الخميس مارس 5, 2026

قال الله تعالى:
{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه
فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك
إني كنت من الظالمين}
[الأنبياء: 87].

قوله تعالى: يعني يونس بن متى عليه السلام، و«النون» أي الحوت وأضيف عليه السلام إليه لابتلاعه إياه، وقوله تعالى: {إذ ذهب مغاضبا} أي ذهب مغاضبا لقومه أهل نينوى – في العراق – لأنهم كذبوه ولم يؤمنوا بدعوته وأصروا على كفرهم وشركهم وأبطؤوا عن تلبية دعوته والإيمان به وبما جاء به من عند الله.

قال ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» ما نصه([1]): «غضب على قومه، قاله ابن عباس، والضحاك». ويقول([2]): «فظن أن لن نضيق عليه، قاله عطاء». اهـ.

وقال الإمام أبو منصور الماتريدي في كتابه «تأويلات أهل السنة» ما نصه([3]): «قال بعضهم (فظن أن لن نقدر عليه) أي: لن نضيق عليه، ولا نبتليه بالضيق الشديد لما خرج من عندهم، فيقال: فلان مقدر عليه، ومقتر، ومضيق عليه الأمر، وهو كقوله {يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} [الإسراء: 30]، أي: يضيق، وقوله: {فقدر عليه رزقه} [الفجر: 16]، أي: ضيق عليه رزقه». ثم قال في قوله تعالى حكاية عن يونس عليه السلام {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ما نصه: «ثم اعترف بذلته وذنبه». اهـ.

ومما أجمعت عليه الأمة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون محفوظون من طفولتهم إلى مماتهم من الكفر وكبائر الذنوب وصغائر الخسة، فيونس عليه السلام لم يكن ذنبه من هذا القبيل بل كان معصية صغيرة لا خسة ولا دناءة فيها، ثم تاب فورا وتاب الله عليه.

وقوله: «من الظالمين» ليس الظلم الذي هو من الكبائر لأنه لم يأكل مال إنسان ظلما ولا تصرف في حقوق الناس بالباطل، إنما قال ذلك في معرض مناجاته لربه في مقام التضرع والدعاء واللجوء إلى الله، ومن نسب إليه الظلم الذي هو كبيرة من الكبائر فقد كذب دين الله وافترى على أنبيائه.

فلا يجوز اعتقاد أن نبي الله يونس عليه السلام ذهب مغاضبا لربه فإن هذا كفر وضلال ولا يجوز في حق أنبياء الله الذين عصمهم الله وجعلهم هداة مهتدين عارفين بربهم، فمن نسب إلى يونس عليه السلام أنه ذهب مغاضبا لله فقد افترى على نبي الله ونسب إليه الجهل بالله والكفر به، وهذا يستحيل على الأنبياء لأنهم معصومون من الكفر والكبائر وصغائر الخسة قبل النبوة وبعدها.

وأما قوله تعالى: {فظن أن لن نقدر عليه} [الأنبياء: 87]، أي ظن أن الله تعالى لن يضيق عليه بتركه لقومه قبل أن يؤمر بذلك، وهو كقوله تعالى: {وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه} [الفجر: 16]، أي ضيق عليه رزقه. فلا يجوز أيضا أن يعتقد أن نبي الله يونس عليه السلام ظن أن الله تعالى لا يستطيع عليه لأن هذا مما لا يعذر فيه أحد العوام فضلا عن نبي كريم. فأنبياء الله تعالى جميعهم عارفون بالله وهم أفضل خلق الله وقد عصمهم الله تعالى من الجهل به ومن كل فعل وقول واعتقاد ينافي العصمة، ومن نسب إلى نبي من أنبياء الله أنه ظن أن الله تعالى لا يستطيع عليه فقد نسب إليه الكفر والجهل بالله، وهذا لا يجوز في حق الأنبياء للعصمة الواجبة في حقهم. فجميع الأنبياء منذ نشأتهم كانوا عارفين بالله، وقد أفاض الله تبارك وتعالى على قلوبهم معرفته، فكانوا مؤمنين مسلمين معصومين من الكفر والضلال، فهم لا يعتقدون ما ينافي العقيدة الصحيحة التي أمرهم باتباعها وتعليمها للناس.

نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه «فتح الباري شرح صحيح البخاري»([4])، عن الحافظ ابن الجوزي الحنبلي أنه قال: «جحده صفة القدرة كفر اتفاقا». اهـ. ويدخل في هذا أيضا من شك في قدرة الله تعالى على كل شيء.

 

([1]) تفسير زاد المسير زاد المسير (طبعة المسمى المكتب الإسلامي، الطبعة الرابعة 1407هـ الجزء الخامس ص381).

([2]) زاد المسير (ص383).

([3]) تأويلات أهل السنة (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1426هـ المجلد السابع ص370).

([4]) فتح الباري شرح صحيح البخاري (طبعة دار الريان سنة 1407ر الطبعة الأولى الجزء السادس ص604).