قال المؤلف رحمه الله: وتعالى عن الحدود والغايات والأعضاء والأركان والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.
الشرح أي أن الله تعالى ليس له حد [المعنى أنه ليس له حد بالمرة، فلا يقال إن له حدا يعلمه هو، ولا يقال إن له حدا يعلمه هو وغيره من خلقه، كالملائكة الحافين حول العرش وحملة العرش. الناس الذين ما دخل التنزيه قلوبهم ما عرفوا تنزيه الله، يظنون عندما يسمعون بحملة العرش والملائكة الحافين حول العرش، أن هؤلاء قريبون من الله تعالى قربا مكانيا قربا ذاتيا، وهذا مستحيل. لو كان يصح أن يكون شىء من خلقه قريبا منه قربا ذاتيا، قربا مكانيا، لم يقل ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾، أي نحن أقرب إلى العبد من حبل الوريد أي العرق الذي بجانبي العنق، وقد قال ذلك ليفهمنا أنه تبارك وتعالى لا يجوز عليه القرب المسافي ولا البعد المسافي، ليس شىء من خلقه لا حملة العرش ولا غيرهم قريبا من الله قربا ذاتيا مسافيا، ولا شىء من خلقه بعيدا عنه بعدا ذاتيا مسافيا] والحد معناه نهاية الشىء، فلا يجوز عليه الحدود والمساحة والمقدار، فنفي الحد عنه عبارة عن نفي الحجم [ليس معنى نفي الحد عن الله أنه ممتد إلى غير نهاية، الحد معناه نهاية الشىء، والأجرام كلها لها حد، العرش له حد يعلمه الله، ولكن نحن البشر لا نعلم مساحة العرش كم هي، ولا الكرسي ولا السموات السبع ولا الجنة ولا جهنم]. ومعنى «الغايات» النهايات وهذا من صفات الأجسام. ومعنى «الأركان» الجوانب، ومعنى «الأعضاء» جمع عضو وذلك من خصائص الأجسام، ومعنى «الأدوات» الأجزاء الصغيرة كاللهاة.
ومعنى قوله: «لا تحويه الجهات الست»، أي لا تحيط به الجهات الست وهي فوق وتحت ويمين وشمال وقدام وخلف، لأن هذه لا تصح إلا لمن هو جرم [قال الشيخ رضي الله عنه: المخلوقات لا تخلو عن التحيز في إحدى الجهات الست، لأن الحادث لا بد أن يكون بمكان]، وفي هذا رد على ابن تيمية حيث قال إن لله حدا يعلمه هو [الله تعالى تنزه عن الحدود أي الحد منفي عنه، لأن المحدود يحتاج إلى حاد والله تعالى لو كان له حدود لاحتاج إلى من حده بهذا الحد، والمحتاج إلى غيره حادث مخلوق لا يكون إلها، لأن الإله من شأنه أنه لا يحتاج إلى غيره ويحتاج إليه كل شىء، لأن وجوده لا يحتاج إلى سبب، أما وجود غيره فمتوقف عليه]، وأما إثبات الحد لله فلم يصح عن أحد من السلف كما أوهم ذلك ابن تيمية، بل نقل الطحاوي هذا فيه أن السلف كانوا على تنزيه الله عن الحد [فالله ليس له حد بالمرة أي ليس ذا مقدار ومساحة قصيرة أو كبيرة، هو منزه عن ذلك، لذلك أهل الحق قالوا عنه موجود لا كالموجودات. إذا سئل هذا السؤال: ما الله؟ فيقال موجود لا كالموجودات، هذا من أحسن الجواب، في هذا تنزيه تام، لأنك لما قلت موجود أثبت وجوده، ثم إذا قلت لا كالموجودات نفيت عنه أن يشبه غيره، وهذا هو عين التوحيد، كما قال بعض العلماء من أهل السنة عبارة أخرى بهذا المعنى: «التوحيد إثبات ذات غير مشبه للذوات ولا معطل عن الصفات»].
والله سبحانه وتعالى ليس داخل العالم وليس خارجه وليس متصلا به أو منفصلا عنه، لأنه لو كان كذلك لكان له أمثال لا تحصى، وهو سبحانه نفى عن نفسه المماثلة لشىء بقوله: ﴿ليس كمثله شىء﴾ [سورة الشورى/11]. وقد نص على نفي التحيز في المكان والاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق عن الله تعالى خلق كثير من مشاهير علماء المذاهب الأربعة، فلتراجع نصوصهم.