الإثنين فبراير 23, 2026

وفد دوس

(و)وفد عليه ﷺ بعد الأشعريين (دوس) بفتح الدال وإسكان الواو وترك التنوين أي (القوم) الـمسمون بذلك، وكانوا أربعمائة فرحب بهم رسول الله ﷺ ودعا لهم.

وفي الخبر الذي أورده ابن سعد([1]) أن الطفيل بن عمرو الدوسي كان رجلا شريفا في قومه شاعرا كثير الضيافة، فقدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته، إنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلمه ولا تسمع منه، قال الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، فغدوت إلى الـمسجد وقد حشت أذني كرسفا([2]) فرقا من أن يبلغني شيء من قوله حتى كان يقال لي: ذو القطنتين.

قال الطفيل: فغدوت يوما إلى الـمسجد فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي: وا ثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه فقلت: يا محمد، إن قومك قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا لي، فوالله ما تركوني يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لأن لا أسمع قولك، ثم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا، فاعرض علي أمرك، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام وتلا عليه القرءان، فقال الطفيل: لا والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه، فأسلم وشهد شهادة الحق، ثم قال: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال ﷺ: «اللهم اجعل له ءاية»، قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل الـمصباح فقلت: اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم، فتحول النور فوقع في رأس سوطي، فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل الـمعلق، فدخلت بيتي فأتاني أبي فقلت له: إليك عني يا أبتاه فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد، قال: يا بني ديني دنك، فأسلم أبوه، وكذلك فعل الطفيل بأمه فأسلمت أيضا.

وكان ذو الشرى صنم دوس، فدعاهم الطفيل إلى الإسلام فأبطأوا عليه، فجاء رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قد غلبتني دوس فادع الله عليهم، فقال ﷺ: «اللهم اهد دوسا وأت بها»، ثم قال له ﷺ: «اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم»، فخرج الطفيل إليهم، ولم يزل بأرض دوس يدعوهم حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى الـمدينة ومضى بدر وأحد والخندق، فقدم الطفيل مرة أخرى على رسول الله ﷺ بم، أسلم من قومه ورسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لهم ﷺ مع الـمسلمين، ومكث الطفيل مع رسول الله ﷺ حتى فتح الله عليه مكة فقال: يا رسول الله، ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه، وقد سبق في «باب البعوث» ذكر بعثه ﷺ الطفيل وما حصل.

([1]) الطبقات الكبرى، أبو عبد الله بن سعد، (4/238، 239).

([2]) أي: قطنا.