الخميس يناير 29, 2026

قال المؤلف رحمه الله: نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له [قال سيد الطائفة الصوفية الجنيد رضي الله عنه: «التوحيد إفراد القديم من المحدث» أي لا تشابه بين القديم وهو الله والمحدث وهو المخلوق].

   الشرح قوله: «نقول في توحيد الله» ابتدأ بالتوحيد لأنه أول خطاب يجب على المكلفين، وإليه دعت الأنبياء والرسل، وبه نزلت الكتب السماوية، أما الرسل والأنبياء الذين قامت على أيديهم المعجزات الخارجة عن وسع الخلائق كصيرورة النار بردا وسلاما على إبراهيم، وانقلاب عصا موسى ثعبانا يسعى، وتسخير الريح والجن والطير لسليمان، وتسبيح الجبال وتليين الحديد لداود، وخروج الناقة من الصخرة لصالح، وإحياء الموتى لعيسى، وانشقاق القمر ونبع الماء من بين الأصابع وكلام الشاة المسمومة وشهادة الضب والذئب، وتسبيح الحصى في الكف لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين، كلهم دعوا إلى توحيد الله بدليل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [سورة الأنبياء/25].

   وقوله: «معتقدين» فيه نفي للنفاق وتحقيق للإيـمان، لأن النفاق يجتمع مع الاعتراف اللفظي لكن لا يكون مقترنا بالاعتراف القلبي على وجه الجزم [النفاق نوعان نفاق في الإيـمان كالذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر في قلبه كأن يكون عنده شك بصحة الإسلام فهذا منافق وهو داخل تحت قوله تعالى ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾. ونفاق في الأعمال كما جاء في الحديث في صفة المنافق إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا خاصم فجر وفي رواية «وإذا وعد أخلف»، والإيـمان لغة التصديق وشرعا تصديق مخصوص لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم]، فالإيـمان والتصديق والاعتقاد يكون كل ذلك بالقلب، قال تعالى فيمن أقر باللسان دون القلب: ﴿قالوا ءامنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم﴾ [سورة المائدة/41] وفي قوله «معتقدين» بيان أن القول وحده لا يكفي عند الله بدون اعتقاد [الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال لبريدة حين أرسله إلى اليمن وكانوا على غير الإسلام: «ادعهم إلى توحيد الله فإذا عرفوه»، معناه هم ما عرفوا الله إنما بألسنتهم يعترفون لفظا بوجود الله، هذا معناه المعرفة بلا إذعان لا تنفع. الإذعان رضى النفس]، فمن نطق بالشهادتين ولم يذعن في نفسه بمعناهما فهو عندنا مسلم أما عند الله فليس بمسلم.

   وقوله: «بتوفيق الله» لأن الوصول إلى توفيق الله يكون بتوفيق الله وهدايته [التوفيق: خلق القدرة على الطاعة ويقابله الخذلان فمن خلق الله فيه القدرة على الطاعة ففعلها يقال فيه موفق، ومن خلق الله فيه القدرة على المعصية ففعلها يقال فيه مخذول. وليس معنى التوفيق مرادفا للإعانة لأن الله تعالى يعين العباد على الخير والشر] وهو مذهب أهل السنة والجماعة على ما قال ربنا عز وجل: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ [سورة العنكبوت/69] أي إلى توفيقنا وهدايتنا.

   ومعنى: «الواحد» في حق الله تعالى فسر بأنه الذي لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله [الله ليس له ثان وليس مركبا مؤلفا من أجزاء كالأجسام، فالعرش وما دونه من الأجرام مؤلف من أجزاء فيستحيل أن يكون بينه وبين الله مناسبة ومشابهة، فلا نظير له تعالى في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله].