نور العين في بيان أخطاء تفسير الجلالين
قال المحدث عبد الله بن محمد صديق الغماري الحسني الإدريسي في كتابه «بدع التفاسير» ما نصه[(829)]: «تفسير الجلالين ينساق مع الإسرائيليات».
* في الجزء الأول من كتاب «تفسير الجلالين» هناك موضعان:
* عند قول الله تعالى في تفسير سورة الأعراف {فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *} .
يقول الكاتب: أي أن ءادم وحواء وافقا إبليس في أمره لهما بتسمية المولود الذي يأتيهما «عبد الحارث».
الرد:
هذا شىء لا يليق بآدم وحواء أن ينخدعا للشيطان إلى حد الإشراك، فيستحيل على نبي من الأنبياء أن يشرك بالله قبل النبوة وبعدها، وذلك متفق عليه بلا خلاف في عقيدة المسلمين. ثم إنّ حواء وليّة من الوليّات أيضا لا تنخدع بهذا للشيطان، فالله تبارك وتعالى يقول في أوليائه {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *} [سورة يونس] .
والمعنى الصحيح لهذه الآية أن الأب والأم من ذرية ءادم وحواء (أي من بعد نبي الله إدريس) أشرك بعضهم بدل أن يشكروا الله بطاعته ويدل ءاخر الآية على ذلك وهو قوله تعالى: {…فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *} .
– قال النسفي في تفسيره ما نصه: «جعلا له شركاء» أي جعل أولادهما (أي من بعد نبي الله إدريس) له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك «في ما ءاتاهما» أي ءاتى أولادهما.
دليله: {…فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *} حيث جمع الضمير، وءادم وحواء بريئان من الشرك. اهـ
وحاصل المعنى أن البعض أشرك بالله بعد نبي الله إدريس عليه السلام، وقوله تعالى: {…فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *} أي تنزه الله عمّا زعموا من الشرك وإن كانت جاءت الآية بصيغة الجمع لكنه لا يراد بذلك ءادم وحواء لأنهما بريئان من الشرك.
* ومما لا أصل له ما جاء في تفسير سورة يوسف {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ… *} .
يقول الكاتب: قصد ذلك أي بالجماع، أي قصد الزنا.
الرد:
هذا ضلال وغلط شنيع يخالف نزاهة الأنبياء فيستحيل على نبي من الأنبياء قصد الزنا كما يستحيل عليه فعله لما فيه من الطعن والقدح بنبي من الأنبياء.
– قال الحافظ أبو الفرج عبد الرحمـن ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» ما نصه[(830)]: «ولا يصح ما يروى عن بعض المفسرين أنه حلّ السراويل وقعد منها مقعد الرجل، فإنه لو كان هذا دل على العزم، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا» اهـ.
– وقال الفخر الرازي في تفسيره ما نصه: «إن يوسف عليه السلام كان بريئا عن العمل بالباطل والهمّ المحرم، وهذا قول المحققين من المفسرين والمتكلمين وبه نقول وعنه نذبّ»[(831)] اهـ.
– وقال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي في تفسيره «النهر الماد» ما نصه[(832)]: «الذي نقوله إن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ ألبتة بل هو منهي لوجود رؤية البرهان».
وقال أيضا: «واعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة: يوسف عليه السلام وتلك المرأة وزوجها والنسوة والشهود، وربّ العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضا عن المعصية، وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب».
– أما بيان أن يوسف عليه السلام برّأ نفسه من الذنب فهو قوله عليه السلام «هي راودتني عن نفسي» وقوله عليه السلام «ربِّ السجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه» .
– وأما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت النسوة «ولقد راودته عن نفسه فاستعصم» وأيضا قالت «الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنّه لمن الصادقين» .
– وأما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك فهو قوله: «إنّه من كيدكنّ إنّ كيدكن عظيم يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك» .
– وأما الشهود فقوله تعالى: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ *} وقد كان قميصه قدّ من الدبر – أي من الخلف -.
– وأما شهادة الله تعالى بذلك قوله «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين» فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته عدة مرات.
– وأما بيان أن إبليس أقرّ بطهارته فلأنه قال {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ *} فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين ويوسف من المخلصين لقوله تعالى: {…إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ *} فكان هذا إقرارًا من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريقة الهدى اهـ.
– وقال أيضا في تفسيره ما نصه[(833)]: «المراد أنه عليه السلام هم بدفعها عن نفسه ومنعها عن ذلك القبيح، لأن الهم هو القصد فوجب أن يحمل في حق كل أحد على القصد الذي يليق به فمراد المرأة (أي زليخا امرأة العزيز) تحصيل اللذة والتمتع، واللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقال: هممت بفلان أي بضربه ودفعه.
فإن قيل: فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله {…لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} فائدة.
قلنا: بل فيه أعظم الفوائد وبيانه من وجهين:
الأول: أنه تعالى أعلم يوسف عليه السلام أنه لو همّ بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر بقتله، فأعلمه الله تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك.
والثاني: أنه عليه السلام لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق من قُدام، ولكان الشاهد شهد عليه عندها بالخيانة، ولو كان ثوبه ممزقا من خلف لكانت المرأة هي الخائنة، فالله تعالى أعلمه بهذا المعنى، فلا جرم أنه لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولّى عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية» اهـ.
فيتلخص مما ذكر أن الله تبارك وتعالى عصم الأنبياء عن الرذائل ونزههم عنها ويوسف عليه السلام لم يشتهها لنفسه ولا أراد أن يواقعها ولم يهم بذلك، هذا هو اللائق بالنبي يوسف عليه السلام وهو من تعلق قلبه بمحبة الله وتعظيمه ومخافته كغيره من إخوانه الأنبياء وهذا هو اعتقاد المسلمين.
– وقال بعض العلماء في تفسير الآية: {…وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} .
أحسن ما قيل: إن جواب لولا محذوف يدل عليه ما قبله أي لولا أن رأى برهان ربه لهمّ فلم يحصل منه همٌ بالزنا لأن الله تبارك وتعالى أراه برهانه، كما تقول لصديقك: «زرتك لولا أمطرت» فلم تحصل الزيارة لنزول المطر.
فالقول إن سيدنا يوسف عليه السلام همّ بالزنا بامرأة العزيز أي قصد ذلك هو قول باطل عاطل مخالف لهدي القرءان وفيه طعن وقدح بنبي من الأنبياء، وهي دعوى باطلة بالنقل والعقل، وفيه ضلال مبين.
* ومما لا أصل له ما في الجزء الثاني من هذا التفسير ففيه غلطان:
الأول: في تفسير سورة الحج عند قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِّيٍ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ… *} [سورة الحج] .
يقول الكاتب: وقد قرأ النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النجم بمجلس من قريش بعد «أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الأخرى» بإلقاء الشيطان على لسانه من غير علمه صلى الله عليه وسلم: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» ففرحوا بذلك وكانوا بالقرب منه مع المسلمين، وقالوا ما ذكر ءالهتنا بخير قبل اليوم فجاء جبريل وقال له: هذا ليس من القرءان فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله الآية تسلية له {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ… *} .
الرد:
هذه الرواية غير صحيحة، وحصول قراءة شىء غير القرءان على ظن أنه قرءان مستحيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو معصوم من ذلك، فقد قال الفخر الرازي: «يكفر من اعتقد أن الشيطان أجرى كلاما على لسان النبي صلى الله عليه وسلم هو مدح الأوثان الثلاثة اللات والعزى ومناة بهذه العبارة: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» إذ يستحيل أن يمكّن الله الشيطان من أن يجري على لسان نبيه مدح الأوثان.
«والتفسير الصحيح: أن كل نبيّ كان يقرأ على قومه ثم الشيطان يُلقي إلى الناس كلاما غير الذي يقرؤونه أي يزيد للناس من كلامه على ما قاله النبي ليوهم الناس أن النبي قال ذلك أي ليفتنهم، فينسخ الله ما يلقي الشيطان ويثبت ما يقرؤونه وذلك ابتلاء من الله تبارك وتعالى، وليس في أي كتاب معتبر أن الشيطان يلقي على ألسنة الأنبياء كلامًا وإلا لارتفعت الثقة في كلامهم ولقال الناس لعل هذا من إلقاء الشيطان فلذلك استحال حصول ذلك.
قال النسفي ما نصه[(834)]: ولأنه تعالى قال في صفة المنزل عليه – أي على النبي صلى الله عليه وسلم – « لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» .
وقال: «إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون» فلما بطلت هذه الوجوه – حيث ذكر احتمالات وردّها – لم يبق إلا وجه واحد وهو أنه عليه السلام سكت عند قوله: «ومناة الثالثة الأخرى» فتكلم الشيطان بهذه الكلمات متصلا بقراءة النبي صلى الله عليه وسلم فوقع عند بعضهم – من المشركين – أنه عليه الصلاة والسلام هو الذي تكلم بها فيكون هذا إلقاء في قراءة النبي صلى الله عليه وسلم – وكان الشيطان يتكلم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ويُسمَعُ كلامه، فقد رُوي أنه نادى يوم أحد ألا إن محمدا قد قتل، وقال يوم بدر: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم».اهـ.
والثاني: في تفسير سورة ص ءاية 23 في تفسير النعجة المذكورة في الآية {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ *} .
يقول الكاتب: (لتنبيه داود عليه السلام على ما وقع منه وكان له تسع وتسعون امرأة وطلب امرأة شخص ليس له غيرها وتزوجها ودخل بها).
ثم فسر قوله تعالى: {…وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} » فقال: (أوقعناه في بلية بمحبته تلك المرأة).
الرد:
أساء الكاتب بقوله: إن النعجة هي امرأة شخص أعجب بها داود فعمل حيلة فأرسل زوجها للغزو ليقتل هناك ثم يأخذها داود، وهذا لا يليق بمنصب النبوة.
قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في تفسيره بعد ذكر هذه القصة المكذوبة عن سيدنا داود: «وهذا لا يصح من طريق النقل ولا يجوز من حيث المعنى، لأن الأنبياء منزهون عنه، وأما استغفار داود ربه فهذا لأنه حكم بين الاثنين بسماعه من أحدهما قبل أن يسمع الآخر».
والمقصود بالنعجة في هذه الآية هي النعجة الحقيقية وليس المراد بها امرأة، وإن كانت العرب قد تكني بالنعاج عن النساء لكن لا يجوز تفسير النعاج في هذه الآية بالنساء.
فائدة: لو فعل ذلك ملك من ملوك الأرض بصديقه أو قائد من قادة جيشه ذلك إعجابا بزوجة هذا القائد ليستأثر بها إذا قتل لنفرت منه النفوس، فما لبعض الناس يقولون في حق أنبياء الله ما لا يليق بهم، فهم أي الأنبياء قدوة للناس وقد جمّلهم الله بالصفات الحميدة وعصمهم عن الصفات الذميمة.
تنبيه مهم: مما يجب التحذير منه كتاب (قصص الأنبياء) للثعالبي، ففيه مثل هذه المواضع وزيادة عليها من قصص أخرى مفتراة لا أصل لها، كالقصة التي تروى أن الدود كان يتناثر من جسد أيوب عليه السلام في مرضه فصار يردها إلى جسده ويقول لها: «كلي فقد جعلني الله طعامك» وأن أيوب عليه السلام على زعمه تقطع لحمه وأنتن فأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا، نعوذ بالله تعالى من الضلال فقد أجمع علماء الإسلام على أن أنبياء الله هم صفوة خلق الله وهم علماء حكماء معصومون بعصمة الله لهم تبارك وتعالى فيستحيل على أحدهم أن يضر نفسه – لأن حفظ النفس مما اتفقت عليه شرائع الأنبياء وأجمع عليه العقلاء -، ويستحيل عليهم أيضا الأمراض المنفّرة التي تنفّر الناس عنهم، وهذه القصة لا تجوز في حق نبي من الأنبياء وهي كذب، وهي مذكورة أيضا في بعض التفاسير غير المعتمدة.
وإنما أيوب عليه السلام ابتلاه الله تبارك وتعالى بلاء شديدا استمر مرضه ثمانية عشر عاما وفقد ماله وأهله ثم عافاه الله وأغناه ورزقه الكثير من الأولاد، وأما أن مرض أيوب طال ثمانية عشر عاما فهو في صحيح ابن حبان.اهـ.
ـ[829] زاد المسير (4/205).
ـ[830] التفسير الكبير (18/118).
ـ[831] النهر الماد (2/114).
ـ[832] (18/120 – 121(.
ـ[833] (في الجزء الثالث ص107).