعوا أن ينظروا إلى قعرها بعد([4]).
ولما رجع الوفد إلى بلادهم فشا فيهم الإسلام، ثم لما كانت حجة الوداع وافى مائة رجل منهم النبي ﷺ([5]).
([1]) هو أحد أودية المدينة المنورة الثلاثة، قيل سمي بذلك لأن تبعا الحميري مر به فقال: «هذه قناة الأرض»، قاله في «معجم البلدان» (4/401).
([2]) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، نور الدين الهيثمي، (8/271).
([3]) الأنساب، عبد الكريم السمعاني، (8/282).